حق المرأة السورية في منح جنسيتها لأبنائها

لم تدرك أمّ أيمن (من سوريا) يوماً أنّ زواجها بمواطن مصريّ سيجلب إليها كلّ هذه المتاعب، وسيحوّل حياتها وحياة أسرتها إلى حالة من الفراق الدائم، فهي اليوم تعيش وحيدة لعدم قدرتها على منح الجنسية لولديها أيمن وإيهاب اللذين اختارا مرغمين دولة الكويت للعيش والبحث عن لقمة العيش.


في دمشق ُولد أيمن وإيهاب، وفيها نشئا، ولم يعرفا وطناً آخر غير سوريا، ولم يدركا في صغرهما أنّهما غريبان، ولكن عندما كبرا عرفا شعور غربة الإنسان في بلده، فهما محرومان من العمل والتملّك والكثير من التفاصيل الأخرى لأنّهما يحملان جنسية والدهما المصرية، ولا يحملان الجنسية السورية.


تقول أمّ أيمن (منفصلة عن زوجها ذي الجنسية المصرية بعد ثلاث سنوات من الزواج): "تركني زوجي وأنا حامل بابني الثاني وانقطعت كلّ أخباره بعدها، فأنا من ربيت ولدَيّ وغرست فيهما حبّ هذه الأرض التي ينتميان إليها روحياً، ولكن هل من قانون يعترف بانتمائهما إلى سوريا؟".


حالة أمّ أيمن واحدة من حالات وقصص حقيقية عن أمّهات سوريات متزوّجات من غير سوريين ينتظرن خبراً عابراً في إذاعة ما، أو مقالاً في إحدى الصحف يعطيهنّ بصيص أملٍ في صدور مرسوم جديد، أو دراسة لمشروع يكفل حقهنّ في منح جنسيتهنّ لأبنائهن.


وحقّ المرأة السورية المتزوّجة بغير سوريّ في منح جنسيتها لأبنائها مطلب أساسيّ عند بعض المنظمات المعنية بشؤون المرأة، والقانون يحرمهنّ هذا الحقّ لأسباب يراها بعضهم منطقية، ويجدها آخرون حججاً واهية.

أوجه المعاناة


معاناة أمّ أيمن وولديها "لا تنتهي بعدم قدرتهما على العمل في بلدهما سوريا، بل تتعدّاها إلى صعوبات أخرى، فهما لا يستطيعان التملّك هنا، فبعد أن باعت أمّ أيمن بيتها لتشتري لكُلٍّ من ولديها بيتاً صغيراً، فوجئت بأنها لا تستطيع نقل ملكية  البيتين إلى ولديها، لذلك اضطرّ إيهاب إلى تسجيل البيت باسم زوجته التي ستعاني بدورها في توريث أبنائهما إذا ما بقي الحال على ما هو عليه".


أمّا موضوع تجديد الإقامة، فأمّ أيمن التي كانت تجدّد إقامة ولديها كلّ خمس سنوات، تعاني اليوم الشيء ذاته مع أحفادها، لتصبح كلّ مشكلاتها تدور حول هذه المعضلة..


وأشارت أمّ أيمن إلى "أنّها قدَمت أكثر من عشرة طلبات إلى وزارة الداخلية، تمّت الموافقة على طلب واحد منها، وذلك لإعطاء الجنسية السورية لابنها أيمن، إلا أنّ إدارة الهجرة والجوازات رفضت الطلب، وأخبروها أن تنتظر مرسوماً رئاسياً لحل مشكلتها!".


ورغم انسداد الأفق أمام العثور على حلول، إلا أنّ أمّ أيمن "لن تيئس، وهي مستعدّة للمحاولة مرّة تلو أخرى، خصوصاً عندما تفكّر في أحفادها الذين ينتظرهم الشقاء ذاته".

"هذا البلد أعطانا وحان دورنا للعطاء ولكن.."


"أولادي سوريون بالهوى" هذا هو التعبير الذي استخدمته سحر (54 عاماً، مواطنة سورية متزوّجة بلبنانيّ مولود في سوريا، وأمّه وجدّته سوريتان أيضاً)، وقد أكدت "أن أولادها لا يعرفون وطناً آخر غير سوريا، فعائلتهم كلها هنا، وهذا البلد الذي حضنهم في طفولتهم وعلمهم في مدارسه مجاناً، واستقبلهم في جامعاته، وعشقوا كلّ شيء فيه، حان اليوم دورهم ليعطوه، فابنتها (مهندسة عمارة) تتمنّى لو تمارس مهنتها في بلدها، لكنها عاجزة عن افتتاح مكتب هندسي ولا تستطيع التسجيل في النقابة، أما ابنها الذي درس إدارة الأعمال فإنه يجلس بلا عمل، وتخشى أن يُصبح خيار الهجرة هو الحلّ الوحيد لديه".


في حالة مشابهة، رامي المليجي (ابن لأمّ سورية ووالد مصري) يتمنّى "أن يخدم بلده وأن يعطيه كما أعطاه، فهو سوريّ الولاء والانتماء، وإن حرمه القانون من أن يحمل الجنسية السورية".
وأضاف رامي "عندما كنت طالباً في الجامعة أسّست جمعية للمحافظة على البيئة اسمها (معك)، وضمّت عدداً كبيراً من الطلاب، وذلك لغيرتي على بلدي سوريا".

جنسيتي لي ولأطفالي


أطلقت رابطة النساء السوريات حملة بعنوان (جنسيتي حقّ لي ولأطفالي) انطلاقاً من مبدأ أساسي في حقوق المواطنة ومن مبدأ المساواة في الحقوق بين النساء والرجال، "فالجنسية ترتبط على نحو أساسيّ بحقّ المواطنة"، كما وضّحت نوال اليازجي الباحثة في شؤون المرأة والناشطة في رابطة النساء السوريات.


وأضافت يازجي أنّ "الحملة التي بدأت عام 2002 كانت إقليمية في البداية، وضمت سوريا ولبنان واليمن والمغرب والجزائر والسودان والبحرين، وساعدت هذه الحملة على إثارة الموضوع، ثم تحوّلت إلى حملة وطنية منظمة عام 2004، فقدمت الرابطة اقتراحاً إلى مجلس الشعب بتعديل مادة واحدة في قانون الجنسية لتصبح (يعتبر عربياً سورياً كل من وُلِد لأب أو لأمّ سوريّة داخل القطر وخارجه)، وقد وقّع على اقتراح التعديل في حينه 35 من أعضاء مجلس الشعب، ورُفع المطلب ذاته إلى رئيس مجلس الوزراء، ثم جرى جمع تواقيع على عريضة ورقية رُفعت إلى مكتب السيد رئيس الجمهورية، هذا إلى جانب حملة إعلامية مكثّفة بين عامي 2004 و2006، أسهم فيها بفعالية الإعلام الرسمي بكافة قنواته والإعلام الإلكتروني، خصوصاً بعد جلسة الاستماع التي أثارت اهتمام الإعلاميين على نحو مؤثر".


وعن أهمية الحملة أشارت نوال اليازجي إلى "أنّ الحملة وضعت القضية على بساط البحث، ولفتت النظر إليها، وعبّأت الكثير من الناس حولها، إذ تم تعريف الناس بوجود هذه المشكلة، وفي سبيل هذا نشرت الرابطة بحثَيْها الميداني والقانوني حول حقّ الجنسية للنساء المتزوّجات بغير السوريين، وعدداً من المواد الصحفية حول الموضوع، ونظّمت جلسات استماع وندوات، وأتاحت للإعلام لقاءات مع السيدات صاحبات القضية وأولادهنّ، وبهذا وضعت القضية أمام الرأي العام الذي يشكل دعمُه العاملَ الأساس في نجاح كل حملة".


وبيّنت اليازجي "أن شعار الحملة، من حيث المبدأ، يجب أن يكون (جنسيتي حقّ لي ولأسرتي)، وليس فقط (جنسيتي حقّ لي ولأبنائي)، ولكنّ الرابطة اكتفت بالأطفال مبدئياً لحلّ مشكلاتهم المؤلمة، وتجنّباً لأيّ عراقيل محتملة إذا ما تناولت حقوق الأزواج بالجنسية أيضاً".

المرحلة تتطلب التريث!!


وقال عضو مجلس الشعب، الدكتور محمد حبش "إنّه قام بتقديم مشروعَي قانون إلى البرلمان لمنح المرأة السورية هذا الحق، وكان الردّ بأنّ المرحلة تتطلب التريث، وأنّ هناك حالات لا يمكن معالجتها بقانون" مرجعاً ذلك "إلى عدّة أسباب".


وعن تلك الأسباب، أوضح حبش أنّ "السبب الأوّل يرجع إلى أنّ إعطاء الجنسية يتعارض مع التوطين، لأنّ سوريا ملتزمة بقرارات الجامعة العربية التي تنصّ على عدم توطين الفلسطينيين في أيّ بلد عربيّ، والسبب الثاني هو أنّ حصول المرأة السورية على هذا الحق سوف يؤدّي إلى زيادة زواج السوريات من أجانب، وبالتالي التفريط بالمرأة السورية أيضاً، أي إنّ المرأة السورية إذا شعرت بأنها قادرة على منح الجنسية، فبإمكانها أن تقبل بزيجات مؤقّتة، بخليجيين مثلاً "لافتاً إلى وجود " تحفّظ من وزارة الداخلية، وذلك لأسباب اجتماعية واقتصادية، فمنح الجنسية يُرتّب على الدولة مسؤوليات كثيرة".


وقال حبش إنّ المشروع الجديد ينصّ على "أنْ يتمّ منح الجنسية لأبناء السوريات من أب أجنبي بعد تحقيق شرط الإقامة في القطر مدّة عشر سنوات على الأقل، وكذلك أن يتضمن هذا الإجراء عدم التعارض مع مقرّرات القمم العربية المتعلقة بحقّ العودة للإخوة الفلسطينيين".


وعلّق حبش على النص المقترح "بأنه جيد، خصوصاً أنّ الفلسطينيين في سوريا يُعامَلون معاملة السوريين في الوظائف والترقية وخدمة العلم، فالمعاناة ليست معاناة الفلسطيني فقط"، آملاً أنْ يجد هذا المقترحُ سبيلاً إلى التحقيق.

قيود على النساء دون الرجال..


وردّاً على نص المقترح الجديد المتعلّق بمنح المرأة الجنسية لأطفالها، قال يحيى الأوس مدير تحرير مجلة ثرى المختصّة بحقوق المرأة "المشروع هو محاولة لتحريك الركود الذي يلفّ المسألة، فمن حيث المبدأ، المرأة السورية مواطنة كاملة الأهلية انطلاقاً من الدستور الذي نصّ على المساواة، وليس من الإنصاف انتظار سنوات أو حتى أشهر لمنحها هذا الحقّ، بل على العكس يجب الشروع فيه فوراً بوصفه حقاً وليس مِنّة".


وحول قبول المرأة بالزيجات المؤقّتة أوضح الأوس "أنّ من تُقْدم على هذا النوع من الزواج لا تفكّر سوى في الوقت الراهن، لأنّ الدافع غالباً ما يكون مادياً، ومن تتزوّج خليجياً فإنّها قد تفعل ذلك بهدف منح أولادها جنسية الزوج، وعموماً، معظم من يُقْدِمن على هذا النوع من الزواج لا يعرفن أيّ شيء عن مسألة الجنسية".


من جهتهنّ، فإنّ عضوات رابطة نساء سوريات، يرحبن بكلّ معالجة لهذه المشكلة، وهذا ما أشارت إليه نوال اليازجي بقولها: "الرابطة لن ترفض أي معالجة للمشكلة، لأنّ هناك معاناة لأشخاص ينتظرون أيّ حلّ، ولو كان مشروطاً"، مشيرة إلى أنّ "هذه هي الخطوة الأولى لمتابعة العمل في سبيل الحصول على حقوق كاملة في مسألة الجنسية وغيرها"، وتساءلت يازجي : "لماذا نضع على النساء في الحقوق شروطاً أو قيوداً لا نضعها على الرجال؟!".


وحول استثناء أبناء السوريات المتزوّجات بفلسطينيين، كما جاء في المشروع المقترح، أكّدت اليازجي "أنّ الجنسية شيء، والتوطين شيء آخر، وحقّ العودة مضمون لكلّ من كان في فلسطين عام 1948، حتى لو لم يكن فلسطينياً، وهذا ما أكّدته مؤسسة حقّ العودة الفلسطينية للرابطة حين راسلناها مستفسرين، وأكد لنا ذلك عددٌ من القيادات الفلسطينية في لقاءات معهم بهذا الصدد، فجميعهم أكّدوا أنّ هذا الحق مكفول بقرارات الأمم المتحدة وبالعرف الدولي، وهذا ينطبق على عدد هائل من الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج ويحملون جنسيات مختلفة حسب الدول المضيفة".

لا تعارض مع الشرع


وقال الدكتور محمد الحبش "من الناحية الشرعية لا يوجد ما يمنع الأمّ من هذا الحقّ الطبيعي والفطري بمنح الجنسية لابنها، والشريعة دعت إلى المساواة بين الرجل والمرأة، وجاء في القرآن الكريم: {المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، وهذا دليل واضح من القرآن الكريم على أنّ المرأة تستحق كامل الحقوق التي أُعطيت للرجل".


وعن الاختلاف بين النَّسَب والجنسية أكّد الحبش "أنّ النسب شيء، والجنسية شيء آخر, فما أمر به النبيّ في موضوع النسب لا علاقة له بالجنسية، فالجنسية اليوم قد تُمنح للابن، وقد تمنح للزوج أو للشريك، وقد تمنح للمقيم في البلد، وهناك موقف من الشريعة ضدّ الاستلحاق (النسب للمرأة)، لأنّ النسب للرجل. أمّا مسألة الجنسية فلا علاقة لها بالأنساب، وهي من المسائل المستحدثة، ولا يوجد نص في هذا الأمر".

قانون" تمييزي"


وفي ما يتعلّق بالأمور القانونية، أشارت المحامية أمل يونس إلى "أنّ حرمان المرأة من حقّ منح جنسيتها لأولادها هو شكل من أشكال التمييز ضدّ المرأة في قوانيننا المحلية، فقد جاء في قانون الجنسية 276 لعام 1969، في فصله الثاني، في المادة الثالثة التي اعتبرت (كلّ شخص عربيّ سوريّ حكماً : من وُلِد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري)، وهذه المادة تحوي مخالفة صريحة للدستور السوري الذي لم يفرق بين امرأة ورجل في الحقوق والواجبات في كل من المواد (25 و26و27) التي تنص على المساواة الكاملة بين المواطنين (رجالاً ونساءً)".
وأضافت يونس "ونصت المادة 44 من الدستور السوري على حماية الدولة للأسرة، وأوجب عليها في المادة 45 العمل على إزالة القيود التي تمنع تطور المرأة ومشاركتها في بناء المجتمع"، مشيرة إلى أنّ "الدستور فرض واجباً تشريعياً بتعديل كافة القوانين التي قبله بما يتلاءم مع مبادئه الأساسية".


وفيما يتعلق بتحفّظ سوريا على (اتفاقية القضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة) بيّنت يونس "أنّ سوريا تحفّظت على (المادة التاسعة) المتعلّقة بالجنسية، وهذا بسبب مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية"، لافتة إلى أنّ "هناك إجماعاً من رجال الدين والفعاليات السياسية والسلطات المخوّلة باتخاذ القرار على أن منح هذا الحقّ لا يُخالف هذه الأحكام، وهو حقّ مدنيّ خالص لا علاقة له بالشريعة، ويؤكد على مواطنية المرأة السورية كمواطنة سورية بالتساوي مع الرجل وفق الدستور وكافة الشرائع الدولية المنضمة إليها سوريا بدءاً بإعلان حقوق الإنسان".


أمّا عن علاقة منح الجنسية بالانتماء الوطني، فقد قالت المحامية أمل يونس: "إن منح الجنسية لأبناء المرأة السورية يقوّي من انتمائهم ومحبّتهم للوطن، ويزيد من تعلقهم به، ويرسخ دعائم المواطنة والانتماء التي يعتزّ بها كلّ مواطن سوري" مؤكدة أن "إعطاء المرأة السورية الحقّ في منح جنسيتها لأولادها تحقيقٌ لمواطنية الإنسان وللمساواة مما يضمن مشاركة المرأة الحقيقية مع الرجل في بناء الوطن وترسيخ دعائمه"، مع العلم أن الكثير من الدول العربية (مصر، تونس، الجزائر، المغرب) أقرّتْ للمرأة بهذا الحقّ".
               

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق