حـيْـرة مُواطن حول كتاب “حيرة مسلمة” لألفة يوسف

{{ كتاب ” حيرة مسلمة” (1)}}

{{عنوان مُثير ومنهجية غائبة}}

تفُوحُ من العنوان روائح الإثارة والتسْوِيق والدعاية، فهو يَربط مُصطلحًا قريبًا من قوامِيس الفلسفة وعلم النفس (الحيرة) بدين2 يختزل الكاتبة في بُعد واحد ( مُسْلمة ) ولقد زادَ العنوان الفرعي العنوانَ إثارة اذ أنه جمع كلمتين “عاديتين” ( ميراث وزواج) بمُصطلح يُشكلُ ” تَابُو” حتى في الدُول الغربية (الجنسية المثلية ).

ولكن سُرعان ما يكتشفُ القارئ ان مضمون الكتاب لا علاقة له لا بإيحاءات العنوان ولا بوُعُود المُقدمة اذ “الحيرة” لا تعني الشك المنهجي او التحليل النقدي و”مُسْلمة” لا علاقة لها بأي ذاتية فردية ( فضلا عن أي أنوثة مُتمردة ) ولفظ “دكتورة” لا يضمن الدقة العلمية المنتظرة3، فالكتاب ” فتاوي في الميراث والزواج والمثلية الجنسية ” وَرَدتْ في مقالات سطحية 4 لا رابطة بينها وقد وقع تقسيمها الى ثلاثة فصول تضم على التوالي 7 و9 و8 “حيرات” ( مقالات ) وينتهي كل فصل بـ” ما بعد الحيرة” في حين ينتهي الكتاب بخاتمة غير ان ما ورد تحت اسم خاتمة أو مقدمة لا يختم شيئا ولا يُقدم الي شيء مُحدد، فخاتمة الكتاب مثلا كان يُمكن ان تكون مٌقدمته ومُقدمته كان يُمكن ان تكون خاتمته وكل منهما كان يُمكن ان يكون افتتاحية لأي مجلة سلفية وفقرات المقدمة والخاتمة وأسئلتهما يمكن اعادة ترتيبها تقديمًا وتأخيرًا وحذفًا وإضافةً ذلك أنها لا تخضع الى أي منطق أو تسلسل وقد يعود ذلك الى ان طموح الكتاب هو” تتبع لبعض سقطات المُفسرين ومغالاة الفقهاء “5 !

وكما تبدُو العلاقة بين مواضيع الفصول (“الميراث والزواج والمثلية” ) غير واضحة فان انتقاء “الحيرات” وعناوينها وطولها وترتيبها بدا بلا معني: فلماذا خُصّ موضوع “الجنسية المثلية” بسبع حيرات “مُختلفة ” ؟ ولماذا أقحمت الكاتبة حيرتها حول “غلمان الجنة للخدمة الجنسية؟ ” ضمن فصل الجنسية المثلية اذا كانت غاية هذه الحيرة “لا علاقة لها بالتفنيد أو التأكيد” ؟6 ولماذا إدراج ” نكاح اليد” في فصل الزواج ؟ وكيف يمكن للكاتبة ان تبرر ذلك، وهي التي تدعِي الثورة على السلف، بحجج سلفية؟ “7 .

ان الإطار الذي اختارت الكاتبة ان يتنزل فيه كتابها هو اطار عام ( الأديان ) وغامض فقد أرادته “لبنة فكرية ضمن لبنات فكرية أخرى عديدة تؤمن ان المحبة جوهر الأديان”8 فما معنى ان المحبة جوهر الأديان ؟ ومن هم رُمُوز هذا التيار الذي ترغب الكاتبة ان تدرج ضمنه ؟ ثم ألا تقوم جل الأديان على “الحب في الله والكره في الله “؟

قد يكون جوهر الأديان محبة وعشق لكن تاريخ الأديان اقتتال ودماء وفتن وحروب وتوظيف سياسي ..الخ فالأديان لا تعترف بمنافسيها كسبيل مُمكن للخلاص الروحي وعليه فهي لا يمكن ان تكون المدخل المثالي للحديث عن المحبة فضلا على ان تكون مرجعا للحديث عن الجنس أو الحيرة لان المعروف عن الأديان تقديمها المجموعة على الفرد واليقين على الشك والتأنيب على الإقناع والحقيقة المطلقة علي النسبية.

{{أين تونس ؟ وفي أي زمن نحن ؟}}

تُشيرُ الكاتبة في المقدمة إلى المجتمع التونسي ثم يغيبُ هذا المجتمع وخُصوصياته عن بقية الكتاب كما تغيبُ تونس كليا كإرث فكري مُتميز بل ويغيب أيضا الزمن فلكأن الكتاب يتوجهُ الي بعض الواقفين خارج الزمان والمكان .

فالكتاب ينطلق من فهم سلفي لإسلام تجاوزته الدولة وأغلب النخب السياسية في تونس ويُحاول ألا يظهر ككتاب ديني فيَدّعِي انه بحث في “الشأن الديني” ويُقدم نفسه على انه “اجتهاد” مُتحرر ومُعاصر رغم أنه في قطيعة مع القيم الإنسانية بشهادة الكاتبة نفسها التي لا تقارن أفكارها بالفكر الإنساني ومرجعياته بل تجعل “منافسيها” (المُعاصرين) شيوخ الأزهر وعمرو خالد ويوسف القرضاوي وعبد العزيز الباز. بل إنها تزعم ألا وجود في الساحة الا لهؤلاء الذين يُقدمُون هكذا : ” شيخ يصرخ فيحرم الغناء والصور والفنون وحلق اللحية ..” 9 والحال ان الساحة الإسلامية تعرف منذ الثمانينات مُحاولات تحديثية مُهمة وتيارات رائدة، فلماذا التركيز على بعض “المُتطرفين” ؟ واين “المفكرون الجدد” ؟ وأين تونس في كل ذلك ؟ وما مدى أهمية التساؤل عن “جواز أن يتسرى الرجل بجارية أوغلام” ؟

{{الدفاع عن زواج المتعة بشعارات تحديثية !}}

تبدو الكاتبة، التي تقدم كتابها بنفسها !، واثقة من آرائها بل تدعي “ركوب الخطر في مساءلة المستقر وتحريك الراكد وتهديد إجماع الأمة” 10رغم ان خطابها سلفي المضمون والآليات، وإن استعمل مُصطلحات حديثة وابتعد عن الوعظ والإرشاد والترهيب والترغيب فهو يُكرس علوية النص الديني ويختزل التجديد في ” بيان الثغرات الموجودة في تفاسير القدامي” والاجتهاد في البحث عن ” تأويلات مُمكنة وكامنة في النص الديني”. ولعل التجديد الوحيد في هذا الكتاب اضافة الى اعتماده شعارات براقة، هو طرْحِه كمًا هائلا من الأسئلة التي تُعطي الانطباع بوجود مُقاربة نقدية والحال أنها أسئلة تجيبُ أكثر مما تسأل وتُعبر عن تلاعب أكثر مما تعبر عن شك 11.

ولئن اتسمت “حيرات ” الكاتبة بالبساطة والسذاجة أحيانا12، فانها تنتهي الى “تسريب” أفكار رجعية واخرى تحتمل المعنى ونقيضه 13 وهي عموما لا تعبر عن مواقف واضحة من القضايا المطروحة.

فهذا الكتاب الذي تزعم الكاتبة أنه “قراءة متسائلة لآيات قرآئية يعتبرها المسلمين مُحكمة واضحة” يُداعب جمهورا مُتعطشا لمعرفة وظائف الغلمان في الجنة وحكم الاستمناء والمثلية والنكاح من الدبر والتزوج من الصغيرات وطاعة الزوج في الفراش …الخ، من خلال استعراض آراء الفقهاء في مثل هذه المسائل الجنسية وينحدر الى درجة تبرير “زواج المُتعة”، وبحجج سخيفة14 وهو ما يجعله في قطيعة ليس فقط مع مطالب الحركة النسوية والتقدمية في تونس بل مع مطالب ” النهضة” وجل من هم على يمينها من الإسلاميين .

ان كل ما قدمته الكاتبة هو إعادة “تسخين” لفتاوى اعتبرتها أكثر تفتحا من فتاوى أخرى اتهمتها بأنها مُحافظة و مُنغلقة وشاذة… لكن الكاتبة نفسها تنطلق من تقديس للنص الديني وتظل داخل جُدرانه وخلفَ أسوار لُغته وهي تحسم في نُصُوص دينية مُعينة دون أن تحسم قضية جوهرية تتعلق بمنهجية التعامل مع النص الديني بشكل عام .

{{كيف يُمكن تأويل النص الديني؟ ولماذا ؟}}

تكتفي الكاتبة بشروحات لغوية دون ان تُبين المعايير التي اعتمدتها أو التي يجب اعتمادها لمعرفة النصوص التي يجب تأويلها ولا تقول الى أي مدى يُمكن الذهاب في تأويل النصوص التي “تلاعب بتأويلها الفقهاء والمفسرون…وحاولوا ان يتعسفوا كعادتهم على ما في القرآن من عموم وانفتاح في التأويل “15.

ولكن كيف نتأكد ان تأويلها غير مُتعسّف على ما قد يكون كامنا في النص الديني من انفتاح ؟ ثم كيف نضمن انه لا يتعسف على ما هو صريح في القيم الإنسانية المُعاصرة من تحرر ؟ أو ليست هذه القيم الإنسانية هي المرجعية الأولي لكل تفكير سياسي ؟ والكتاب يقتحم مجال الفكر السياسي لأنه يتحدث عن السُلوك الفردي في علاقته بمفهوم “الحُدُود” كمؤسسة عقابية رسمية.

فالكاتبة تحاول تأويل نص ديني صالح لكل مكان وزمان لإثبات أن تأويلها :1. صحيح دينيا ولغويا 2.ومُتناغم مع الحداثة.

ولكن الكاتبة لا تخُوض في العلاقة بين الهدفين ويبدو انها تعتبر ضمنيا ان كل ما هو صحيح دينيا هو بالضرورة متناغم مع الحداثة ولعل ذلك ما يجعلها تذهب “بعيدًا” في تأويلها لبعض النصوص الدينية 16.

وتقترح الكاتبة حرية التأويل كحل لتجاوز بعض النصوص ولكنها تتجاهل ان “حق التأويل” يدخل في اطار حرية الفكر والتعبير وان المشكلة ليست في التأويل بل في وجود تآويل تدعي الحقيقة وتحاول فرض آرائها بالسلاح.

بل ان بعض اكثر التأويلات الدينية جماهيرية اليوم هي أبشعها وأكثرها تطرفا ذلك ان بعض الشباب العاطل والمُحبط واليائس والمُهان لا يُمكن، في ظل الظروف الوطنية والدولية الحالية، ان ينجذب الى فتاوى “متسامحة”. فتأويل النص الديني هو في نهاية التحليل تأويل للواقع وهو لا يستقيم الا اذا توفر مناخ من الحرية والتسامح وطالما لم تفكك ولم تحلل آليات الفكر السلفي بشكل علمي ( نصر حامد ابو زيد مثلا) فنتائج أي تأويل هي مُداعبات قد تدعم التطرف .

ان المُفارقة الكبرى في هذا الكتاب السلفي هو أنه ومنذ مُقدمته كافٍ لإهدار دم الكاتبة من قبل بعض أبناء دينها ممّن لا يُؤمنون بالمُواطنة والحرية بل يؤمنون، مثلها، بأن النصوص الدينية صالحة لكل زمان ومكان وأنه يُمكن (تأويلها و) تطبيقها في القرن الواحد والعشرين .

{{هل يجب ملائمة النص الديني مع القيم الإنسانية أم العكس ؟}}

تبدو بعض الفتاوى “التحررية” للكاتبة ضعيفة فيبدو مثلا انها تنتصر للمساواة في الميراث وللاكتفاء بزوجة واحدة ولكنها تفعل ذلك انطلاقا من “تحاليل” دينية، وقد اضطرت لدعم موقفها المتحرر الى التظاهر باستخدام آلية سلفية (القياس) من اجل استعمال سابقة مُهمة تؤكد ضرورة تغليب العقل للتخلص من أي نص ديني مُتجاوز (إلغاء الرق عقليا رغم التنصيص عليه بصريح النص القرآني) والحال ان أهم ما في هذه السابقة هو إقرارها ضمنيا بضرورة تخليص الدين من النصوص المُناقضة للقيم الإنسانية تخليصا عقلانيا وليس بالاعتماد على أي تأويل ديني.

ولا يكاد يشير الكتاب لا صراحة ولا ضمنيا الي أهمية القيم الإنسانية المُشتركة بل بالعكس يدُوس في أكثر من مناسبة على اهم مبادئ حقوق الإنسان سواء من خلال الدفاع عن أفكار رجعية ( زواج المتعة ) أو طرح أسئلة تطعن ضمنيا في المساواة بين المرأة والرجل ( طاعة المرأة زوجها في الفراش ) او تنسف مفهوم الحرية الشخصية..الخ، بل ان الكاتبة حين تتحدث عن تناقض مفهوم الرق مع حقوق الإنسان تتعمد ألا تتحدث بضمير المُتكلم وتنتقي عبارات ضعيفة لتدعي أن ” السبي في حد ذاته مُحرج من منظور حقوق الإنسان الحديث “17.

أنا لا أؤمن مثل الكاتبة بحق المسلم الصادق في تأويل النصوص الدينية بل أؤمن بحق أشمل هو حق المواطن في التفكير والتعبير بكامل الحرية وأنا لا أعتقد ان من حق الدولة اعتماد تأويلات رسمية في مجالات الدين أو التاريخ أو العلوم مهما كانت تلك التأويلات مٌتحررة .

فالمُهم اليوم ليس مُحاولة تأويل وإعادة تأويل أو تجميل بعض النصوص الدينية حتى لا تكون محرجة من منظور حقوق الانسان بل إعادة نظر جذرية فيها علي ضوء القيم الإنسانية المُشتركة لتحريرها نهائيا من بعض “الجزئيات” مثل “الحدود” والميراث والجهاد والرق والردة وضرب المرأة وتعدد الزوجات ..الخ. فما فائدة البحث عن تفسير جديد لحرف الجر الفلاني الوارد في نص ديني مُعين من اجل تبرير تأويل “مُتحرر” لنص يُمكن تجاوزه عقليا ؟.

ولعل النصوص المُتجاوزة هي التي تحجب اليوم مقاصد الدين وقيمه الروحية وتُضخم تفاصيل “مُثيرة” مثل حديث البهيمة 18 الذي من المفروض منهجيا أنه خارج هذا الكتاب (لأنه لم يرد في القرآن ) والذي لم افهم بعد ما الذي يجعله أكثر شهرة وتداولا من آلاف الأحاديث ذات الأبعاد الروحية ؟

ان اقحام حديث البهيمة في هذا الكتاب قد يدعم خيار الإثارة ولكن خطورته تكمن في أنه مثال للخلط بين مواضيع “خاصة” واخرى سياسية ذلك ان التساؤل عن الحكم الديني في من يأتي بهيمته يفرض إطارا دينيا على قضايا غير دينية ويصبح هذا الخلط أخطر حين تتعمد الكاتبة ربطه بمجالات سياسية تجهلها مثل طبيعة المؤسسات السياسية ومفهوم النظام العام ومرجعيات السلطة التشريعية..الخ .

{{الوظيفة الدفاعية ومنهجية التلاعب}}

تتخلي الكاتبة عن وظيفة البحث لتعترف أن مُهمتها هي “تسويق إسلام مُشرق” ومن اجل ذلك تُردّدُ أن “النص الديني صالح لكل مكان وزمان”وتبشر قراءها بأن القرآن بريء من كل التُهم” 19 .

وتتوهم الكاتبة أنها بهذه الدعاية قد أنْهت مُشكلة النص الديني المُتَجَاوَز والحال انها لم تفعل سوى تعويض مشكلة النص بمُشكلة التأويل أو مشكلة الدين بمُشكلة القارئ (” الغبي” الذي لم يدرك بعد الأسرار الإلهية الكامنة في النص ).

فالكتاب، بمثل هذا التلاعب، لا يُقدم أي إضافة او إجابة الا لمن هو مُسْلم سُني سلفي ومُقتنع اما المُهتم بالشأن الديني فسيظل على حيرته خاصة ان الكاتبة، حين تستنفذ كل الحجج النحوية والغوية والدينية و”المنطقية”، تلجأ الى بعض الأدوات الكلاسيكية للتلاعب والدعاية مثل التخويف والتعميم والمبالغة والتبسيط السطحي وعرض المشاكل المُعقدة دون ربط بعضها ببعض أو عرضها بشكل مَغلُوط أو مُوجّه أو إيهام القارئ بوُجُود خطر داهم لا يُمكن تفاديه الا بأحد حلين اثنين، أولهما شر مُطلق والثاني شر يُمكن قبوله فبمثل هذه المُغالطة دافعت مثلا عن زواج المُتعة .

وتلخص الكاتبة كتابها كما يلي ” لو طلب منا ان نؤلف ما ورد في هذا الكتاب لقلنا شتان بين امكانيات القرآن التفسيرية والتأويلية المُنفتحة وبين مواقف جل الفقهاء والمشائخ وآرائهم المنغلقة من جهة اخرى”. وهذا الكلام العام مهم لانه يلخص مضمون الكتاب ومنهجيته “الذكية” فهذه الجملة صحيحة ولكنها لا تقدم أي شيء مُحدد ولا تجيب على أي إشكالية من الاشكاليات المطروحة : كيف يجب تأويل النصوص الدينية ؟ وما علاقتها بالقيم الإنسانية المعتمدة كمرجعيات أساسية للفكر السياسي والقانوني المعاصر ؟.

ان تأكيد الكاتبة على ان فتاواها اكثر تحررا من فتاوى بعض المُتشددين لا يضيف أي معلومة ولا يقدم أي حجة إضافية تدعم آراءها فتلك مجرد وسيلة لإيهام القارئ ان ما يعرض عليه هو “افضل ما هو موجود ” ولعل تغييب كل ألوان الطيف الفكري والاكتفاء بشخصيات “كاريكاتورية” يدخل في هذا الاطار .

{{“الحدود” مؤسسة سياسية و دينية ولكنها منتهية}}

لا تكمن خطورة هذا الكتاب في القضايا التي يثيرها مثل وظيفة الغلمان في الجنة “هل هم للخدمة الجنسية ام لا ؟” ولكن الخطورة تكمن في إقحام بعض هذه المواضيع الدينية في حلبة النقاش السياسي بطريقة تقفز على قيم العصر ومنطق الجغرافيا وقوانين التاريخ والدولة اذ ينتابني عند قراءة بعض الفتاوي خوف من ان تنطلق في ذهن القارئ السلفي البسيط سلسلة الحماقات المُرتبطة بمفهوم الحدود وهي :

1.الموضوع الفلاني حرام

2.حكم او حد من يرتكب هذا الحرام هو كذا (الرجم او قطع اليد او القتل.. )

3. ان الدولة الحديثة لا تقيم هذا “الحد الإسلامي”

4. يُمكن للبعض ان ينوبوا عن الدولة في إقامة “حكم الله” “.

فالخطر هو انزلاق بعض المتعصبين من الحديث عن عقوبات دينية مُعينة الى التنظير الي ضرورة المُبادرة بتنفيذها وُصُولا الى تنفيذها في سعي للاستحواذ على بعض الاختصاصات الحصرية للدولة والتي من بينها استعمال العنف وتحديد مفهوم “الجريمة” ومُعاقبة ” المُجرمين” وهي اختصاصات مُحددة في إطار دستوري وقانوني مضبوط وضمن مؤسسات ومفاهيم وقيم حديثة لا علاقة لها بالحدود.

فالحدود الدينية مؤسسة عقابية مرتبطة بظروف تاريخية انتهت والحديث عن حكم الإسلام في اللواط والسحاق ..الخ هو حديث ديني ويجب ان يبقى داخل إطار الحلال والحرام دون التهديد بعقوبات دينية تنفذ في الدنيا فالعقوبات الدينية لا تنفذ الا في الآخرة اما العقوبات الجزائية التي يمكن ان تطال المواطن فتحددها وتنقذها وتغيرها مؤسسات الدولة .

ان من حق الكاتبة مواصلة البحث عن حكم الطبري وابن تيمية في الاستمناء واتيان المرأة من الدبر …ولكن لا يجب اقحام هؤلاء الفقهاء في العقوبات الجزائية التى أصبحت منذ قرون مسألة سياسية مُرتبطة بالحقوق الأساسية للمواطن.

{{المواطنة أهم اختراع إنساني}}

ويبدو ان الكتاب يتجاهل أن الدول اليوم تقوم على مفهوم المواطنة كضامن وحيد لحقوق جميع المواطنين سواء كانوا مالكيين او مُلحدين أو يهودًا أو أباظيين أو مُتطرفين أو مثليين أو “خبزييّن” أو مُحافظين أو حتى إرهابيين أو مُجرمين.

لا اعتقد انه من مهام الدولة او الدين مُراقبة أفكار البشر او التدخل في الحياة الجنسية للراشدين ولا فائدة ترجى من وراء إقحام الفقهاء ( متعصبين كانوا او متحررين ) في النقاش السياسي فالسياسية تُمارس باسم المُواطنة (لا العقيدة) والعبادة وحدها هي التي تُمارس باسم الدين.

فانا حين أفكر في مواضيع مُتصلة بالحُقوق الأساسية للمواطن مثل الحق في الحياة والحرية والسلامة الشخصية 20 والحق في الشغل والصحة والتعليم والحق في التوزيع العادل للثروة والتنمية المستديمة والدفاع عن المستهلك ومقاومة الرشوة وغسل الأموال والتهرب الجبائي …الخ، لا افكر بآليات دينية ( حلال ام حرام ) ولا بالنظر الي نصوص دينية ( وتأويلاتها ) بل بالاعتماد على القيم الإنسانية المشتركة وبالنظر الى المواثيق الدولية والدستور والقوانين ..الخ

فحق التونسية في التزوج بأي رجل (تونسي أو أجنبي) لا يُمكن ان يكون قابلا لنقاش ديني حتى وان لم يدخل ضمن حيرات الكاتبة المُحيرة فعلا، اذ لم افهم شخصيا كيف تحتار جامعية بسبب وظائف غلمان الجنة وتتناسى انها كتونسية غير قادرة على التزوج بمن تشاء ؟

فأنا كمواطن تونسي أشعر بالإهانة والعار (وليس فقط بالحيرة) لان الإدارة لا تزال تراقب العشاق الراشدين وتطاردهم كالمجرمين وتُطالب بعض الراغبين في الزواج بتغيير ديانتهم والإدلاء بشهادة في اعتناق الدين الإسلامي وتفرض طريقة مُعينة في الدفن على المواطنين وتغلق بعض المحلات في رمضان وتتدخل لتفرض لباسًا مُعينا او لتمنع لباسا آخر تعتبره “طائفيا “.

{{خاتمة:}}

ان الأمم المتقدمة تتجه لحماية الكرامة والحياة الخاصة والطبيعة وحقوق الأجيال القادمة ..الخ، في حين تزج بنا السيدة ألفة يوسف في متاهات التأويل والحال ان أبشع ما في التآويل انها تلغي بعضها بعضا وانها يُمكن ان تقول أي شيء ونقيضه بل ويُمكن أن تتحول الي ايديولوجيا رسمية تُبرر اقامة محاكم التفتيش وحفلات قطع الرؤوس وتمنح بعض الأنظمة القمعية فرصة للتهرب من مسؤولياتها باسم “الخصوصية الثقافية”.

ففي الوقت الذي أرجعت فيه بعض الأمم مسائل سياسية خطيرة ( جرائم الميز العنصري في جنوب إفريقيا ) الى ما يُشبه المسائل الشخصية من اجل لملمة الجراح وتوحيد الأمة وتجاوز الماضي وخلافاته ، لا يزال البعض عندنا يصر على تسييس مسائل شخصية أو “تديينها” فهذا فقيه يُجرم القبلة ويجعل منها تهديدا للنظام العام وهذا مُفتِ عُمومي يمنع تداول رواية وهذا جاهل بالقوانين يُطالب بقتل فنان وهذه جامعية تطالب بزواج المتعة وتتساءل عن حد إتيان البهائم..الخ.

ان كتاب “حيرة مُسلمة” دعم غير مباشر للفكر المُتطرف لا لأنه يقف معه على نفس الأرضية ويُضخم بعض قضاياه “التافهة” فقط، بل لأنه يُكرسُ الخلط بين العام والخاص وبين القانون والفتاوي وبين الدولة والدين وبين الماضي والحاضر وبين التاريخ والجغرافيا وبين “الدعاية” والبحث العلمي .

{{مواضيع ذات صلة :}}

جدل المتعة والقانون : قراءة في كتاب د.ألفة يوسف ” حيرة مسلمة”

الهوامش:

1- الفة يوسف،”حيرة مسلمة: في الميراث والزّواج والجنسيّة المثليّة”، دار سحر للنّشر، الطّبعة الأولى، 2008.سلسلة “في الشأن الديني”.247ص.

2- والحال ان الدين عُموما إجابة ومُسلمات ويقين في حين ان الحيرة تساؤلات وشك ونقد

3- يغيب عن قائمة المراجع أبرز المفكرين المُهتمين بالشأن الديني .

4- مثل قولها في خاتمة احدى حيراتها “اني للمفسرين وهم الذين يعدون شغل اهل الجنة افتضاض العذاري، ان يتحلوا ببعض من التواضع بل الحياء الذي يدعوهم الى الصمت عما لا يمكن قوله” ص 222.

5- المصدر السابق ص 226

6- ” ان طرحنا لمسألة الغلمان في الجنة في علاقتهم بخدمة جنسية مفترضة لا ينشد تأكيدا ولا تفنيدا ولكن ينشد اثارة حيرة اعمق مجالها هذه الرغبة العنيفة لدى عدد كبير من المفسرين في استباق ما في الجنة وتقديمه قي صورة حسية ” ص 221.

7- “من المشروع التساؤل عن سبب إدراج الاستمناء أو نكاح اليد ضمن فصل خاص بالزواج ونجيب بأن الاستمناء من منظور بعض الفقهاء والمفسرين ضرورة يلتجأ إليها في حال غياب إمكان الزواج والتسري” ص 159

8- نفس المصدر ص 113

9- نفس المصدر ص 225

10- نفس المصدر ص 9

11- ان الاسئلة الواردة في خاتمة فصل الجنسية المثلية مثلا لا تطرح أي سؤال وكذلك الاسئلة التي ختمت حيرة “غلمان الجنة”

12- مثل ” طاعة الزوج في الفراش” و” نكاح اليد” و “لماذا سكت القرآن عن السحاق ؟” و”هل ان القرآن يمنع تعدد الأزواج ؟

13- مثل حديثها عن قتل اللوطيين ( ص 224 ) أو موقفها من نكاح الدبر فبعد عرضها في تسع صفحات لحجج مُحرمي النكاح في الدبر تقول ” ان هذه المسألة شخصية لا تهم الا الزوجين ولا تتصل الا بقبولهما إياها او استنكارهما لها ولا تتعلق الا بقرائتهما للآية السابقة وفق معاني الحرث والاتيان” فكيف تكون شخصية لا تهم الا الزوجين اذا كانت الكاتبة تربطها بنص ديني يجب على الزوجين تأويله ؟ هل تقصد ان التأويل شخصي ولكن المسألة خاضعة لسلطة الدين ؟

14- ” اننا نفضل على الاقل اعتباؤا ان يولد اطفال في اطار زواج متعة فينسبون الى آبائهم شرعا وقانونا على ان نرى هذا العدد المتزايد من الاطفال غير الشرعيين..” ص 103.

15- ص 114

16- ” ان الآية المذكورة تقر بان المؤمن يجب الا ينكح الا الزوج او ملك اليمين فانها تغدو آية غير محرمة للعلاقة الجنسية بين المثليين باعتبار ان هؤلاء لا يمكن ان يكونوا ازواجا” ص 150

17- المصدر نفسه ص 128 وعبارة مُحرج مُحرجة اذا استُعملت في هذا السياق من قبل متخصصة في اللغة العربية لكونها في غير محلها اذ كان عليها استعمال أي عبارة تفيد التناقض الجوهري والرفض الكلي .

18- ” من وجدتموه قد اتي بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة” ص 213 وقد وجدت على الانترنات عدة فصول واحاديث عن اتيان البهائم ويبدو ان بعض المذاهب السنية تعتبر، وبخلاف هذا الحديث، ان اتيان البهيمة “لا يفسد الحج ولا يوجب الحد”

19- ان الأديان ليست مسؤولية عن توظيفها السياسي والإيديولوجي وان القرآن براء من الجرائم التي ترتكب باسمه …” ص 8 هذا صحيح تماما مثل القول بان كل الإيديولوجيات الأخرى بما فيها الماركسية بريئة مما ارتكب باسمها ولكن مثل هذه التأكيدات لا تغير من الأمر شيئا ولاتضيف أي معلومة ولا تقدم النقاش العام .

20- بما تعنيه من حرية التعبير والتفكير والعبادة وحرية تغيير الديانة ونقدها والحق في الإجهاض وإلغاء التعذيب وعقوبة الإعدام والعقوبات القاسية والمساواة بين المواطنين بقطع النظر عن الدين والجنس والحق في حماية الحياة الخاصة..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق