حــانـــــة الــضـــاحــيــــة / رامي الأمين

قراءة خبر عن افتتاح حانة في ضاحية بيروت الجنوبية يحيل فوراًَ على سؤال مباشر: ماذا عن موقف “حزب الله” منها؟ لو كان الأمر افتتاح مطعم أو سناك أو مقهى أو أي شيء آخر لما كنا لنسأل، ولما كان هناك خبر من الأساس. لكن مصطلح “الحانة” في حد ذاته يربك قارئه عندما يرتبط بالضاحية الجنوبية، التي حسمت منذ بداية التسعينات علاقتها بالكحول، في الليلة الشهيرة التي سميت بـ”ليلة الكحول”، حينما اقدم مسلّحون على تفجير محال بيع المشروبات الروحية في المنطقة وتحطيمها و”تطهيرها” بالكامل من الدنس.

اليوم تعود الحانة إلى الضاحية من باب “شرعي”، وبمباركة صريحة من “حزب الله” الذي اوفد رجلاً إليها للتحري عن الموضوع، ثم ما لبث أن أبلغ صاحب الحانة بمباركة الحزب. هذا ما يقوله الخبر الذي نشرته جريدة “السفير”، ويضع مسألة افتتاح الحانة في خانة محاولة الضاحية “تجديد نفسها باستمرار، لتؤمن نوعاً من الاكتفاء الذاتي لمختلف فئات سكانها… من دون التعرض لخصوصيتها، في الوقت نفسه”. “التعرض لخصوصيات” الضاحية يتلخص في الضرورة بالمسّ بطابعها الديني والسياسي الذي يمثله “حزب الله”، هذا فضلاً عن “عادات أبنائها وقيمهم”. بيد أن المسألة لا تستأهل هذا الجدال كلّه، وخصوصاً عندما نضيف معلومة بسيطة حول الحانة المفتتحة حديثاً في الضاحية، وهي معلومة قد تقلب كل الموازين. فالحانة التي نتحدث عنها لا تقدّم المشروبات الكحولية، وهي كما سمّاها صاحبها “صفر في المئة كحول”. والحال أن هذا التفصيل يعدّ أساسياً إذا ما أخذ في الإعتبار، وتنتفي معه “مغامرة” الشاب، لأن المشروبات غير الكحولية، المتمثلة خصوصاً في “البيرة الشرعية” وجدت طريقها إلى الضاحية منذ زمن، وهي تقدَّم على طاولات المطاعم والمقاهي في الضاحية. لكن “المغامرة” تبقى بالنسبة إلى الشاب في أن الفكرة جديدة، ومبتكرة، وهي كما يقول في دردشة أجريتها معه في حانته، لم تكن مرتبطة بالضاحية تحديداً بل أن مفهومه للفكرة يكمن في إقامة حانة من دون كحول بمعزل عن المكان الذي تنوجد فيه.

لم يكن العثور على الحانة صعباً في الشارع الذي نبتت على ضفافه بعد حرب تموز مقاه ومطاعم حديثة الطراز، أبرزها “باب الحارة”. وكما أرشدني أحد الأصدقاء اتخذت من باب الحارة بوصلة لي، واهتديت إلى المكان بسهولة بعدما لمحته إلى يمين الطريق، وله طبعاً مظهر الحانات التي ارتادها عموماً في الحمراء أو الجميزة أو مونو. المكان صغير، فيه بار خشبي طويل تحوطه مجموعة من الكراسي العالية. الإضاءة ضئيلة تشبه الإضاءة في الحانات. ثمة قنان خلف البار فوق رفوف على الحائط، لا تشبه كثيراً قناني الويسكي والفودكا وخلافها، هي اقرب إلى العصير منها إلى الكحول. على الحائط أيضاً لوحة فيها كتابات قرآنية، ولا موسيقى في المكان. لم يكن هناك زبائن، بل شابان خلف البار، أحدهما بلحية مشذّبة، يلبس جينزاً وتي شيرت، تتدلى من رقبته سلسلة تحمل سيف “ذو الفقار” الخاص بالإمام علي بن أبي طالب. الآخر يلبس تي شيرت سوداء وجينزاً أسود، منهمكاً بكتابة رسالة على هاتفه الخليوي. كنت برفقة أحد الأصدقاء حينما دخلنا وعرّفنا عن أنفسنا على أننا صحافيان.

قلت للشاب خلف البار أنني أنوي الكتابة عن الحانة، وتصويرها للتلفزيون أيضاً. عاجلني بالترحيب لكنه يفضل أن أمهله بضعة أيام حتى ينتهي من أعمال الديكور في الطبقة السفلية من المحلّ، وأشار لي بيده إلى باب مفتوح بدا منه طرف الدرج المفضي إلى تحت. قلت أن لا مانع لديّ، وسألته عن فكرة المكان، فقال إنه غير معني بالفكرة لأن صاحب الحانة غير موجود، وهو يعمل لديه ليس إلا. رفع الشاب الآخر عينيه عن هاتفه الخليوي وقال لي إنه يستطيع أن يتصل بصاحب الحانة ليأتي، فلم أمانع. بالفعل طلب الشاب رقماً وقال بصوت حازم: “انزل هناك صحافيان ينتظرانك”. ثم سألنا عما نريد شربه، فأجابه صديقي ممازحاً بأن طلبنا غير موجود، في إشارة إلى المشروبات الكحولية. لكن النكتة لم تعجب الشاب فاكتفى بهزّ رأسه. دقائق قليلة ووصل أحمد، وهو الشاب صاحب الفكرة، له لحية خفيفة مشذّبة، يلبس قميصاً فوقه جاكيت جينز، ولديه شطب طفيف في حاجبه، لا يمكن التكهن ما إذا كان متعمّداً أم لا. رحّب الشاب بنا، وأخبرناه عن سبب زيارتنا، فقال إن تلفزيوناً فضائياً سبقنا إليه في الأمس، لكنه خاف لأن هذه القناة الفضائية تريد استخدام الفكرة ضد “حزب الله”، فتحجج بالديكور ليقذف الموعد إلى عشرة أيام مقبلة. لكنه عندما عرف أنني صحافي أعمل ايضاً في قناة “الجديد” وأنني أنوي تصوير الحانة لنشرة الأخبار، انفرجت أساريره وقال إن “الجديد من عظام الرقبة”. ثم استرسل في شرح فكرته، التي انطلقت من معاناته الفردية من الكحول، حين كان يعمل في حانات مونو ساقياً أو “بار تندر” كما لفظها بالإنكليزية. فهو كان يشاهد الزبائن كيف يدخلون بكامل هندامهم و”احترامهم” وكيف يخرجون منهوكين غير واعين لما يفعلونه. وكان هذا الأمر يزعجه كثيراً. أسأله: ألم تكن تشرب الكحول؟ فيجيب بالنفي تماماً، ويقول إنه لم يتذوق الكحول يوماً. كيف كنت تصنع الكوكتيلات، أسأل. كنت أعتمد حاسة الشمّ، يجيب. ويتابع تفنيد رأيه السلبي من الكحول مستنداً إلى حملات “اليازا” ووزارة الداخلية التي تطلب إلى الناس أن “لا يشربوا ويقودوا”، محاولاً إقناعي بأن الكحول مضرّ وخطير. ثم يستطرد ان الفرح والكيف لا يحتاجان إلى كحول، “يمكن المرء أن يفرح من دون أن يسكر. نحن نقدم هنا مشروبات لها الطعم نفسه للمشروبات الروحية. لا يمكنك التمييز. البيرة نقدمها ميكسيكان، أي مع الملح والحامض، ولا يختلف طعمها عن البيرة الوطنية الكحولية. نقدم معها الجزر والبزورات”. لكن التدخين مضرّ بالصحة، وتحذّر منه وزارة الصحة العامة، فلماذا لا تمنع التدخين؟ لا أسمع جواباً، وعندما اعتقدت خاطئاً بأنني اضعه في “بيت اليك”، حينما سألته “ولكن الناس عندما يشربون الكحول يطلبون كميات حتى يصلوا إلى النشوة، فما الذي يدفعهم إلى شرب كميات في حانتك؟”، أظهر مقدرة كبيرة على إيجاد المخارج، فأجابني بثقة كبيرة، بأنه يعتمد على براعته في تسلية الزبائن والتواصل معهم، وهذا اكتسبه من مهنة “البار تندر” التي تستدعي روحاً فكاهية وصدراً رحباً لسماع مشكلات الزبائن وهمومهم.

بدأ الحديث يتخذ طابع الأخذ والردّ، وكان كمن يحاول إقناعنا بأن فكرته يجب أن تعمّم، وألا تقتصر على الضاحية فحسب. قال إنه ينوي أن يفتتح في الطبقة السفلى صالة للتسلية والألعاب. وهو يعتزم افتتاح ما يشبه النادي الليلي في الضاحية في مكان قريب، خال أيضاً من الكحول، لكن الموسيقى فيه ستكون صاخبة، وسيكون لإقامة حفلات أعياد الميلاد والحفلات الشبابية عموماً. سألته عما إذا كانت الصبايا يحضرن إلى حانته، فأجاب بالإيجاب وأكد أن هناك محجبات تصادفهن على البار في أوقات كثيرة، يشربن البيرة الشرعية مع اصدقائهن. “ولكن هنا لا يمكن أن يقوم الشبان والشابات بحركات”، يقول الشاب الذي خلف البار، وعلى رقبته سيف علي بن أبي طالب. طلبت أن يفسّر أكثر لأنني لم افهم، فتبرع صاحب الحانة ليشرح لي أن الشاب كان يريد القول إن الإحتكاك الجسدي بين الشبان والشابات ليس متاحاً هنا كما هي الحال في الحانات الأخرى. فهمت أن الإحتكاك، هنا أيضاً، صفر في المئة. سألت عن الموسيقى التي كانت غائبة، فقال إنه توقف عن وضع الموسيقى الصاخبة، لأنه يعتزم أن يترك هذا الأمر إلى مشروعه الثاني، أي مشروع “النايت كلوب”، لكنه أكد أنه يستخدم الموسيقى الكلاسيكية والهادئة هنا، كتلك التي تستخدم في الحانات التي يأتي الناس إليها ليشربوا ويتحادثوا ويمضوا وقتهم بعيداً من الضجيج. وماذا عن “حزب الله”؟ يبتسم ويقول إنهم كانوا مرحبين بالفكرة، وهو فخور لأنه يعمل على إخراج الشبان من أجواء الكحول والحشيشة والحبوب المخدّرة. في الأثناء يدخل شاب ويجلس إلى البار. يفتح له “البار تندر” قنينة

عن ملحق النهار الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق