حـــرف الــــلام / سمير عطاالله

“لا يملك ميتران من كفاية سوى الطموح”.
ديغول

تزامنت ثلاثة انتخابات في دول العالم الثالث مع الانتخابات اللبنانية: في ايران، حيث طعنت المعارضة في النتائج. وفي افغانستان، حيث لم يصدق احد النتيجة. وفي الغابون، حيث الزمن الافريقي لا يتغير. ربما للمرة الاولى، كانت انتخابات لبنان بلا ضغوط معلنة وبلا ملالات، وبلا صناديق استلحاقية.

لكن الاقتراع الحر ليس هو الديموقراطية، ولا ضمانتها، ولا حتى ذريعتها. فامتحان العمل بالديموقراطية لا يتم فقط عند حرية الاختيار، بل عند ثقافة القبول بهذه الحرية. وقد فازت “جبهة الانقاذ” في الجزائر على “جبهة التحرير” ونحو 350 حزبا صغيرا آخر، لكن الجيش تدخل بكل علانية وعنف لالغاء الخيار، وابقاء الحكم في يد الجبهة التي عرفت كيف تنال الاستقلال، لكنها لم تعرف كيف تبني زمن الحرية، فغرقت في فساد فظيع واغرقت الناس في فقر مريع.

ولا مفر من المقارنة بين ما كنا عليه كدولة ومؤسسات غداة الاستقلال قبل 60 عاما، والانهيار العام الحاصل اليوم. فنحن ذاهبون الى عضوية مجلس الامن بموجب قانون التناوب الالفبائي، ولا ميزة اخرى. ولكن عندما تأسست الامم المتحدة ووضعت شرعة حقوق الانسان، كنا اصغر المدعوين وكبار المساهمين، لسببين جوهريين: الاول اننا، كدولة حديثة في آسيا، نمثل نموذجا نبيلا لقيامة الدول المتحررة من الاستعمار: دستور راق، وميثاق مترفع، ونخب مجلية، ومؤسسات عالية المستوى. اما السبب الآخر فكان كفاية مندوب لبنان، او بالاحرى تفوقه وتميزه.

بطاقة شخصية مثيرة بين الدول.

عندما انشأ عبدالله السالم الكويت المستقلة وسعى الى قبولها سريعا في الامم المتحدة، قدم لذلك بوضع دستور متقدم، واقامة مؤسسات حديثة، واستعان بجهاز قضاء واف من مصر، بالاضافة الى نظام اقتراع بلدي وبرلماني. العضوية في المحافل الدولية مشروطة.

ترتب عضوية مجلس الامن مسؤوليات معينة، وتفرض مفاهيم معينة على طبيعة العمل. فالمسألة ليست تشريفاتية، وان يكن نظام المجلس اصبح باليا، وقائما على تعسف “الدول الكبرى” التي صنفت كذلك بعد الحرب الكونية الثانية. ومنذ تلك الحقبة التي تقاسم فيها روزفلت وستالين وتشرشل كعكة العالم، مبقين شيئا لفرنسا الديغولية، تغير وجه العالم مرات كثيرة: نهض العملاق الياباني الصغير مثل انفكاك غوليفر من الحبال. ونهضت المانيا ثم توحدت واستعادت برلين عاصمة. وخرجت الهند من ثقافة الخنوع للفقر والنوم على المسامير الى التفوق الصناعي ورقائق السيليكون. وتحولت دول اسلامية مثل اندونيسيا من مستنقعات الى نمور اقتصادية. ناهيك طبعا بمذهلات تجارب الدول الصغيرة في ما كان يعرف ببلاد الملايو، كتجربة لي كوان يو في سنغافورة، ومهاتير محمد في ماليزيا. لم نذكر ما حدث في الصين، لانها ممثلة في المجلس الرباعي.

كيف لدولة عاجزة عن تأليف حكومة وطنية، تعيش على حكومة تصريف اعمال، وغير قابلة بنتائج الاقتراع الذي دعت اليه، ان تعمل ضمن منظومة مجلس الامن الذي هو بمثابة حكومة دولية، تنظر في نزاعات الامم ومخالفاتها وقضاياها؟ يصدف – وبعض المصادفات حسن احيانا – ان مندوب لبنان الدائم لدى الامم المتحدة نواف سلام، استاذ في العلوم السياسية وذو معرفة وخبرة مشهودتين. لكن المندوب لا يمثل فقط كفايته الشخصية بل يتعين عليه ان يمثل سياسة حكومته وصورة دولته. ومجلس الامن توكل اليه قضايا العقاب واحلال الامن الوطني او الاقليمي، ولعلنا، بعد فلسطين، اصحاب اكبر عدد من القرارات في محفوظاته، من القرار 425 الى قرار احالة اغتيال الرئيس الحريري على القضاء الدولي.

اي سياسة سوف نتبع ونحن مختلفون، بعمق، على تفسير العرف والدستور وقواعد التوافق حتى على الاستشارات النيابية. فلم ينج حتى الرئيس سليم الحص من درس دستوري، مرفق بكل المصطلحات القانونية الفرنسية تقدم به النائب ابرهيم كنعان لمجرد ان قال رئيس حكومة متمرس وممارس منذ اكثر من ثلث قرن، انه كان ينبغي على المعارضة ان تسمي مرشحها. وتفيد مطالعة النائب كنعان ان التصويت بالامتناع او الورقة البيضاء جزء من ممارسة الديموقراطية، ودائما بالشواهد الفرنسية. يستأهل سليم الحص، هو، وجهله بالاصول الديموقراطية ومعاني الورق الابيض ومفاهيم الميثاق الاخرق!

مشكلتنا مع رجال مثل سليم الحص، في صدقه ونقائه وورعه، انه ينتمي الى فئة كانت تفسر الاحكام بالافئدة لا بالفذلكة، وكان سلوكها هو مطالعتها وشواهدها ومرجعها. ومشكلتنا مع سليم الحص انه ذو قلب واه يرفض تطبيق حكم الاعدام، مع ان جميع مصطلحات القانون اللاتيني والفرنسي واليوناني، كانت الى الامس ترحب بالمشنقة، او بالمقصلة، التي اخترعها الدكتور غيوتين رأفة بالرؤوس اليانعة والرقاب الممانعة.

تسجل للسيد النائب شجاعة استثنائية. لم يخطر لي في اي وقت انه يمكن احدا ان يلقن سليم الحص درسا (مدعوما بالمصطلحات الفرنسية على انواعها) في صيغة الحكم واحكام الضمير. لكننا في حلبة بلا حكام. وها نحن ذاهبون الى عضوية مجلس الامن ونحن لم نقرر بعد معنى ان تمتنع الصين عن التصويت على مشروع قرار معروض، لان لا شيء يلزمها اتخاذ موقف، والمشاركة في “مشاورات ملزمة”. وفي هذه الحال تمارس حرية الامتناع بعدم المشاركة في المشاورات، اي قبل دخول مرحلة الالزام. او الالتزام.

نحن في مأزق وجودي مصيري، ولسنا في مباراة قاموسية. واولى فرائض هذا المأزق ان نصغي الى ضمير سليم الحص. ليس فقط بسبب حجم هذا الضمير وسيرته في سلم لبنان ووحدته وورعه الاخلاقي والمادي وترفعه عن صغائر المطالب وتمنعه عن دخول سوق الحقائب، بل ايضا لان العمل بموجب الضمير قد قل وندر واضحى شاهدا لا يطاق على درجات السقوط التي انحدر اليها العمل السياسي.

كانت في ساحة العدلية قديما سنديانة وارفة يستظلها المحامون. لم يكن لها اي دخل في شؤون المحاكم، لكن فيأها كان فيء العدالة. وثمة كبار اخرجوا انفسهم من العمل السياسي، لكنهم لا يزالون فيء الضمير الوطني وسنديانة الموضوعية والنهج الوسطي العظيم. او ما كان كمال جنبلاط يسميه “الكنه اليوناني” في معرض شرحه لشغفه بالعقل الافلاطوني والفكر الهيراقليطي، القائم على عبقرية التوازن في الطبيعة والحياة.

ويقتضي نظام التوازن هذا قبول الاضداد لا الغاءهم. اذ بالضد، لا بالموازي، او بالمشابه، ندرك سلم القيم وجوهر، او كنه، الحياة الطبيعية، ونحن من جيل ومن نهج كلما اشتدت عليه حرارة المحترّين، عدنا الى فيء السنديانة. وليس مهما كثيرا ان يكون سليم الحص او حسين الحسيني وامثالهما في صلب الممارسة السياسية ما داموا في قلب الضمير الوطني.

عن جريدة النهار 24/9/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق