حكاية الطوفان

وسم حدثان رئيسيان الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، بينما كانت الأبحاث الآثارية قد بدأت تعيد الحياة إلى المناطق المذكورة في التوراة. اكتشف ” ج. سمث ” G. Smith، الذي كان يدرس الألواح المكتوبة، التي عثر عليها حديثاً في ” كويونجيك ” ( ” نينوى ” القديمة )، ومصدرها مكتبة ” آشوربانيبال “، حكايةً عن ” الطوفان “. نظمت في الحال حملة آثارية للعثور على جزء النص الناقص. تمّ العثور عليه، وفي 2 كانون الأول 1872، قدم ” ج. سمث ” محاضرة حول حكاية ” الطوفان ” المسمارية، بحضور الملكة ” فيكتوريا ” نفسها. وفي عام 1914، كشف ” أ. بيوبل ” A. Peobel هو أيضاً عن وجود حكاية عن ” الطوفان “، أقدم زمناً، بين الألواح التي عثر عليها عام 1895، في مدينة ” نيبور “، عاصمة ” سومر ” القديمة.

{{أتراحاسيس، الحكيم الأعظم}}

منذئذ، أعطت نصوص أخرى شواهد حول وجود حكايات عن “الطوفان”. واليوم، يوجد أقدمُها تماسكاً حول هذا الحدث الكارثي، ضمن إطار حكاية عن الأصول، في أسطورة ” أتراحاسيس ” الأكادية، والتي تترجم بـ ” الحكيم الأعظم / عظيم الحكمة ” Supersage، ولكن التي تسمى أحياناً حسب مستهلها: ” عندما كان الآلهة مثل البشر… “. كان هذا النص قد ألفه، بين القرنين التاسع عشر والثامن عشر على ما يبدو، مؤلّفٌ اعتمد بوضوح في مراجعه تراثاً أقدم. تشتمل النسخة الأكمل على ألف ومائتي خطّ، موزّعة على ثلاثة ألواح، وتعود في تاريخها على الأرجح إلى القرن السابع عشر. كانت هذه الحكاية قد انتشرت على نطاق واسع وأعيد نسخها لفترة طويلة من الزمن، خلال ألف عام: عرفت منها نسخ مختلفة تعود في تواريخها إلى العصر البابلي القديم، والبابلي الأوسط، والآشوري الحديث. وسرعان ما فُهم أن هذا النص يمثل أقدم “تكوين” معروف، يحكي قصة الإنسان منذ أن خلق حتى “الطوفان” ثمّ مجيء العصر التاريخي، والكلّ ضمن تصوّر دينيّ.

” الطوفان” في هذه الحكاية هي المحاولة الرابعة للآلهة لإهلاك البشرية التي أزعج صخبُها المستمرّ الإلهَ الأعلى. إلا أنّه كان في حساب الإله “إنكي”، الذي جاءته فكرة خلق البشر، أن يحمي خلْقه، مستعيناً بالعلاقة المميّزة التي تربطه بأحد أتقيائه، ” أتراحاسيس “. كما أنه حينما اتخذت الآلهة القرار النهائي وأقرّت ” الطوفان “، توجّه “إنكي” في الحلم إلى “أتراحاسيس ” وكلّمه عبر حاجز، ليشرح له أنّ “الطوفان” سيحدث خلال سبعة أيام ويُفهمه ما عليه فعله كي يتهيّأ للأمر. أقلّ “أتراحاسيس” أسرتَه وحيواناتٍ في المركب، ثم دوّى صوت “أدد ” Adad، الرعد، وهبّت ريح مخيفة حطّمت حبال المركب. استمرّت زوابع الرياح و”الطوفان” تخبط سبعة أيام وسبع ليال، ثم رأى الإله الكبير “إنليل” أنّه قد خُدع، وأنّ رجلاً قد نجا. اعترف “إنكي”، وقَبِل “إنليل” أخيراً فكرةَ انطلاقة جديدة للبشرية، غير أنه طلب أن يكون لها حدود وقيود. حينئذ، طلب “إنكي” من “ننتو ” Nintu أن يكون الموت منذئذ قدر البشر وأن توضع لهم قيود طبيعية، كالعقم أو الموت المبكّر.

{{زيوسودرا، البطل السومري}}

حكاية “الطوفان” المكتوبة بالسومرية، الأحدث من مثيلتها الأكادية بقرن إلى قرنين، معروفة من خلال لوح مصدره “نيبور” يعود في تاريخه إلى القرنين السابع عشر – السادس عشر. ليس هذا اللوح سوى قطعة منه، غير أنه ربما كانت هناك قطعة أو قطعتان مطابقتان للأصل: وجدت إحداهما في “أور” والأخرى مجهولة المصدر. هذه القطع الثلاث التي تحمل النص نفسه هي الدلائل الوحيدة المتوفّرة حول وجود تراث بالسومرية عن “الطوفان “، ويدعى بطله “زيوسودرا ” Ziusudra ( ” حياة الأيام المديدة ” ):

” كلّ الرياح الشريرة، العواصفُ، التأمتْ،

أغرق الطوفانُ ( أ – ما – رو a-ma-ru ) الـ [ … ]

بعد أن أغرق الطوفان البلاد

في سبعة أيام وسبعة ليال،

وبعد أن أرجحت الريحُ الشريرة الفلْكَ الضخم على المياه العظيمة،

خرجت ،، الشمس ،، ( إله الشمس )، مفتتحةً النورَ في السماء وعلى الأرض.

فتح زيوسودرا كوة في الفلك الضخم،

وترك ،، الشمس ،، ونورَها يدخلان إلى الفلك الضخم.

سجد زيوسودرا، الملك،

أمام ،، الشمس ،،.

ذبح الملك ثيراناً وكثّر من قرابين الأغنام [ … ] “.

لم تتح تشوهات النص وضع هذا الحدث الكارثي ضمن تتمة الأحداث المروية. يبدو أن تهديداً قد أتعب البشرَ في البداية، وأن الإله “إنكي” قد عارض هلاكهم. رأى أن يساعَدوا، ثم ظهرت الملَكية royauté، ” منحدرةً من السماء” في عواصم متعاقبة في زمن ما قبل الطوفان، ومن هنا مورست: “أريدو”، و “باد – تيبيرا”، و”لاراك ” Larak، و”سيبار ” Sippar، و”شوروباك ” Shuruppak. كان لا بدّ لتهديد “الطوفان” من أن تتجلى معالمه بعد ذلك، لأن “إنكي” أبلغ الملك “زيوسودرا”، الورع والحكيم، بالمخطط الذي وضعه من أجل أن ينقذه. مكث ” زيوسودرا ” بجوار جدار المعبد عندما كلمه “إنكي” وأخبره بـ”الطوفان”. بعد سبعة أيام وسبع ليال، ” غطى “الطوفان” الأرض وكانت الرياح تؤرجح الفلْك. ثم عاد إله “الشمس”، ” أوتو ” Utu وظهر من جديد، ووجه ” إنليل ” اللوم إلى “إنكي” لأنه حذر إنساناً وأنقذه. ولما خرج “زيوسودرا” من الفلْك ركع، ونال أخيراً عطف كبيري الآلهة، ” آن ” و “إنليل”.

” ومنحاه أيضاً حياة تشبه حياة الآلهة:

نسمة حياة أبدية، كنسمة حياة الآلهة!

[ … ]

هكذا فعل الملك زيوسودرا،

الذي حفظ الحيوانات وجنس البشر،

أسكناه بلاداً ما وراء البحار:

في دلمون، هناك حيث تشرق الشمس “.

ووفقاً لمصادر أخرى، مثل ” اللائحة الملكية السومرية “، فإن ” زيوسودرا ” كان ملكاً على ” شوروباك “، خامس وآخر مدينة أعطيت الملَكية قبل ” الطوفان “، مما يظهر وجود تشارك تقاليدي بين نصوص مختلفة الطبيعة تماماً، غير أنها متعاصرة. كان القسم ما قبل الطوفاني antédiluvienne في هذه اللائحة قد أضيف إلى العصر البابلي القديم، نحو القرن التاسع عشر دون شك. في هذه النسخة، تحيل ” اللائحةُ الملكية السومرية ” إلى ” الطوفان ” كانقطاع جذري وتوزِّع فتراتِ الحكم والملَكية قياساً إلى هذا الحدث: ” وقع الطوفان. وبعد أن وقع الطوفان، نزلت الملَكية من السماء. كانت الملَكية في كيش Kish “. استجابت ” اللائحة الملكية السومرية “، التي صيغت في نسختها القصيرة عند منعطف الألفيتين الثالثة والثانية، إلى لزوم إظهار أن الملَكية لم تتوقف مطلقاً في “سومر”، منذ أن نزلت من السماء. وتوضح إضافة قطعة ما قبل الطوفان هذه، بعد عدة قرون لاحقة، حاجة ملوك أحدث زمناً، على الأرجح، إلى وضع بداية للزمن التاريخي، من خلال حدث يربطه بالأزمنة الأسطورية، وهو ما من شأنه أن يعزز شرعيتهم ونفوذهم.

عثر على حكاية أخرى عن “الطوفان” في “أوغاريت”، “رأس شمرا” الحالية، ويعود تاريخها إلى النصف الثاني من القرن الثالث عشر. لم يبق منها سوى القليل، غير أننا نقرأ فيها بوضوح “قرار الآلهة المتعلق بالطوفان الشامل”. ثم بعد ذلك يظهر البطل، المسمى “أترام – حسيسوم ” Atram – Hasîsum، المقدّم على أنه الإلف والمخلص للإله ” إيا ” ( ” إنكي ” السومري ). يبدي علمَه بقرار الآلهة، لأن أحدهم، ” إيا ” على الأرجح، ” قد ردد كلامهم عند سياج القصب “. وكما في نص ” نيبور “، يبلغ البطل الخلود: ” نعم! ستكون لك حياة كحياة الآلهة “. ولا نعرف إن كان هذا النص نسخة محلية عن حكاية مشابهة لحكاية ” الحكيم الأعظم “.

{{أوتانابشتيم: الباقي حياً إثر الطوفان

يلتقي جلجامش}}

تخصص “ملحمة جلجامش” مقطعاً لحكاية “الطوفان”. تغطي نصف لوح الحكاية الحادي عشر والأخير. هذا المقطع تؤكده اثنتا عشرة مخطوطة تعود في تاريخها جميعاً إلى الألفية الأولى قبل الميلاد. تأتي رواية “الطوفان” في وقت حاسم من مسيرة البطل. فقد “جلجامش” رفيقه الأعزّ، “إنكيدو”، الذي جاء موته نتيجة غطرسة مشتركة من جانب الصديقين حيال الآلهة. عندئذ، يدفعه الوعي الحادّ بنهائية البشر التي أوحى له بها هذا الحدث المأساوي إلى البحث عن الخلود. عرف أنّ سالماً من “الطوفان”، المدعوّ “أوتانابشتيم” (الاسم الذي يعني على الأرجح بالأكادية “وجدت حياتي”)، قد نال هذه الميزة. ويباشر في رحلة البحث للالتقاء به في مكان إقامته، عند طرف العالم، لاكتشاف سرّ خلوده. متى وصل إليه، روى له “أوتانابشتيم” مغامرة “الطوفان” على نحو يماثل بشكل أكيد ما ورد في حكاية “الحكيم الأعظم”، مع استثناءات قليلة. هنا، “الطوفان” مصوّر على أنه كارثة مدمّرة، ولكن بلا تفسير، على عكس حكاية “الحكيم الأعظم”، التي تأتي على ذكر الأسباب والمنشأ والنتائج. من جهة أخرى، إذا كان البطل الذي سلم من دفق المياه في حكايتين مقدَّماً على أنه ملك “شوروباك”، فإن هذه المدينة تصبح في “ملحمة جلجامش” نقطةَ اندفاع “الطوفان”، بينما هي فيما سبق ليست سوى مكان إقامة الملك. البطل ” أوتانابشتيم ” غير موصوف في هذه الملحمة سوى مرة واحدة كـ “حكيم أعظم”. تنطوي الحكاية أيضاً على موضوع إطلاق الطيور، بدءاً بالحمامة بعد سبعة أيام من رسوّ الفلْك عند جبل ” نيصير ” Nisir. يقول ” أوتانابشتيم ” لـ «جلجامش»:

” مع قدوم اليوم السابع، أخرجتُ حمامةً وأطلقتها. ذهبت الحمامة ورجعت؛ وإذْ لم تجد مكاناً تحط فيه، عادت. أخرجت سنونوة وأطلقتها. ذهبت السنونوة ورجعت؛ وإذ لم تجد مكاناً تحط فيه، عادت. أخرجت غراباً وأطلقته. ذهب الغراب ووجد جفافَ المياه. أكل، وحام، ونعق. ولم يعد. أخرجتها إلى الجهات الأربع كلها… “.

وعقب الخروج من الفلْك، يروي “أوتانابشتيم” أنه قدم قرباناً للآلهة، الذين قبلوه. أخيراً، يقدَّم الباقي حياً من “الطوفان”، الذي التقاه «جلجامش»، على أنه قد غيّر وضعه، شرطَه، فانتقل من فان عادي إلى خالد، ويقيم مع زوجته، التي كسبت أيضاً حياة الخلود، عند مصب النهرين.

{{حدثٌ من التاريخ البشري}}

إن وُجد ذكْر أخير للتقاليد الشرقية القديمة المتعلقة بـ “الطوفان” في كتابات “بيروز”، رواها مؤلفان عاشا بعده، “ألكسندر بوليهستور ” A. Polyhistor، وهو نحْويّ من القرن الأول قبل الميلاد، و”أبيدينوس ” Abydène بعد ذلك بقرنين، فإن معظم الحكايات التي تروي مجيء طوفانٍ، وتعاقبَ أحداثه، تعود في تاريخها إلى الألفية الثانية والألفية الأولى. وإذْ كانت أقدم الآثار المكتوبة تعود في تاريخها إلى القرن العشرين أو القرن التاسع عشر قبل الميلاد، فليس لدينا مصادر مكتوبة من زمن “السومريين” (الألفية الثالثة )، الزمن الذي يذكر بعض الوثائق أن الحدث قد وقع فيه، مثل “اللائحة الملكية السومرية” أو أيضاً حكاية “الحكيم الأعظم” أو “ملحمة جلجامش”. في الواقع، الملك ” زيوسودرا “، المسمى في وثيقة ” نيبور “، معروفٌ في الجزء ما قبل الطوفاني من “اللائحة الملكية السومرية”، كذلك الأمر فإن “أوتانابشتيم” الوارد في “ملحمة جلجامش” مذكورٌ في اللائحة نفسها، وأيضاً خلَفُهُ، ” أوبار – توتو ” Ubar – tutu، المسمى بدوره في هذه الملحمة.

في أسطورة “أتراحاسيس”، يروى “الطوفان” كأحد مكونات تاريخٍ أوسع، متعلق بأصل البشر وبالمسائل الأساسية التي يطرحها وضعُهم، بينما ليس لـ”الطوفان” في “ملحمة جلجامش” رابط مباشر بالتاريخ المروي إن لم يكن لأنه يتيح تفسير كيف وصل إنسانٌ إلى الخلود. وفي هاتين الحالتين، عندما يتبلغ ذاك الذي سيسْلم من “الطوفان”، من خلال إلهه، على قرب وقوع الكارثة، يجعل نفسه شريكاً في مخطط الهلاك، بحجبه الحقيقةَ عن مواطنيه وبزعمه إنه إنما يبني السفينة من أجل الرحيل عن تلك الأرض. حُمّلت السفينة بالذهب، والفضة، وقطعان مواش، والأسرة، وأسرة زوجته، وحيوانات برية وأهل حِرف. وفي هاتين النسختين، لا ينقذ البطل عينات حياتية بل ما يكوّن المدينةَ الرافدينية وما هو ضروري للملَكية. وفي النسخة الثالثة، نسخة نص “نيبور”، ” زيوسودرا ” هو ملك بوضوح، وليس “بارّاً”.

أسباب الكارثة واضحة بهذا القدر أو ذاك وفقاً للنصوص. وفي نسخة ” نيبور ” السومرية، لا نفهم هذه الأسباب بشكل واضح. وفي ” ملحمة جلجامش “، لا ذكر لهذه الأسباب، ولكن عندما يكون ” إنليل ” في نهاية الحكاية غاضباً لأن رجلاً قد بقي حياً، يجيبه ” إيا ” بأنه يمكن إنزال العقاب بالمذنب، وليس السعيَ إلى قتل مبدأ الحياة، حيث توضح كلمات ” إيا ” هذه أن المطلوب هو العقاب على ذنب ارتكب وليس على ضوضاء مثلما هو الحال في قصيدة ” أتراحاسيس”:

” لم تمض أبداً اثنتا عشرة سنة،

وها هي البلاد قد اتسعت وتكاثر البشر،

يخور البلد مثل ثور

والإله منزعج من صريخهم “.

يذكرنا هذا الصخب الذي أزعج عالم الآلهة بضوضاء الظلم الذي ربطته التوراة بالإنسان. في التوراة، خبث البشرية هو الذي يستدعي العقاب الإلهي.

{{الشرق القديم والتوراة

تشابه واضح}}

” الطوفان ” في التقاليد التوراتية حدثٌ بانٍ للتاريخ، يسِم إخفاقَ البشرية الأولى والانطلاق من جديد أو إعادة الخلق. الانتقال بن هذين العصرين مدرَكٌ على أنه عودة لعنصر الماء، الذي يغطي كل شيء، في نوع من الارتداد إلى عماءِ لا تمايُزِ الأصول. يعيد الخلْقُ الجديد، الذي تلا هذا الانتقال، تحديدَ تخوم عنصر الماء، من خلال عودة ظهور العنصر الصلب، اليابس. تمهد نقطة الانطلاق الجديدة هذه لعصر تاريخي، يبتدئ بلائحة أنساب لنسل ” نوح “، السالم من ” الطوفان “، الذي اختاره الإله.

عودة اللا تمايز متصورة على أنها عودة الإله إلى عمله. رأى الإله الشر الموجود في الإنسان، وقرر إنهاء هذا الخلق، باستثناء رجل، اعتُبر باراً وكاملاً بين أجياله. يخاطب الإله ” نوحاً ” مطْلعاً إياه على مشيئته بأنه سيهلك البشريةَ التي أفسدتها القسوة، وأنه سينجيه ويضع فيه الأمل بانطلاقة جديدة. شرح له كيف يبني الفُلْك، ومن سيُصْعد إليها، وحدد له الطعام الذي عليه أن يختزنه كي يبقى على قيد الحياة. نزل ” نوح ” وعمره ستمائة سنة، في الفلك مع من أمره الإله باصطحابهم، ثم حدث ” الطوفان ” بعد سبعة أيام. ” فِي سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ مِنْ حَيَاةِ نُوحٍ، فِي الشَّهْرِ الثَّانِي، فِي الْيَوْمِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، انْفَجَرَتْ كُلُّ يَنَابِيعِ الْغَمْرِ الْعَظِيمِ، وَانْفَتَحَتْ طَاقَاتُ السَّمَاءِ ” ( التكوين، 7: 11 ). أمطرت أربعين يوماً وأربعين ليلة، وغمر الماء كل شيء. انطفأت الحياة، واستمرت المياه تتعاظم طوال مائة وخمسين يوماً. تذكر الله ” نوحاً ” حينذاك، وأوقف ” الطوفان “؛ راحت المياه تنقص بعد مائة وخمسين يوماً. وفي الشهر السابع، حطّ الفلْك على قمة جبل، وفي الشهر العاشر ظهرت قمم الجبال الأخرى. وبعد أربعين يوماً، فتح ” نوح ” الكوة، وأرسل غراباً فلم يجد مكاناً يحط فيه، ثم حمامةً عادت هي الأخرى إلى الفلك. بعد ذلك بسبعة أيام، أرسل الحمامة من جديد فعادت وفي منقارها غصن زيتون، ثم بعد سبعة أيام أخرى، أطلقها فلم تعد. وبأمر من الإله، خرج ” نوح ” وأخرج كل المخلوقات التي حملها في الفلك كي تفيض وتتكاثر في الأرض. وبنى ” نوح ” مذبحاً للرب، ” فتنسم الرب رائحة الرضا “، وقرر أن لا يهلك البشرية بعد الآن.

تستند حكاية ” الطوفان ” التوراتية إلى نماذج شرقية أقدم. أسطورة ” أتراحاسيس ” وحكاية التوراة هما الأكثر تشابهاً، في الرواية وفي التفاصيل في الوقت نفسه. سياقهما مشترك إلى حد ما، ولو أن حكاية نشأة الكون التوراتية غير موجودة في حكاية ” أتراحاسيس “، التي لا تقدم سوى تكوينٍ genèse يتعلق بالبشر. في الواقع، في الحالتين، تنتمي حكاية الكارثة إلى ميثولوجيا أوسع، متعلقة بالأصول. وإذا كانت فكرة عودة عنصر الماء موجودة في العديد من الحضارات، فإن تحكُّم الإله أو الآلهة به، القادرين في الوقت نفسه على احتوائه أو على نشره، هو نقطة مشتركة بين اللاهوت التوراتي والشرقي.

عند قراءة هذه النصوص وتقارُباتها، تبرز أسئلة كثيرة، لاسيما السؤال حول معرفة لماذا كان يجب أن يعقب خلقَ الإنسان خلقٌ جديد يفرض على الشرط البشري قيوداً لم تكن موجودة في الأصل ولكن التي تُفسَّر من خلال موقف البشرية نفسه، العاجزة عن أن لا تبلبل نظام الكون بكثرة عددها، وضوضائها، وصراعها، وخطاياها. وفي مجمل هذه النصوص، يبدو أن تقييد البشر، على شكل وفيات وخضوع للمحن الإلهية، يجب أن يتعين بعد عصر فردوسي، كانت الحياة فيه مديدةً. تبيِّنُ ” اللائحة الملكية السومرية “، التي هي بنيان مختلف في نسقه عن الحكايات السببية للتوراة أو الشرق القديم، ولكن التي تنطوي، في نسختها الحديثة، على واقعة ” الطوفان “، ضرورةَ تقييد الحياة البشرية هذه بشكل واضح. يقدم المقطع ما قبل الطوفاني سلالاتِ ملوك ذوي مدد حكْم مفرطة الطول، بينما يقلص المقطع ما بعد الطوفاني هذه المدد؛ يقيم ” الطوفان ” قطيعةً بين عصرين للبشرية، التي تبلغ في مرحلتها الثانية شرطَها النهائي.

الكارثة المفروضة لوسم هذا الانتقال من الأزمنة القديمة جداً والفردوسية إلى الأزمنة التاريخية هي عودة إلى اللا تمايز، من خلال رجوعٍ لعنصر الماء. في التوراة، يجيد الإله تدبير عمليات الفصل التي تُمايِز بين الأشياء ويعيِّنُها، غير أنه يجيد، كما آلهة الشرق القديم، القيام برجوعٍ إلى الوراء نحو عماء الأصول. وبالتوازي مع هذه الإرادة التدميرية، تُبرز هذه النصوص جميعها شخصيةً وأسرتَها تخرج بسلام من هذه الإرادة. يحذَّر، فيلتجئ إلى مركب مع أفراد من الأنواع التي تعيش على الأرض. جاء تحذير ” أوتانابشتيم ” من ” إيا “، الذي نصحه بصنع الفلْك. وحذر الإله ” نوحاً ” بأن عليه أن يبني ” فُلكاً “، وفي الحالتين، التوجيهات الإلهية مفصَّلة: كيفية بناء السفينة، وما هي أبعادها. يحدث ” الطوفان “، ويستمر سبعة أيام في حكاية ” أوتانابشتيم ” وأربعين يوماً في التوراة. انحسار الماء يعلنه طيرانُ غرابٍ، ثم حمامة؛ ويستخدم ” أوتانابشتيم ” أيضاً سنونوة. يرسو الباقيان على قيد الحياة عند قمة جبل ويقدمان قرباناً يستدعي الرحمة الإلهية.

يختلف مضمون الحكاية التي يقدمها سفر ” التكوين ” وأساطير الشرق القديمة عن تلك التي تعرضها ” ملحمة جلجامش “. حكاية ” الطوفان ” في هذا المثال الأخير غير مستخدمة إلا في شرح الطابع الاستثنائي لخلود فردٍ ما، وبالمقابل تعذُّر أن يبلغه إنسانٌ عادي، ولو كان ملكاً لإحدى المدن الرمزية للملَكية. تقدم التوراة ” طوفاناً ” يسجَّل في سياق آخر مختلف ينطوي على شبه كبير بنص ” أتراحاسيس “. يركز كلاهما على تقليدٍ يشرح الواجبات المسبقة اللازمة للحياة المستمرة على الأرض، ويصفان كلاهما أيضاً حالةً يمكن فيها وضع نهاية لـ “الخلق”. في حكاية ” أتراحاسيس”، أدى ضوضاء البشر التي لا تهدأ، والذين ازداد عددهم أكثر مما ينبغي، إلى القطيعة، حيث تشير إلى المشكلات التي تنجم عن وجود كثافة سكانية زائدة كثيراً. إن كان على الشرق القديم أن يختبر هذه المسائل وأن يلجأ إلى بعض الطرق للحد من تكاثر السكان، فإن التوراة من جانبها لا تلجأ إلى الشيء نفسه، على العكس. أمر الإله ” نوحاً ” وأهل بيته أن يتكاثروا ويتعددوا. يمكن أن يكون هذا الوضع آتياً من إرادة جلية من جانب محرري التوراة في أن يتمايزوا بأنفسهم، لصالحهم، عن التقاليد القديمة التي تشرح المحنةَ الإلهية، غير أن المحنة قد أُبقيت في ما يتيح التعبير عن قدرة الإله الكلية وإعادة النظر المحتملة في ” الخلق “. ضعف البشرية، في سفر ” التكوين “، وربما الزيجات الفاسدة، هي سبب الهلاك. تم التشديد على الخطيئة، وهو ما اقتضى رداً إلهياً: إعادة خلق سلالة أخرى وتزويدها بالشرائع، التي تضمن لها عدم التعرض للإزالة مرة أخرى.

يكمن الاختلاف الأساسي في مفهوم الإلهي. ففي التوراة، يقتضي إطار المفهوم التوحيدي أن يكون الإله هو الذي ينبغي في الوقت نفسه أن ينذر بعقاب ” الطوفان ” والحفاظ على فكرة لزوم نجاة أفراد يمثّلون كل نوع، مما يجعل قراءة حكاية ” الطوفان ” معقدة: يقرر الإله أن يعاقب، وينجي، ثم أن لا يعود أبداً للإهلاك. يتيح تعدد الآلهة في الأساطير الشرقية العمل بشكل مختلف، ويفسح رهان المحنة وحماية أفراد من الأنواع لصراع فكري بين الآلهة. تتسجل لعبة التضاد هذه في أحد تيارات الشرق القديم الأدبية، حيث يتجابه شخصان يمثلان واقعين أو أسلوبين من التفكير، فيُظهرا حججهما، إلى أن يتدخل الحكم الإلهي النهائي. يتصالح ” إنليل ” في نهاية ” الطوفان ” مع البشر، ويعتزم الإله أن لا يهلك البشرية بعد ذلك. يفوز ” أوتانابشتيم ” بالخلود، ويبارَك ” نوح “، وستملأ ذريته الأرض، طريقة الانتقال الأبدية إلى النسل.

التعاقب التالي قائم في نصوص التوراة كما في نصوص الشرق القديم: خلْق – مشكلة – طوفان – حلّ. كان محررو التوراة قد اقتبسوا حتماً هذا المخطط من تقاليد الشرق القديم من أجل إيضاح اللاهوت الأساسي لـ ” الإسرائيليين “: القدرة الإلهية الكلية، وقداسة الحياة البشرية، وضرورة الشرائع الآتية من الإله لتوجيه شعبه. في الحالتين، الماء هو العنصر الذي يتيح الرجوع إلى اللا مُتمايز. ربما أمكنه في الشرق القديم أن يشير إلى تلك الممارسة القديمة التي قامت على حكم الماء أو الحكم الإلهي ordalie ، حيث كانوا يرمون المذنب المظنون في النهر، حين يتعذر إصدار حكم بحقه، فيقرِّر إن كان مذنباً، بأن يعيده الماء إلى الضفة أو أن يبتلعه. وفي حالة التوراة، يبدو أن الماء كان قد اختير لغسل خطيئة البشرية، غير أن مثل مبدأ الماء هذا، الذي ينصف ويحسم في من عليه أن يطهره من كل خطيئة، سواء كان ذلك هو ” زيوسودرا “، أم ” أتراحاسيس “، أم ” أوتانابشتيم ” أم ” نوح “، ليس بعيداً كثيراً عن مبدأ الحكم بالماء / الحكم الإلهي. البشرية في جميع حكايات ” الطوفان ” الشرقية هذه تنتهي على الضفة.

كيف نفسر هذا التشابه بين النصوص التوراتية ونصوص التقاليد الشرقية؟ هل يرتكز النص التوراتي إلى معرفة بالكتابات الرافدينية السابقة، التي يمكن أن تكون قد اقتُبست قبل النفي وفي أثنائه؟ هل اقتُبست النصوص الرافدينية من ” العبرانيين “؟ هل تنحدر النسخ الرافدينية والعبرانية من جد مشترك ربما كان قد وجد عند منعطف الألفيتين الثالثة والثانية، إذ لا يتوفر لدينا ذكر لمثل هذه المحنة في النصوص السومرية السابقة؟ هناك رد وحيد يمكن أن نورده اليوم على كل هذه الأسئلة: لا يمكن من الناحية الكرونولوجية أن تكون النسخ الرافدينية منحدرة من حكاية عبرانية. وفي الحالة الراهنة من المعارف، تبقى الأسئلة الأخرى في ميدان التخمين.

{{حكْم الماء

مبدأ الحكم الإلهي

في قانون حمورابي}}

في التقاليد الشرقية القديمة، حين لا توجد إمكانية لإصدار حكم، لعدم وجود إثباتات، كان من الشائع في ” بلاد الرافدين ” عندئذ عندئذ أن يوكلوا القرار للماء، ” النهر “. يكرر ” قانون حمورابي ” نفسه ذلك حيث يذكر هذه الممارسة منذ المادة الثانية من القانون: ” إذا اتهم أحدهم رجلاً بأنه يمارس طرقاً سحرية، لكنه لم يستطع إثبات ذلك، فإن على من نسبت إليه أعمال السحر أن يذهب إلى النهر؛ يغوص في النهر. إذا تغلب عليه النهر، فإن من اتهمه يأخذ بيتَه. وإذا طهر النهر هذا الرجلَ وخرج منه سالماً معافى، فإن ذاك الذي اتهمه بممارسة الطرق السحرية يُقتل؛ ويأخذ ذاك الذي غاص في النهر بيتَ من اتهمه “.

{{هل وُجد الطوفان؟}}

يمكن، فيما يخص ” اللائحة الملكية السومرية “، أن يكون لإدخال مقطع ما قبل طوفاني وبالتالي إقحام المحنة في مجرى التاريخ بواعث أيديولوجية. في الواقع، أمكن لملوك عصر هذه الإضافة أن يسعوا إلى إسناد سلطتهم إلى متتالية طويلة تضفي عليها الشرعية، يدمجون فيها زمنَهم، التاريخي، وزمنَ عصرٍ مجيد وأسطوري كان الحكم ( الإدارة والسلطة ) ينتقل خلاله من مدينة إلى أخرى بين أيدي شخصيات أسلافٍ ذوي مُدد حكم أسطورية. وعلى العكس، هدفت حكايات ” الطوفان ” الأخرى، كحكاية أسطورة ” أتراحاسيس ” أو أيضاً ” ملحمة جلجامش “، إلى إيضاح الشرط البشري وتفسير حدوده وقيوده. ينفتح بذلك عصران، ومن أجل تعيين حدود هذا الزمن التاريخي وهذا الزمن الأسطوري، لجأ الرافدينيون، وتبعهم في ذلك دون شك مفكرو مدينة ” أوغاريت ” غرباً، إلى واقع قابل للرصد والملاحظة في بيئتهم المباشرة: الفيضان.

دفع اللجوء المتكرر إلى صورة الخراب الذي يحدثه الماء الكثير من الباحثين إلى محاولة العثور في هذه المواقع على آثار مثل هذه الكارثة. وأضحى البحث عن ” الطوفان ” أحد أهداف الأبحاث في بدايات القرن العشرين، وفي 16 آذار 1929، أعلن ” ل. وولي ” L. Wooley، الذي كان ينقب في ” أور ” Ur، عن أنه قد اكتشف آثارَه في أماكن مختلفة من الموقع، على شكل طبقات ثخينة من الرمال والطين. بعد ذلك بيومين، زعم ” س. لانغدون ” S. Langdon، إنه قد عثر في ” كيش ” Kish، السنة الماضية، على عدة طبقات من الرسابات الصلصالية التي تنم عن عدة مستويات فيضانية وتتطابق مع آثار الكارثة. التواريخ التي قدمها كل منهما لتأريخ هذه الطبقات الفيضانية غير متوافقة، حيث أتى تأريخ الحدث في ” أور ” مختلفاً عنه في ” كيش “، إذ أورده الأول في الألفية الرابعة والثاني في الألفية الثالثة. وفي عام 1931، ميز ” إ. شمت ” E. Schmidt، في ” شوروباك ” القديمة ( ” تل فارة ” الحالية )، المعروفة على أنها مدينة ذاك الذي سلم من ” طوفان ” ” ملحمة جلجامش “، حيث كان يجري تنقيباته، طبقاتٍ رسوبية صلصالية يعود تاريخها إلى نحو 2900، وهو تاريخ قريب من ذاك الذي كان قد ذُكر بالنسبة لمدينة ” كيش “. وزعم كل من هؤلاء الباحثين إن ” الطوفانَ ” التوراتي الوحيد ” في حيازته، ممهدين بذلك لجدال حول التواريخ الممكنة للحدث وحول المدن التي تشهد عليه.

واليوم، هنالك اتفاق آراء حول عدد من الوقائع. أولاً، بات مقبولاً أن التنقيبات لم تكشف عن وجود فيضان شامل أمكنه أن يدمر كل شيء، حيث أن غالبية المدن السومرية لا تنطوي على آثار منه. فضلاً عن ذلك، لا يوجد انقطاع ثقافي بين الفترات ما قبل التاريخية والفترات التاريخية. أخيراً، إن الطبقات الرسابية الصلصالية التي تم التعرف عليها في بعض المناطق الرافدينية، مثل ” أور “، و”كيش”، و”فارة ” Fara، هي تلك التي تركتها فيضانات نهري “دجلة” و”الفرات”. في الواقع، حدثت فيضانات استثنائية في كل عصور التاريخ الرافديني، مثلما تثبته أسماء سنوات بعض الملوك، مثل ” إبي – سين ” Ibbi – Sîn ملك ” أور ” و”حمورابي” ملك “بابل”، الذين اتخذوها مستنداً مرجعياً. تركت هذه الكوارث آثارها في ذاكرات السكان المحليين وحياتهم، إلى حدّ اكتسابها مغزى ضمن إطار ميثولوجيا تفسيرية، متعلقة بالمسائل الكبرى لأصول البشرية ووضعها. وهكذا، فإن أسطورة “الطوفان” استلهمت من هذه الظاهرة المتكررة في “بلاد الرافدين”، ومن مرجعيةٍ إلى الماء كحكَم أعلى على الأرجح.

وعرض عدد من الباحثين، مثل عالم السومريات ” و. هالو ” W. Hallo، قراءة الحدث كمجاز يمكن أن يكون قد استخدم لإيضاح تدخُّل الجماعات السكانية الأمورية في “بلاد الرافدين” مع نهاية إمبراطورية “أور”، الذين أفنوا، كدفق السيل، كلَّ شيء ممهدين لعصر سياسي وثقافي جديد. وقدم هؤلاء الباحثون كدليل على ذلك، مستندين إلى فرضيتهم، المجاورةَ اللفظية لاسم تلك الجماعات السكانية، ” أمورو ” amurru، والكلمة السومرية ” أمارو ” amaru، التي تعني “الطوفان”. لقد جرى ربط الموجات البشرية المتدفقة بطول مسالك الأنهر باتجاه الجنوب بالموجات المدمرة لنهري “دجلة” و”الفرات”. أخيراً، قدم عدد من الجغرافيين فرضيات أخرى. وحسب رأي ” ب. سنلافيل ” P. Sanlaville، فإنه إذْ كان مستوى مياه الخليج العربي قد ارتفع منذ نهاية العصر الجليدي، فقد بلغ الطغيان البحري أوجَه نحو بداية الألفية الرابعة، وأفضى تراجع الجليد الشامل إلى رفع مستوى الماء مائة متر على الأقل في غضون بضعة أجيال. كانت المدن الرافدينية الجنوبية، مثل “أور” و”أرك” تقع آنذاك على شاطئ بحري. جعلت هذه الظاهرة، العنيفة والمفاجئة نسبياً، جريان ماء الأنهار صعباً، مما جعل الفيضانات الربيعية شاملة. وحسب رأي الجغرافيين، قد تكون حدثت، إضافة إلى هذه الظواهر المناخية، موجات من المد العالي جداً، فخربت قرى وحقولاً. إن هذا التحول العميق في البيئة، في جانبه المدمر وإجباره السكان على غزو أراض أخرى وإعمارها، هو الذي ترك آثاره في الوعي الجماعي، فعبر عنه فيما بعد في أساطيره الشارحة للأسباب. بعد هذه الأعمال، وفي العام 1997، أطلق جغرافيون آخرون، اختصاصيون في المناخ، بينهم ” و. رايان ” W. Rayan و ” و. بيتمان ” W. Pitman فرضية جديدة، استناداً إلى تأريخ أقدم أصداف الماء المالح التي عثر عليها في ” البحر الأسود “. حسب رأيهم، ربما يكون “البحر الأسود” قد امتلأ فجأة نحو 5000 قبل الميلاد، حيث أن مستوى “البحر الأبيض المتوسط” كان قد ارتفع منذ نهاية التجلُّد الأخير، فانهار الحاجز الذي كان يشكله “البوسفور” تحت الضغط وصرف مياه “البحر الأبيض المتوسط ” الزائدة باتجاه المنطقة التي يغطيها “البحر الأسود” حالياً. وأطلق تصدع “البوسفور” موجاتٍ عملاقة من المياه خربت كل الأماكن التي شغلها البشر. وتجري اليوم أبحاث آثارية تحت مائية في “البحر الأسود” في محاولة للتثبت من صحة هذه الفرضية. وفي العام 2001، عثر على بنية سكنية من العصر الحجري الحديث ربما يعود تاريخها إلى 5000 سنة قبل الميلاد، وقد غمرتها مياه البحر تماماً. وإذا تبينت صحة فرضية انفتاح “البوسفور” الفجائية، فلا بدّ حينذاك من الإقرار بأن الحدث المدمر قد ذاع فيما بعد شفهياً إلى أن تم تكييفه ضمن إطار حكايات سببية، وعبرت عنه التوراة في عبارة “انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم”.

{{الطوفان،

أسطورة شمولية}}

سادت فكرة حدوث “طوفان” شامل في العديد من الحضارات في العالم. يرى بعضها أننا نعرف مجرى التاريخ من خلاله، وترى أخرى أننا نعرف وحسب حكاية ” طوفان ” قد وقع وأن معظم البشر قد هلكوا فيه. وإن أحصينا الحكايات المعروفة فحسب، لأدهشنا التناثر الجغرافي الكبير الذي سرت فيه حكاية كارثة كهذه، إذ تمتد من أوربا إلى الشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا، وأستراليا، وجزر المحيط الهادئ، وأمريكا الشمالية، وأمريكا الوسطى، وحتى أمريكا الجنوبية… . ونحصي منها إجمالاً إحدى عشرة في أوربا ( اليونان، وروما، واسكندنافيا، وجرمانيا، والعالم السلتي )، وتسعاً في الشرق الأوسط، بما فيها الحكايات المصرية، والرافدينية، سومرية كانت أم بابلية، والحكاية التوراتية، والحكاية الإسلامية، وسبع عشرة في أفريقيا، وخمساً وخمسين في آسيا، ونحو سبع عشرة في أستراليا، ونحو ثلاث وثمانين في أمريكا الشمالية، وأربعاً وعشرين في آسيا الوسطى، ونحو ثلاث وثلاثين في أمريكا الجنوبية… . وإذا استبعدنا التنويهات التي تتحدث عن وجود حكاية ” طوفان ” ولم نأخذ بالحسبان سوى تلك التي مجرى أحداثها معروف لعثرنا على 266 تأكيداً حول حدوث “طوفان” على شكل فيضان هائل أفنى البشرية كلها والمخلوقات، باستثناء بعض الناجين الذين عادوا وأعمروا الأرض. يتدخل ” الطوفان ” ضمن سياقات متباينة جداً، غير أنه يضع في جميع الحالات قطيعة مع زمن سابق وترسم هذه القطيعة بداية أو بداية جديدة حقيقية. هنالك دائماً باقون على قيد الحياة، طفلان غالباً، ويضمن استمرارُ حياتهم بالتناسل ظهور شعوب أخرى، هي شعوب المنطقة التي تطورت فيها الحكاية وانتقلت.

إحدى الحكايات الأقرب إلى تلك المعروفة في الشرق القديم والتوراة هي حكاية إغريقية. ” الطوفان ” هنا قرره ” زيوس ” بهدف إبادة الجنس البشري . بنى “دوكاليون” Deucalion، ملك ” بتيا “، بعد تحذير من والده ” بروميثيوس “، فُلكاً. غرق العالم، لكن الفلك عام تسعة أيام ثم رسا على قمة جبل يتباين موضعه وفقاً للمؤلفين: جبل ” برناس ” ( ” برناسوس ” )، و”إتنا”، و”آتوس” أو أيضاً جبل “أوتريسوس” في “ثيساليا”Thessalie. وعندما نزل أهل الفلك منه، قدموا قرابين إلى “زيوس “.

{{المصدر: De Sumer À Canaan , L`Orient ancien et la Bible

المؤلفة: Sophie Cluzan

الدار الناشرة: Seuil / Musée du Louvre, octobre 2005

الصفحات: 130 – 143}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق