حكاية الفيلة البيض

القصص التي نقرأها ونحن صغار، بعضها يترك فينا أثرا أكبر من غيرها، مثل حكايات “بيتر بان” و”بينوكيو”.

أسطورة الفيلة البيض، التي قد تكون حقيقة، كانت واحدة من هذه الحكايات التي انطبعت في ذاكرتي. فهي تروي سرّ تلك الحيوانات النّادرة التي كانت، كلّما شعرت باقتراب نهايتها، تشرع في رحلة طويلة عبر الأدغال لتبلغ مقبرة الفيلة، على سفح جبل ناء، فتنتظر، ثمّة، موتها. ويغمرني أنا شعور بطعم الحزن.

واليوم ينتابني مثل ذلك الشّعور القادم من زمن طفولتي.

كنت راجعا من مأتم دفن رجل لم أعرفه من قبل.

والمراسم تمّت داخل مستودع كبير، في قاع نهج صغير، بقلب العاصمة. بدا لي أنّ المكان يكاد يعتذر عن وجوده في مثل هذا الموقع.

كانت الطّقوس تقام بلغة لا أفقه منها شيئا.

وحده الموت وبعض وجوه الصّحاب لم يكونوا غريبين عنّي… وكذلك وقع صوت “الحاخام” الذي ما انفكّ يذكّرني بإلحاح… وبشيء من الارتباك… بمقرئينا وهم يرتّلون القرآن ترحّما على أمواتنا.

لم يكن النّغم غريبا على أذنيّ، ولا وقع اللّغة بعيدا على ما تعوّدت سماعه، رغم أنّ الكلام كان أعجميّا.

همستُ في أذن صديقتي عائشة لأسألها عن سرٍّ كنت أعلم عمقه التاريخي ولا أعرف مداه :” من أين يأتي هذا الصّوت ؟” بدت لي في مثل اضطرابي إن لم يكن أكثر. كان جوابها قصيرا. قالت بمسحة من الحزن اليائس : ” من ثلاثة آلاف سنة من الوجود في هذي البلاد !”.

“روني شيش” عاش طيّبا وعادلا. هكذا تحدّث عنه “الحاخام” وهو يؤبّنه. وقال أنّه أعطى الكثير من حياته لطائفته التي كان رئيسا لها منذ 1985، وأنّه تميّز بعملين بارزين في حياته : إعادة تهيئة مأوى العجّز اليهود (الواقع في ضاحية حلق الوادي، حسب ما فهمت)، و تجديد مقبرة “بورجل” الخاصّة بهم.

ولا أعتقد أنّ الحاخام كان واعيا تماما بأنّه يختزل في هاتين الدّلالتين تاريخا قديما لقوم حطّوا الرّحال في أرض إفريقية قبل مجيء الفينيقيين إليها، إن ثَبُتَ الحساب.

ما الّذي تبقّى اليوم لهذه “الجالية”، وهي إلى خيال جالية أقرب، سوى كتابة وقائع نهايتها المعلنة : تهيئة المكان الذي سيأتونه في انتظار موتة هانئة (مأوى العجّز)، وتجديد المقبرة لتظلّ آخر شاهد على مرورهم بهذه الأرض ؟

صديقي رشيد الواقف قبالتي، كانت تبدو عليه، هو الآخر، علامات التّأثّر وهو يتصفّح وجوه العجائز والعجوزات، ولا يدري إن كانوا يحملون الحداد على ميّتهم أو على موتهم القادم.

تبادلنا حديثا بعد رفع الجثمان : أتكون بلادنا بصدد فقدان يهودها إلى الأبد ؟ وهل فينا من يقيس بُعْدَ المأساة ؟

“روني شيش” لم نعرفه شخصيّا لكنّنا كنّا بالمقابل نعرف جيّدا زوجته وبناته “جان” و”مارتين” و”فرانسين” منذ عشرات السّنين.

كانت مدام “شيش” تزورنا في سجن برج الرّومي، ذاك المكان الآخر المشيّد قربانا للنّسيان وفقدان الذّاكرة.

عرفناها من خلال “البارلوار” (غرفة الزّيارة) وهي تأتي لزيارة “بابي” (جلبار نقّاش) محمّلة بقفاف أثقل من زنابيل الجمال. كان فيها ما يكفي لسدّ رمق القبيلة بأكملها.

عندما وقع عليها نظر الهاشمي، أحد قدماء البرج، وهي مستندة إلى إحدى بناتها قال : إنّها ملكة الطبّاخات، فطعم أطباقها سيظلّ عالقا في ذاكرة المساجين، إلى الأبد !

والدتي عرفتها أيضا وتكوّنت بينهما صداقة نادرة كتلك التي تنشأ بين عائلات المساجين. حكت لي أنّ مدام “شيش” عندما تتحدّث عنّا كانت لا تسمّينا سوى “لولاد” (الأولاد) كما لو كنّا جميعا أبناؤها.

كان الزّمن وقتها زمن اعتزاز اليسار بيهوده وبأصدقائه الفرنسيين، زمنا لم ينس فيه ما قدّموه إلى الفكر التّقدّمي. فيهم، من أسّسوا للحزب الشيوعي التّونسي، ومن هؤلاء أساتذة لمسنا فيهم من أفضل من تعلّمنا عليه في المعاهد والكليّات وأفضل من فتح أذهاننا. وهو أيضا زمن بدأت تلوح فيه بوادر الخجل والخشية من تحمّل وجودهم في صفوفنا، لأسباب في الهويّة فتحت فينا ثقب الشّرق.

فما كاد الحزب الشيوعي التّونسي ينتهي من التّكفير عن ذنب الأممية البروليتارية التي حملها لعنة في تقديمها على القضية الوطنية، وما كاد يقدّم شواهد الإخلاص للوطن بتنظيف صفوفه من جميع ما قد يرمز إلى ما هو “غير تونسيّ” بما في ذلك اليهود، حتّى سارع اليسار الماركسي إلى تعديل ساعته على زمن العروبة كتكفير آخر على انخراطه في الكونية الثّورية التي تقف فيها الثورة الفيتنامية على قدم المساواة مع الثّورة الفلسطينية، والحال أنّ في فلسطين قدس محمّلة المعاني قداسة، وعروبة…وهويّة، فكيف للشيئين أن يستويا ؟

في الأثناء، كانت مدام “شيش” تواصل مدّنا بقفافها وأطباقها الشّهيّة، وظلّت بناتها يواصلن المعركة إلى جانب القوى الدّيموقراطية، من أجل إطلاق سراحنا.

كان الفقيد، نور الدّين بن خضر، من القلائل الحريصين على إبقاء هذه الصّداقة حيّة في ذاكرتنا، لأنّها صداقة إنسانية ونضالية ومدنيّة مع رفاق، وأبناء وطن، وأصدقاء وجدناهم في زمن صعب.

فقد أبى، أشهرا قليلة قبل وفاته، سوى أن يشهد لهم باعترافه لهم بما قدّموه، وما مثّلوه. كانت المناسبة لقاءً في مؤسسة التميمي بزغوان حول تاريخ “تجمّع العمل والدّراسات الاشتراكي التونسي” المعروف بـ”برسبكتيف”. طفحت في عينيه الدّموع وهو يُذكِّر بأسماء غمرها النّسيان : عائلات “شيش”، و”النقّاش”، و”للّوش”، و”بسّيس”…

في هذا اليوم الأحد 20 نوفمبر 2005 ، رافَقَتْ، مدام “شيش” وبناتها، “روني” إلى مثواه الأخير الكائن بمقبرة “بورجل”. هذا المكان الّذي أصرّ “روني” في حياته على الحفاظ عليه من التّلف، لئلاّ تمّحي ذاكرة وجود يُؤَرَّخ بالقرون على أرض إفريقية. هذه الأرض التي جاءها التّاريخ حاملا حروبا ومعارك وُلدت في غير هذا المكان، داخل شرق تشهد له عبقريّته بتوليد ثلاث ديانات كبرى في متر مربّع واحد، ولم يهتد أهله، كما قال صديقي جلال، إلى التّوافق على جعلها واحدة تجمع بينهم، على الصّورة التي تجتمع فيها طقوسهم الجنائزية، وتتشابه فيها، إلى حدّ الاشتباه، أناشيد الموت وتوديع الحياة.

{{الأحد 20 نوفمبر 2005}}

{{من كتاب لم ينشر بعد :}}

{{أوراق من دفاتر اليسار في الزمن البورقيبي}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق