حقوق الإنسان… بين الواقع والرغبة — فيصل دراج

أخذ مصطلح “حقوق الإنسان”، الذي قالت به الثورة الفرنسية العام 1789، في الثقافة العربية المعاصرة شكلين: أولهما يعثر على ما يسنده في التراث العربي – الإسلامي مستذكراً، على سبيل المثال، قول عمر بن الخطّاب : “متّى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحراراً”، بينما يكتفي الثاني بالرجوع إلى مصادر عربية قريبة، فهذا المصطلح يتصدّر كتاب اللبناني رئيف خوري : “أثر الثورة الفرنسية في الفكر العربي الحديث”، مثلما أنّه قائم في الصفحة الأولى من رواية عبد الرحمن منيف : “شرق المتوسط”، وإذا كان في الرجوع إلى التراث ما يبرهن أنّ الإسلام احتفى بحقوق الإنسان منذ زمن طويل، فإنّ في كتابيّ خوري ومنيف ما يشير إلى ثقافة إنسانية كونية على عرب الأزمنة الحديثة أن يتعلّموا منها وأنّ يستأنسوا بقواعدها.

 

وسواء تعامل الباحث مع مصطلح “حقوق الإنسان” بمنظور تراثي أم بغيره، فإنّ للمصطلح وجوهاً متعددة واستعمالات مختلفة، فهو موضوع أثير لدى الباحثين في الفلسفة المعاصرة، والفلسفة السياسية منها تحديداً، وهو قائم في السياسة الدولية، التي تربط، أحياناً، بين تطبيع العلاقات بين الدول ومدى احترامها لـ “حقوق الإنسان”، أو تنكّرها لها. لهذا أخذ هذا المصطلح حيّزاً واسعاً في سياسة الرئيس الأميركي جيمي كارتر، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وفي سياسة رونالد ريغان، لاحقاً، الذي واجه “مملكة الشر”، في أكثر من مكان شاهراً، بحق أو بغير حق، شعاراً جليلاً، بل إنّ هذا المصطلح كان له دوره الواسع خلال “الحرب الباردة”، على اعتبار أنّ “الدول الليبرالية” تحترم حقوق الإنسان، على خلاف “المعسكر الشمولي” الذي لا يعبأ بهذه الحقوق ولا يلتفت إليها.

 

وإذا كان أنصار هذا المصطلح، الذي يتضمن وجوهاً إيجابية كثيرة، قد جعلوا من تطبيقه معياراً للديمقراطية والعقلانية والحداثة الاجتماعية، فإنّ بعضاً آخر ، وهم كثر، وجهوا له نقداً في أكثر من اتجاه، فهو يختصر، غالباً، حقوق الإنسان إلى قضايا التعبير والحرية السياسية، من دون أن يلتفت إلى الحقوق الاقتصادية والتعليمية والثقافية، كما لو كان حق الرأي سابقاً على حق الرغيف والمعالجة الصحية، بل إنّ هؤلاء النقّاد، الذين سيّسوا المصطلح تسييساً واسعاً، طالبوا بالبدء بـ “حقوق الشعوب”، ذلك أنّه من العبث القول بحقوق الإنسان في مجتمعات لم تظفر باستقلالها، أو ظفرت بها وظلّت محاصرة وعرضة لتهديد مستمر. أكثر من ذلك أنّ بعض هؤلاء النقّاد احتج على الاستعمال الانتقائي للمصطلح المذكور، الذي يجعل بعض الدول الكبيرة تنصر حقوق الإنسان في بلد معيّن، وتصمت الصمت كلّه على انتهاكها في بلد آخر. وواقع الأمر أنّ المصطلح بدا كونياً، يطبّق على المجتمعات البشرية جميعاً، حين أقرّته الأمم المتحدة العام 1948، رداً على الجرائم النازية وما لحق بكثيرمن الشعوب من القهر والدمار، وبدا “كونياً زائفاً”، في فترات لاحقة، بدءاً من احتلال فلسطين، وصولاً إلى مجازر رواندا في السنوات الأخيرة. والسؤال بداهة هو التالي: هل شعار حقوق الإنسان موضوعي في أخلاقيته، لايمايز بين شعب وآخر ولا بين أمّة وأخرى، أم أنّه أداة سياسية – أيديولوجية تفتقر إلى النزاهة والموضوعية في أحيان كثيرة؟

 

إضافة إلى الاعتراضات السابقة، فإنّ شعار حقوق الإنسان يثير سؤالين نظريين كبيرين، يقول أولهما: ألا يحيل هذا الشعار، في أطيافه المختلفة، على “المركزية الأوروبية”، ذلك أنّه فرنسي الولادة وأوروبي التطبيق، وما الذي يجبر البشرية قاطبة، في ثقافاتها المختلفة، على الأخذ بمصطلح غربي؟ والاعتراض وجيه شريطة أن يكون في هذه الثقافات ما ينطوي على “المصطلح الغربي” ويتجاوزه، ذلك أنّ أنظمة كثيرة تواجه هذا الشعار بمصطلح “الخصوصية الثقافية”، سعياً إلى تبرير ممارسات مستبدة قبل أي شيء آخر. وواقع الأمر أن الاستعمال السياسي المغرض لـ “الخصوصية الثقافية” لا يختلف، في الجوهر، عن الاستعمال التبريري لمصطلح “حقوق الإنسان”، فالاستعمال الأول يهدف إلى حجب الاستبداد، بينما يهدف الاستعمال الثاني إلى تبرير سياسات لا تقبل التبرير.

 

أما السؤال الثاني فهو: هل يقبل مصطلح “الإنسان” بدلالة متماثلة في ثقافات مختلفة، ألا يحمل تجريداً يجعله “يهمّش” معنى الأديان والتقاليد؟ ففي الثقافة الأفريقية، كما في غيرها من الثقافات، ما يلغي معنى الفرد لمصلحة الجماعة، حيث “الإنسان الصالح” هو المندرج كلياً في “جماعة صالحة” تحدّد حقوقه وتلقّنه ما يجب الأخذ به وما يجب الامتناع عنه. وهناك الديانات الشرقية القائلة بالتقمّص، حيث معنى الإنسان من معنى “روحه”، التي وفدت إليه من كائن سابق عليه، مثلما ستحل في كائن يتلوه. وهناك طبعاً المعتقدات الدينية التي لا تبدأ من “الإنسان”، بل من “الإنسان المؤمن”، مؤكّدة أنّ إيمان الإنسان الصريح شرط للاعتراف به والتعامل معه.

 

وقد يحمل الاعتراض الثاني، الخاص بالمعتقدات الدينية، وجوهاً كثيرة من الحقيقة، من دون أن يكون مطابقاً للحقيقة بشكل مطلق، ذلك أنّ حقيقة المعتقد تقوم في تأويله، وفي ارتقاء العقل الذي يتعامل معه، فهو قد يحتفي بالإنسان وبحقوقه إن كان قادراً على الربط بين الإنسان وحاجاته اليومية المتعددة والمتكاثرة، وهو يحرم الإنسان من حقوقه إن اختزله إلى كلمات قليلة عن المسموح والممنوع: إنّ ثراء النص واتساعه من طبيعة الوعي الذي يقرؤه، وإذا كان هناك من خلل، فهو عائد لزوماً، إلى الوعي الذي يتعامل مع المعتقد الديني، لأنّ غاية الدين، دائماً، السمو بالإنسان وتأمين حاجاته المادية والمعنوية.

 

ومهما تكن الأسئلة التي يطرحها شعار حقوق الإنسان، وهي كثيرة ومتشجّرة، فهو في شكله المتداول اليوم، مرتبط بجملة من الوقائع الاجتماعية: يستلزم الحديث عن حقوق الإنسان الاعتراف بالإنسان كياناً مستقلاً يتمتع بالعقل والحريّة وبالقدرة على استعمال العقل من أجل مصلحة الفرد والمجموع. ولعلّ الاعتراف بالإنسان، الذي هو اعتراف متبادل بين البشر جميعاً، هو في أساس المجتمع المدني، الذي يقول بحقوق وواجبات متساوية، من دون النظر إلى العرق والطائفة والدين، طالما أنّ نقطة البدء والانطلاق هو: الإنسان، من دون حذف أو إضافة. وهذه المساواة هي التي تجعل الإنسان مواطناً، يكمل مواطناً آخر ويكتمل به، وهي التي تؤمّن له حقوق المواطنة المختلفة، بدءاً بحق العمل والتعليم، وصولاً إلى حقوق التعبير والسفر. والواضح في هذا كلّه، هو ليس الكلمات المتجاورة المحدّثة عن الإنسان والمواطن وحق الكلام، إنّما هو أمر أكثر أهمية ودلالة عنوانه: ارتقاء القيم، فالمجتمع المدني لا يُطلب لذاته، بل لكونه مجالاً يعيش الإنسان فيه حقوقه وكرامته، بل إنّ هذا المجتمع، الذي يحقق الإنسان فيه إنسانيته، هو الذي ينشئ معنى الوطن، لا من حيث هو مجال للعيش الكريم، قبل أن يكون أرضاً وتراباً وذكريات.

 

إذا كان في مصطلح “حقوق الإنسان” هذا الكم من الأسئلة والتساؤلات، فما الذي يدفع بالإنسان العربي إلى الاهتمام به؟ الجواب قائم في المقارنة، أي في معاينة وضع الإنسان في بلدان لا تكترث بحقوق الإنسان، وفي أخرى تعترف بها ولو بقدر. وهو قائم أيضاً في ضعف مجتمعات وقوّة أخرى، ذلك أنّ صلاح الإنسان من صلاح المجتمع الذي يعيش فيه، أكان ذلك على مستوى القيم أم على مستوى الفاعلية العقلية التي تعلّم الإنسان أشياء كان يجهلها. ليس مصطلح حقوق الإنسان في نهاية المطاف، إلاّ حلم الإنسان القديم بعالم أكثر عدلاً وجمالاً وأقل قبحاً وظلماً. وهو حلم قديم، أخذ صيغاً مختلفة متغيّرة، عنوانها الأبرز في الحضارة الإنسانية الراهنة: حقوق الإنسان.

 

نشرت في جريدة أوان في 5/3/2008

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق