حقيقة تعدّد نصوص القرآن وتعدّد لغاتها

لغة القرآن في نصّه:

توجد في نص القرآن عديد  الآيات تؤكدّ  أنّه أنزل عربيّا لغة ولسانا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما جاء في سورة يوسف "إنّا أنزلناه قرآنًا عربيّا…َ (2)" في سورة الشّعراء "… بلِسانٍ عربيٍّ مُبينٍ (195) ".

ما يشدّ الإنتباه عند التّعامل مع هذه الآيات هو ما تتميّز به، إلى جانب تعدّدها وتكرارها في عدّة سور، من وضوح على مستوى المعنى واللفظ. لكن وكما سنرى من خلال بعض الأمثلة الواردة في مراجع المنظومة العقائديّة الإسلاميّة ذاتها، فإنّ وضوحها البادي والقداسة الّتي تلفّها ليسا سوى وهم يتعارض ويتناقض مع حقيقة تعدّد لغات نص القرآن في حياة محمّد ولفترة طويلة بعد موته.

يقول الطّبري في مقدّمة تفسيره : "… إذ كان ذلك صحيحًا، ( أي ما جاء في الايات من أنّ القرآن أنزل بلسان عربي) في الدّلالة عليه: بأيِّ ألسن العرب أنـزل؟ أبألسن جميعها أم بألسن بعضها؟ إذ كانت العرب، وإن جمَع جميعَها اسمُ أنهم عرب، فهم مختلفو الألسن بالبيان، متباينو المنطق والكلام… لم يكن لنا السبيلُ إلى العلم بما عنى الله تعالى ذكره… إلا ببيان مَنْ جعل إليه بيانَ القرآن، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم".

واضح إذا أنّ مجرّد القول بأنّ القرآن أنزل بـ"لسان عربي" يبقى كلاما بدون دلالة أو معنى لمن ثبت له أنّ من سمّوا "عربا" في وقت من الأوقات كانوا يتكلّمون عددا لا يحصى من اللغات المتباينة في منطقها وبيانها. هذه الحقيقة الّتي عبّر عنها الطبري، بصراحة تحسب له، تدعمها حقائق أخرى اعتمدها علماء المسلمين واللغويون العرب لإثبات وجود نصوص قرآنيّة عديدة وبلغات متعدّدة بقيت متداولة بعد موت محمّد لمدّة لا يمكن حصرها لعدم توفّر معلومات وأدلّة مادّيّة يمكن الوثوق بها.

وبالبحث في كتب الحديث عمّا يمكن أن يكون بيانا لما جاء في الآيات المذكورة بحثنا في صحيحي البخاري ومسلم عن عبارات مثل "اللسان العربي" "لسان العرب"، "لغة العرب"، "اللغة العربيّة" لكنّنا مع الأسف لم نجد ولو مرّة واحدة إحدى هذه العبارات أو ما يشابهها في الكتابين. كلّ ما أمكننا الحصول عليه هو إثبات لصحّة قول الطّبري في تعدّد لغات "العرب ونسف لكلّ الأكاذيب المروّجة حول وحدة لغة نص القرآن واستحالة فهم معانيه خارج لغة مصحف عثمان.

لغة القرآن في الحديث:

يقول البخاري في صحيحه بعد الإنتهاء من العنعنات أنّه سُمع : "… عمر بن الخطّاب يقولُ: سمعتُ هشامَ بن حكيمٍ يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واستمعتُ لقراءتهِ فإذا هو يقرأ على حروفٍ كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلّى الله عليه و سلّم فكدت أساوره في الصّلاة فتصبَّرْتُ حتّى سلّم، فلبَبْتُهُ بردائِهِ (أخذه بردائه عنوة لئلاّ يفلت منه). فقلتُ: من أقرأكَ هذه السّورةَ الّتي سمعتكَ تقرأُ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقُلتُ: كَذَبْتَ فإنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أقرأنيها على غير ما قَرَأْتَ. فانطلقْتُ به أَقودُهُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقُلْتُ : إنّي سمعتُ هذا يقرأُ بسورةِ الفرقانِ على حروفٍ لم تُقرِئْنيها. فقال : رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : أَرْسِلْهُ (اتركه) اقرأ يا هشامُ. فقرأَ عليهِ القراءَةَ الّتي سمعتُهُ يقرأُ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : كذلك أُنْزِلَتْ ثمّ قال اقرأْ يا عمر، فقرأْتُ القراءَةَ الّتي أقرأني. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : كذلك أنزلتْ إنّ هذا القرآن أنزلً على سبعة أحرفٍ فاقرؤوا ما تيسّر منه". كما أورد أيضا ما يفيد بأنّ عبد الله بن مسعود قال أيضا : " … سمعت رجلا قرأَ وسمعتُ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأُ خِلافها فجئْت به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأَخبرتُهُ فَعَرفتُ في وجهه الكرَاهِيَةَ وقال: كلاكُما مُحسِنٌ ولا تختلفوا فإنّ من كان قبْلكم اختلفوا فهلكوا".

وقد وردت أحاديث أخرى في صحيح مسلم ومسند أحمد وفي كتب التّفاسير تفيد كلّها أنّ أبي بن كعب كانت له حكاية مماثلة تماما لحكاية عمر بدأت بالشكّ في قراءة "الرّجل" وانتهت بالشّكّ في مصداقيّة محمّد.

ولتبرير أسباب نزول القرآن بسبع لغات متباينة المنطق والبيان، يقول البخاري في صحيحه أنّ محمّدا قال: "… أقرأني جبريل على حرفٍ فراجعتُهُ فلم أزلْ أستزيدُهُ ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرفٍ". وهي ذات الحجّة الّتي نقلها الطّبري في إحدى الرّوايات المنسوبة لأبي بن كعب والتّي جاء فيها قوله : "… لقي رسول الله (صلعم) جبريل عند أحجار المراء فقال إنّي بعثت إلى أمّة أمّيين منهم الغلام والخادم والشّيخ الفاني (العاسِي) والعجوز فقال جبريل فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف ولفظ الحديث لأبي أسامة.

هذه الأحاديث الّتي لا ينكر صحّتها مسلم تثبت أنّ محمّدا ذاته يقرّ بوجود سبعة نصوص للقرآن وبسبع لغات مختلفة، خلافا لما ورد في الآيات وما يروّج له بخصوص وحدة لغة نص القرآن واستحالة فهمه خارج اللغة العربيّة الّتي انتهت إلينا.

تفاسير الأحاديث:

المطّلع على ما جاء في كتب علماء المسلمين العدول الثّقاة، من السّلف والخلف الصّالح، يعلم أنّهم اختلفوا في تفسير حديث " السبعة أحرف" وذهبوا مذاهب شتّي، لكن أغلب الفاعلين في تحديد ملامح العقيدة الإسلاميّة وتأسيس قواعدها أقرّوا بأنّ المراد بكلمة " حرف" هي "اللغة" و أنّ "السّبعة أحرف" هي "سبع لغات" مختلفة في الفاظها وإعرابها. وعند التّعامل مع كتابات أصحاب هذا الرّأي يتبيّن لنا أنّ مجهوداتهم لم تتجاوز الأخذ ممّا أورده الطّبري في مقدّمة تفسيره، لذا سنقتصر على ذكر ما قاله هذا العالم.

يقول الطّبري:" صحّ وثبتَ أنّ الذي نـزل به القرآن من ألسن العرب البعضُ منها دون الجميع، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتِها أكثرُ من سبعة، بما يُعْجَزُ عن إحصائه…

فإن قال( أحدهم) : فما بال الأحرف الأخَرِ الستة غير موجودة؟… أنسخت فرُفعت، فما الدلالة على نسخها ورَفعها؟ أم نسيتهنّ الأمة، فذلك تضييعُ ما قد أمروا بحفظه؟ أم ما القصةُ في ذلك؟ قيل له :  لم تنسخ فترفع، ولا ضيعتها الأمة وهي مأمورة بحفظها. ولكنّ الأمة أمرت بحفظ القرآن، وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت…"

هكذا وبكلّ بساطة، لم تضيّع الأمّة ستّة نصوص للقرآن بلغات تختلف عن لغة النّص الّذي انتهى إلينا على أنّه مصحف عثمان لأنّها مأمورة بحفظها!!! لم تضيّعها، لكنّنا لا نجد لها أثرا،  فكيف يكون الحال لو أنّها ضيّعتها فعلا؟!! والسّؤال هنا كيف أصبحت نصوص القرآن السّبعة نصّا واحدا وبلغة واحدة؟ بل كيف أصبح القرآن لا يؤدّي مقاصد صاحبه إلاّ إذا كان بلغة المصحف المتداول بعد أن كان بالإمكان فهم مقاصده وهو مصاغ بسبع لغات مختلفة في ألفاظها وإعرابها؟

وحدة لغة نص القرآن: من ضرورات السّياسة إلى الدّجل العقائدي:

لتبرير اندثار القرآنات الّتي كانت بلغات غير لغة المصحف المتداول وردت في مراجع المنظومة العقائديّة الإسلاميّة العديد من الرّوايات المتباينة في ما يبدو تفاصيل لكنّها متّفقة في الأصل. وحسب هذه الرّوايات فإنّ "الأمّة ضيّعت ما أمرت بحفظه" بفعل وإرادة عثمان الّذي قرّر "جمع" القرآن بـ"لسان قريش" ومنع  تداول كلّ ما خالف مصحفه متجاوزا في ذلك إرادة ربّه.

من الرّوايات المشهورة والمعتمدة في كتابات علماء المسلمين السنّة، للتّنويه والإشادة بما فعله عثمان عندما جمع مصحفه ومنع ما أمر الله بحفظه، رواية حذيفة بن اليمان الّتي ذكرها الطّبري في مقدّمة تفسيره، والّتي جاء فيها:"… إن حذيفة بن اليمان قدِم من غزوة كان غزاها بِمَرْج أرْمينِية، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال : "يا أمير المؤمنين: أدرِكِ الناس!" فقال عثمان: "وما ذاك؟" قال غزوت مَرْج أرمينية، فحضرها أهلُ العراق وأهلُ الشام، فإذا أهل الشام يقرؤون بقراءة أبيّ بن كعب، فيأتون بما لم يسمع أهلُ العراق، فيكفرهم أهلُ العراق. وإذا أهل العراق يقرؤون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع به أهل الشام، فيكفِّرهم أهلُ الشام…" هذه الرّواية توحي بأنّ عثمان لم يكن يعلم بوجود تلك الخلافات أو على الأقل لم يكن يعي خطورتها على إيمان المسلمين. لكن رواية أخرى ينقلها الطّبري أيضا وفي نفس السّياق تثبت أنّ تلك الخلافات وما انجرّ عنها من تكفير ومشاحنات كانت في يثرب ذاتها. يقول الطّبري: "… لما كان في خلافة عثمان، جعل المعلِّم يعلِّم قراءة الرجل، والمعلِّم يعلِّم قراءةَ الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين – قال أيوب : فلا أعلمه إلا قال-: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض. فبلغ ذلك عثمان، فقام خطيبًا فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشدّ فيه اختلافًا وأشدّ لحنًا. اجتمعوا يا أصحابَ محمد، فاكتبوا للناس إمامًا".

تثبت هذه الأخبار أنّ وجود نصوص مختلفة للقرآن كان منتشرا في كلّ أماكن تواجد المسلمين سواء كان ذلك في معسكرات الغزاة أو في يثرب، الشّيء الّذي ينسف تماما ما يروّج له حول حقيقة وحدة النص ووحدة لغته. كما تبرز لنا الأسباب الّتي دفعت بعثمان لمعصيّة ربّه وجعل القرآنات السبعة قرآنا واحدا وبلغة واحدة، لكنّها لا تتطرّق للأسلوب الّذي اتبعه عثمان لتأسيس "قدسيّة وحدة النص القرآني ووحدة لغته" الّتي بدونها لا يمكن فهم الإسلام.

يقول الطّبري: "… أن إمامَ المسلمين وأميرَ المؤمنين عثمانَ بن عفان…، جمع المسلمين… على مصحف واحد، وحرف واحد، وخَرَّق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه. وعزم على كل من كان عنده مُصحفٌ مخالفٌ المصحفَ الذي جمعهم عليه، أن يخرقه. فاستوسقتْ له الأمة على ذلك بالطاعة،… فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم… دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية". قد تكون الأمّة استوسقت له وخضعت لإرادته كما يدّعي الطّبري، لكن لا بدّ أن لا ننسى أنّ أحد المآخذ الّتي كانت سببا في قتله ومنع دفنه مع موتى المسلمين كان "جعله القرآن كتابا بعد أن كان كتبا" ( تاريخ الطّبري، خطبة عثمان).

لغة القرآن المتداول: عربيّة أم قرشيّة؟

يقول البخاري في صحيحه أنّ عثمان كلّف ثلاثة من قريش وزيدا بن ثابت بمهمّة جمع القرآن وقال: " لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ…".

إذا سلّمنا بصحّة ما جاء في هذا الحديث وفي الآيات المذكورة، أعلاه تحتّم علينا الإقرار بأنّ لغة قريش هي لغة العرب وهي ذاتها الّتي انتهت إلينا. هل يمكن القبول بهذه النتيجة وتصديقها؟ هل لنا أن نسلّم بأنّ "جميع العرب" كانوا يتكلّمون "لغة قريش" وقد ثبت لدينا من أقوال الفاعلين في المنظومة العقائديّة الإسلاميّة أن لغات "العرب" متعدّدة ومتباينة في الفاظها ونحوها؟ اين الصّدق من الكذب؟

كتب علماء الإسلام واللغويون العرب مجلّدات لتمجيد اللغة العربيّة ولسان قريش الّذي يعتبرونه خلاصة كلام العرب لصفائه وفصاحته وبلاغته وحلاوة نطقه وغير ذلك من الخصائص الّتي تجعل غيره من اللغات عجمة لا فرق بينها وبين أصوات الحيوانات. وحسب زعمهم فإنّ صفاء وفصاحة لسان قريش يكون مرّة بسبب بقائهم على الفطرة والجبلّة وأخرى بسبب ما كانوا يقومون به من اختيار وجمع أحسن ما يجدونه في كلام وأشعار الوافدين عليهم من "العرب" وجعله في لغتهم. هذه الأقوال تجعلنا نعتقد بأنّ لغة قريش كانت خليطا من بقايا الفطرة ومن عبارات وألفاظ منتقاة من لغات متعدّدة متباينة في ألفاظها وإعرابها، أي أنّها كوكتال غريب من ألفاظ وتعابير لا تخضع لأيّة قاعدة من قواعد اللغة.

هذا المنطق نجده عند مجموعة من علماء المسلمين اجتهدوا وأجهدوا أنفسهم في معرفة أصل الكلمات المكوّنة لنص القرآن المتداول والمعروف بمصحف عثمان. ومن أصحاب هذا المنطق ابن حسّون الّذي نقل عن سلفه الصّالح ما يفيد بأنّ لغة القرآن ليست سوى خليط غريب لألفاظ منتقاة ممّا لا يقلّ عن 35 لغة ذكرها في كتابه "اللغات في القرآن" : قريش (1) وهذيل (2) وكنانة (3) والأوس (4) والخزرج (5) وخثعم (6) وقيس عيلان (7) وسعد العشيرة (8) وجرهم (9) واليمن (10) وأزد شنوءة (11) وكندة (12) وتميم (13) وحمير (14) ومدين (15) ولخم (16) وحضرموت (17) وسدوس (18) والحجاز (19) وأنمار (20) وغسّان (21) وبني حنيفة (22) وتغلب (23) وطيء (24) وعامر بن صعصعة (25) ومزينة (26) وثقيف (27) وجذام (28) والفرس (29) والنبط (30) والحبشة (31) والسريانية (32) والعبرية (33) والقبط (34) والروم (35) والعمالقة…". صدّقنا وآمنّا بأنّ لغة قريش ولغة القرآن كلاهما خليط لغوي مستحدث مرّة من طرف كفرة قريش وأخرى من الذّات الإلهيّة، لكن ما نجهله لحد الآن هل خليط الكفرة من وثنيي قريش والخليط الإلهي المقدّس خليط واحد أم خليطان متباينان تباين الكفر والإيمان؟ 

والسّؤال هنا هل العربيّة الّتي انتهت إلينا هي أحد هذين الخليطين أم أنّها كوكتال متكوّن منهما؟

لقد صار من البديهي أنّ لغة نص القرآن هي العربيّة الّتي انتهت إلينا كما كانت في مرحلة التّدوين أي في العصر العبّاسي ولا أحد يمكنه إنكار هذه الحقيقة. كما ثبت أنّ العربيّة الّتي انتهت إلينا كانت نتيجة لمجهودات "جمع" مضنية قامت بها مجموعة من اللّغويين والنّحويين من الموالي والمولّدين في العصر العبّاسي. مجموعة عجم بالفطرة ينطبق عليهم قول حسّان بن ثابت :

وكنتم قديما ما بكم غير عجمة    كلام، وكنتم كالبهائم في القفر 

حسب كلّ المعطيات المتوفّرة في مراجع التّاريخ العربي، عقائديّا صريحا أو عقائديّا برداء عقلانيّ وعلميّ، فإنّ مؤسّسي اللغة العربيّة الّتي انتهت إلينا والّتي لا يشكّ أحدا في أنّها لغة القرآن المتداول كانوا "أصحاب عجمة كالبهائم في القفر" قبل ان يجمعوا العربيّة الّتي يبدو أنّها كانت في وقتهم منحلّة ومتفرّقة في العديد من لغات "العرب". ورغم أنّنا لا نفهم كيف يمكن للغة أن تتحلّل إلى جزيئات وكيف تختبئ تلك الجزيئات في لغات متعدّدة ومختلفة في نحوها وإعرابها، فلا بأس أن نقبل الآن بأنّ ما فعله اللغويون والنحويون من الموالي العجم لم يتعدّ عمليّة "جمع" بسيطة لتلك الجزيئات المتناثرة. والسّؤال هنا كيف تمكّن عجم بالفطرة من تتبّع تلك الجزيئات وتمييزها عن غيرها من الألفاظ والتّعابير الّتي ليست منها وخاصة أين كانت مخابؤها؟

يقول جواد علي في تاريخه : "… القبائل التي أكثر علماء العربية أخذ اللغة عنها، ونصوا على اسمها بالذات، فقالوا: "والذين عنهم نقُلت اللغة العربية وبهم اقتدى، وعنهم أخذ اللسان العربي.من بين قبائل العرب هم: قيس، وتميم، وأسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم اكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم". كما نلاحظ لا ذكر لقريش. لماذا؟ لأنّ لغة قريش، حسب علماء اللغة والمؤرّخين، فسدت بسبب تواجد أعداد كبيرة من العبيد في مكّة. بعبارة أخرى كانت قريش الكافرة قادرة على فرض لغتها على جميع العرب وجعلها لغة شعرهم وكانت بعد إسلامها عاجزة عن حمايتها من مجموعة عبيد لا حول ولا قوّة لهم يؤتمرون بأوامرهم ويباعون ويشترون كالحيونات؟ لنمرّ.

سؤالنا الآن: هل يمكن للعقل أن يقبل بأن تكون النّتيجة واحدة لما قامت به قريش من جمع ما حسن من فصيح لغات العرب المتباينة وما قامت به مجموعة من اللغويين العجم بالفطرة دون أن تأخذ شيئا من لغة قريش؟ هل يمكن للعقل أن يقبل بأن تكون اللّغة الّتي جمعتها قريش وقيل بها الشّعر لعدّة قرون هي ذاتها الّتي جمعتها مجموعة من العجم بعد أن ضيّعتها قريش؟

لقد كتب العديد من علماء المسلمين لتفنيد ما قيل من أنّ لغة القرآن هي لغة قريش ويعتمدون في أقوالهم على حقيقة وجود لغة عربيّة فصيحة تجمع " العرب" وهي اللغة الأدبيّة الّتي قيل بها الشّعر. لكن هذا القول يتعارض تماما مع نظريّة جمع اللغة الّذي قامت به محموعة من اللغويين والنحويين في العصر العبّاسي لأنّ القبول بوجود لغة عربيّة ينفي في حدّ ذاته أيّة عمليّة جمع، إذ لا يعقل تصوّر جمع ما هو موجود ومتعامل به.

"أمّيّة العرب" وعلاقتها باللغة
:

ثبت من نص القرآن والسنّة أنّ "العرب" أمّة "أمّيّة" وأنّ محمّدا "أمّيّ" لكن رغم ما يبدو من وضوح مدلول هذه الكلمة فإنّها بلبلت أفكار علماء المسلمين وجعلتهم يهيمون في كلّ واد. فنراهم تارة يسندون لهذا اللفظ المعنى المتداول أي الجهل بالقراءة والكتابة وتارة معنى الجهل بوجود/عدم امتلاك كتاب منزّل من السّماء . لذا نراهم عند الحديث عن أمّيّة محمّد يلجؤون لمعنى الجهل بالقراءة والكتابة لإثبات نبوءته وكأنّ الجهل بالقراءة والكتابة حجّة على خقيقة النّبوءة ويلجأون في غالب الأحيان إلى معنى الجهل بكتاب منزّل عندما يتعلّق الأمر بأمّة "العرب". وهم في كلتا الحالتين مخادعون يسعون إلى استبلاه النّاس والضّحك على عقولهم.

فقد ثبت في كتاباتهم أنّ مجموعات كبيرة من الشعوب والقبائل المكوّنة لما يسمّى عربا في المفهوم الإسلامي والعربي المعاصر كانت تؤمن باليهوديّة والمسيحيّة، الشّيء الّذي يتنافى مع ما يزعمونه من أنّ المعنى لكلمة "أمّيّة" يفيد الجهل بكتاب منزّل من السّماء. كما ثبت في كتاباتهم أنّ مجموعات هامّة من قريش وأهل يثرب كانوا يكتبون ومنهم كتبة محمّد وكتبة القرآن في حياته. لذا فإنّ ما جاء في القرآن والحديث حول "أمّيّة العرب" لا أساس له في الواقع، بأيّ معنى من المعاني الّتي يختاره المسلم. لكن السّؤال المحيّر هو : إذا لم تكن العرب "أمّيّة" وجاهلة بالقراءة والكتابة فعلا وكما جاء في القرآن، كيف يمكن لنا تفسير غياب أيّ أثر تاريخي يثبت لنا أنّهم كتبوا بلغتهم كبقيّة الشّعوب سواء في حياة محمّد أو قبله أو بعده بعشرات السّنين؟

في الواقع أثبتت الحفريات وعديد  الإكتشافات أنّ من اصطلح المسلمون على تسميتهم "عربا" كتبوا وتركوا أثار كتاباتهم في جميع أنحاء الجزيرة العربيّة في شمالها وجنوبها وغربها وشرقها، في حجازها ويمنها ونجدها ويمامتها وعمانها… أينما أردنا. لكن الغريب في الأمر أنّ كلّ تلك الكتابات كانت بلغات ليست لها أيّة علاقة بعربيّتنا، عربيّة نص القرآن والشّعر الجاهلي ديوان العرب. كما أنّ خطوطها لا تمتّ بأيّة صلة بالحرف العربي الّذي نعرف، رغم وجود بعض التّشابه بين الخط العربي وبعض الخطوط منها.

فقد تمّ العثور على كتابات بالخط النّبطي والخط السّرياني والمسند بتفرّعاته والاختلافات المميّزة لمراحل تطوّره، بلغات متعدّدة مثل الحميريّة والنّبطيّة والسّريانيّة واللحيانيّة و غيرها من اللغات لكن وإلى حدّ هذا اليوم لم يجدوا أثرا واحدا بالخط العربي واللغة العربيّة.

أليس غريبا أن يكتب "العرب" بشتّى اللغات وبشتّى الخطوط سوى لغتهم الفصيحة لغة أدبهم وشعرهم؟ هل يمكن لعاقل أن يفسّر هذا الواقع؟ هل يمكن أن يعود السّبب إلى "أمّيّة" "العرب" بلغتهم دون غيرها من اللغات والكتابات؟ أم أنّ السّبب هو جهل "العرب" أصلا بوجود العربيّة الّتي انتهت إلينا في تلك الفترة من تاريخهم؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق