حفرة “غزوة الصناديق”

المثل العربي يقول “من حفر حفرة لأخيه وقع فيها”، هذا المثل ينطبق بالفعل على التيار الإسلامي بمصر بصفة عامة، وعلى “جماعة الاخوان المسلمين” و”المرشح السلفي” حازم أبو اسماعيل بصفة خاصة، القصة تعود إلى ما بعد الثورة المصرية حيث باشرت القوى السياسية صراعها وانقسامها بعد عرض الدستور المصري على الاستفتاء من طرف المجلس العسكري، ومن تم بدأت أخطاء التيار الإسلامي تتوالى:

أولا: تبنّوا بشكل حماسيّ الدعوة إلى التصويت بنعم على الدستور الذي لم يعرفوا مضمونه بشكل حقيقي إلى بعد إقراره، حيث تبين لهم أن الاستفتاء لا يشمل الدستور الذي أعدته لجنة “طارق البشري” وإنما الأمر لا يتعدى التعديلات التسع على دستور 1971، وأثناء التعبئة، والتعبئة المضادة للدستور، تسلح التيار الإسلامي بكل الوسائل بما فيها، طبعا، سلاح الدين وما يستتبعه من تكفير وتخوين وجنّة وجهنّم، معتبرين أنّ انتصارهم في معركة الدستور هو بمثابة “غزوة من غزوات الإسلام”، وأطلقوا عليها إسم “غزوة الصناديق”.

ثانيا: أثناء نقاش بنود الدستور المطروح للاستفتاء لم يعر التيار الإسلامي أيّ اهتمام لشروط الترشح للرئاسة، ما عدا فكرة أن لا تكون لديه ارتباطات بالخارج، كأن لا يكون متزوّجا من أجنبية أو حاصلا على جنسية أجنبية أو ينحدر من أمّ لديها جنسية أجنبية، وكان الهدف الأساسي من هذا التشدّد، هو سدّ الباب أمام شخصيات ليبرالية من خوض سباق الرئاسة وتحديدا “الدكتور البرادعي” و”الدكتور زويل”، لكن الأمر انعكس سلبا على شخصيات التيار الإسلامي الرامية إلى خوض سباق الرئاسة، وكان أبرزهم “حازم أبو إسماعيل” المرشح السلفي، وخير الشاطر مرشح “جماعة الإخوان”، فالأول انطبقت عليه بنود التعديلات الدستورية التي دافع عنها، إذ تبين أن شرط عدم انحداره من أم حاصلة على جنسية أجنبية لم تتوفر فيه، وبالتالي خرج من المضمار، بينما لم تتوفر شروط الخلو من الموانع القانونية في الثاني.

المشكلة أنّ التيّار الإسلامي لم يقتنع بأحكام اللجنة العليا للانتخابات واتهمها بالتسييس، رغم أنه راض عنها في ما يخص حكمها القاضي بمنع عمر سليمان من الترشح بناء على شرط التوكيلات، لكن عدم رضاه لا يستطيع أن يفعله على المستوى القانوني، لأن الإعلان الدستوري الذي صوت عليه التيار الإسلامي بنعم كان قد حصن اللجنة العليا للانتخابات من أي طعن، وأن أحكامها نهائية ولا يمكن الطعن فيها أمام أي هيئة أخرى، وهو الشيء الذي على الإسلاميين الالتزام به حرفيا إن كانوا يحترمون أنفسهم.

ثالثا: التيار الإسلامي، وعلى عادته، هادن المجلس العسكري وحاول أن يدخل معه في ما يشبه “الصفقات”، وبالتالي رفض الإسلاميون دعوات النزول إلى الميادين من أجل إنهاء حكم العسكر، وحاولوا فرض الأمر الواقع من خلال “تأسيسية الدستور” التي هيمنوا عليها كذلك، تاركين لشباب الثورة والحركات الليبرالية واليسارية “هامش الرصيف”.

حيث رفض التيار الإسلامي الخروج في أي من الفعاليات التي كانت تهدف إلى إنهاء حكم العسكر، وكتابة الدستور في ظل وجود رئيس منتخب، بدل كتابته في ظل مجلس عسكري يريد أن يكرس لنفسه حقوقا دستورية، قبل أن يغادر منصب الرئاسة، وإن كان سيبقى في الحكم بطريقة غير مباشرة. ورفضوا كذلك إخراج قانون “العزلي السياسي” الذي نادى به شباب الثورة عقب الثورة مباشرة، ولم يستيقظ الإسلاميون من “غفوتهم” إلا بعد أن تبخرت آمالهم في الحصول على منصب رئيس حكومة، بعدما أظهر المجلس العسكري نيته في الهيمنة على شؤون الحكم.

فمشكلة الإسلاميين أنهم لا يتعلمون من أخطاء الماضي، وأن قياداتهم ، غير الميدانية، شاخت عن القدرة على اتخاذ الموقف السليم خارج الأحكام المسبقة، وهو الشيء الذي تجاوزته القيادات الميدانية، التي احتكت بالآخر وعرفت أن السياسية مجال للنسبية وللخطأ، وأن القدرة على تدبير شأن البلد بشكل منفرد تكاد تكون منعدمة، ومن تم ظهر التمايز في مواقف القيادات الميدانية والقيادة التاريخية، إذ غلب على خطاب الأولى لغة التفهم والحوار والتنازل، بينما يغلب على لغة الثانية الشك والخوف والتعالي وأحيانا التكفير والتخوين.

التيارات السياسة يجب أن تفكر في مصلحة الوطن قبل التفكير في مصلحتها الذاتية ، وهذا ظهر جليا في الحالة المصرية، عندما لم تفكر جماعات “الإسلام السياسي” في التقنين الجيد لمسألة الرئاسة، لأنها، وباختصار، لم تكن تفكر في خوض غمارها، بناء على فكرة الرئيس التوافقي، ولم يكن يهمها شروط الترشح، باستثناء ما يخص استبعاد شخصيات بعينها.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق