حكمة المونديال / عمار على حسن

يتصور المتعجلون أن أبرز ما سيذكر لمونديال جنوب أفريقيا أن قوة عظمى جديدة لعالم كرة القدم قد بزغ نجمها، اتكاء على أن الفريق الذى حاز الكأس الغالية، جديد على هذا التتويج، لكن الراسخين فى المعرفة، والذين ينظرون إلى ما خلف الكرة التى تتقاذفها الأرجل وتضربها الرؤوس، سيقولون إنه كان المونديال الذى غابت فيه العنصرية، وذابت الهويات، وحضر الدين عند الجميع، وطفت الأساطير على السطح فى زمن يكتسح فيه العلم ويهندس كرة القدم ذاتها.

ولا أعنى بذلك وصف اللافتة الطويلة التى كان اللاعبون يحملونها قبل انطلاق المبارة والتى تنطوى على عبارة واحدة هى: say no to racism بل أذهب مباشرة إلى لون بشرة لاعبى الفرق الأوروبية، والإيماءات والإشارات والطقوس والحركات التى يفعلها كل اللاعبين فى مختلف أوقات المباريات، لاسيما عند التبديل وإحراز الأهداف ولحظات الندم على ضياع الفرص السهلة.

فحتى العقد الثامن من القرن العشرين كان لون بشرة أغلب لاعبى المنتخبات الأوروبية المتنافسة فى المونديال أبيض يتشرب حمرة، وكانت وجوههم اللامعة يتفصد عليها عرق ينسكب من رؤوس تكسوها شعور شقراء وكستنائية تهفهف مع جريانهم المتصل وتتلاعب بها النسائم التى تهب على الملاعب أثناء المباريات. أما اليوم فنجد اللاعبين أصحاب البشرة السمراء باتوا يشكلون أغلب الفريق الفرنسى، وعددا كبيرا من المنتخب الهولندى، وهما المنتخبان السابقان فى صناعة الخليط بين الأعراق والألوان الإنسانية، إلى جانب المنتخب الإنجليزى العريق.

فى السابق لم يكن لاعب مثل إيزبيو، نجم المنتخب البرتغالى، إلا مجرد ابن مستعمرة برتغالية وهى موزمبيق، تم توظيفه من قبل المستعمر (بفتح التاء والميم) مثلما كان البرتغاليون والإسبان يوظفون العبيد فى فلاحة أراضى أمريكا الجنوبية وقت اكتشافها. اليوم نجد الألمان، الذين طالما نعتهم العالم بالتعصب الشديد لبلدهم وعرقهم «الجرمانى» ودمهم «الأزرق» يقبلون وجود ثلاثة لاعبين سمر فى صفوف منتخبهم من أصول أفريقية ولاتينية، ورابع يحمل اسما عربيا وهو «سامى خضيرة» وخامس مسلم من أصول تركية وهو «أوزال».

إنها العولمة التى تمت ترجمتها فى كرة القدم عبر نظام «الاحتراف»، وإنها حاجة القارة العجوز المتراجعة ديمجرافيا، الماسة إلى مدد بشرى من خلف البحار، وهى أيضا النتائج البارزة للتعاليم والدساتير والمواثيق والقوانين والمعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات والقواعد العامة التى ترمى إلى تقويض التعصب وترسيخ ثقافة الإيمان بـ«الإرث البشرى المشترك» ووحدة «الأصل الإنسانى» و«شجرة المعرفة» التى ساهم الناس جميعا فى صناعتها و«المواطن العالمى» الذى له حقوق فى كل مكان، تتعدى ما يترتب على الحيز الجغرافى الضيق، وعلى المقتضيات التقليدية لمفهوم السيادة.

لكن العولمة لم تجرف «الدولة» بوصفها الحيز الجغرافى والتاريخى والسياسى والمعنوى لكل مجموعة بشرية، بغض النظر عن تنوعها فى العرق والدين والثقافة. فلاعبو كل منتخب، على اختلاف مشاربهم، كانوا يذوبون لحظة عزف موسيقى النشيد الوطنى لبلدهم، يصدحون ويتمتمون ويغمضون عيونهم فى تأثر شديد، وحين يطلق الحكم صافرة البداية يندفعون بكل ما أوتوا من قوة فى سبيل الفوز، ليظل علم بلدهم يرفرف خفاقا فى سماء الملاعب الجنوب أفريقية وعلى الشاشات الزرقاء فى كل البيوت. ومع هذا فإن الدولة لم تجب الانتماء الأوسع، كأن يتكلم الأوروبيون عن حصدهم المراكز الثلاثة الأولى، ويعض اللاتينيون أصابع الندم على خروجهم من المنافسة الجبارة بخفى حنين، تاركين منتخب أوراجواى يقاتل حتى اللحظة الأخيرة فى سبيل أن تحافظ الكرة اللاتينية على تفوقها وروعتها.

وفى غمار هذا الانتماء الوطنى كانت المشاعر الدينية حاضرة، يرفع لاعبو الجزائر أياديهم إلى السماء ويقرأ بعضهم الفاتحة، ويرفع كريستيانو رونالدو إصبعا من كل يد إلى أعلى محملقا فى الفضاء طالبا العون الإلهى قبل مباراة البرتغال مع جارتها إسبانيا، ويرسم هذا علامة الصليب على صدره، ويرفع ذاك وجهه إلى العلا ممتنا بعد أن تمكن من إحراز هدف فى مرمى المنافس، وكان يمكن للمشهد أن يكتمل لو شارك فى السباق منتخب «الساجدين». لكن حضور الدين هنا ليس للتباغض والتصارع والتعصب، كما يجرى فى جوانب شتى من مجالات الحياة الاجتماعية، إنما بحثا عن الشحنة الإيمانية التى تشحذ الهمم وتعزز الطاقات وتثبت الأقدام وتبعد القنوط. كل يصلى بطريقته، وكل يفهم الآخر ويدرك ما يفعله ويتسامح ويتعايش معه، بغير نبذ ولا زجر ولا هجر.

لكن حضور العلم والدين والسياسة، لم يمنع الأسطورة من أن تفرض نفسها، متجسدة فى الأخطبوط الألمانى «بول» الذى صدقت كل توقعاته بشأن المانشافت، فبعض القيّمين على حوض مائى بحديقة للحيوانات البحرية فى مدينة أوبرهاوزن الألمانية، استخدموا الأخطبوط كوسيلة تسلية ليروا قدرته على «استشعار» نتائج المباريات التى سيخوضها المنتخب الألمانى فقط، وذلك عبر وضع صندوقين من البلاستيك الشفاف مملوءين بالطعام الذى يحبه الأخطبوط فى الحوض المائى، ملصق على أحدهما علم ألمانيا وعلى الآخر علم الدولة التى ينافس منتخبها نظيره الألمانى.

 والصندوق الذى يتجه إليه الأخطبوط ويأكل منه سيكون صندوق المنتخب الذى سيفوز فى مباراة اليوم التالى. بدأت اللعبة قبل مباراة الألمان الأولى ضد أستراليا، ومن يومها لم تسقط نبوءة هذا الكائن البحرى العجيب الذى تصفه الأبحاث العلمية بأنه محدود الذكاء، بينما تهاوت توقعات وترجيحات معظم خبراء كرة القدم فى العالم.

صدفة هى أم خرافة، لا يهم، فالأهم هو أن تقدم أوروبا العلمى لم يمنع أهلها من اللجوء إلى الأساطير، إذ لا يوجد شعب بلا أسطورة، لكن الأسطورة التى تسحر الجميع دوما هى كرة القدم ذاتها، ففيها وبقية الألعاب الرياضية ووقت الثورات السياسية الجارفة، يمكن للضعفاء أن يهزموا الأقوياء، ويتحقق قدر من العدل لا يتوافر فى تفاعلات الحياة العادية التى تسير بخطى مذهلة نحو التوحش.

 

عن جريدة المصري اليوم 13/7/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق