حكم «الإخوان المسلمين»: الطليعة مجدداً؟ / نهلة الشهال

هو مشهد غير مسبوق، يحمل في تفاصيله كل تناقضات الموقف الراهن وإشكالياته في البلدين اللذين بدأت منهما الانتفاضة في المنطقة. ولعل ما يجري في تونس يصلح كرسم بياني لتوضيح ما يحصل في مصر، حيث تتشابك الأمور وتظهر أنها على درجة أعلى من التعقيد. في تونس إذاً، قامت مجموعات من المنتمين إلى حزب حركة النهضة بالاعتداء بالضرب على تجمع لـ «الاتحاد العام التونسي للشغل»، انعقد للاحتفال بالذكرى الستين لرحيل أحد مؤسسيه، الزعيم الوطني والنقابي فرحات حشَّاد، يوم 5 كانون الأول (ديسمبر) 1952.

وهو كان اغتيل على يد منظمة عسكرية سرية فرنسية، «اليد الحمراء»، كانت ترتبط بالأجهزة الاستخباراتية لبلدها حينذاك، وتعمل لمصلحة استمرار استعمار فرنسا بلدانَ «شمال أفريقيا»، تحديداً الجزائر وتونس والمغرب. والأخطر من واقعة الاعتداء على التجمع الاحتفالي هو كلام رئيس حزب النهضة، راشد الغنوشي الذي وصف الاتحاد العام بأنه «منظمة يسارية راديكالية متطرفة» (يا للرعب!)، علماً أن عدد أعضاء الاتحاد يتجاوز نصف مليون إنسان، في بلد تعداد سكانه عشرة ملايين شخص. والاتحاد يمتلك تاريخاً نضالياً عريقاً، ضد الفرنسيين بداية، ثم ضد عسف السلطات، ويحظى بالاحترام في الوجدان العام للتونسيين عموماً، كما يتمتع بحضور دولي على المستوى النقابي. وهو بات أخيراً، في سنوات الحكم البوليسي لبن علي، إطاراً للنشاط المطلبي – الاجتماعي – السياسي، بينما كان القمع يطاول كل التنظيمات، ويجعل الوجود في الشارع مغامرة خطيرة. وهناك اعتراف عام في تونس بالدور الكبير الذي لعبه الاتحاد في ما يُرى أنه الرحم الذي ولدت منه الانتفاضة التي أطاحت بن علي قبل سنتين، أي التحركات في مدينة الرديف والحوض المنجمي عام 2008، التي استمرت على امتداد ستة أشهر، وكانت نوعاً من التمرين الكبير الذي تمت الاستفادة من خبرته ومن نواقصه في ما تلاه.

اللافت في تصريحات الغنوشي هو تجريمه للسياسة، معتبراً أن الدعوة إلى إضراب عام «عمل سياسي لا اجتماعي»، مضيفاً كذلك أن قلب التحركات المطلبية التي لم تتوقف خلال العامين الماضيين، ووصلت إلى ذروتها خلال الأيام الماضية مع تظاهرات منطقة سليانة المفقرة، في الجنوب الغربي، هو الآخر «سياسي لا اجتماعي». بل أمعن الغنوشي، فدعا إلى تفتيش كل مقار منظمات المجتمع المدني، لأنها تحوي في نظره ميليشيات وأسلحة. واعتبر الاتحاد العام للشغل «منظمة مركزية نقابية من بين سواها»، استخفافاً بها، وربما إشارة إلى نية لإنشاء تنظيمات نقابية متعددة، بحجة حرية التنظيم النقابي وبيروقراطية قيادة الاتحاد وفساده. وانتهى كلام الغنوشي إلى أن إسقاط الحكومة يتم عبر البرلمان وليس في الشارع!

وهذا كلام مستغرب من زعيم حركة سياسية لم توصلها إلى السلطة الانتخابات إلا بعد ثورة عارمة في الشارع، وها هي تنسى السياق وتعتدّ فحسب بالمحصلة: الإمساك بالسلطة. وقد برزت في تونس «لجان لحماية الثورة»، تتصرف كميليشيا تمتلك شرعية ثورية (طالما هي هنا لحماية الثورة!)، وتتولى التدخل بفظاظة لفض الاجتماعات التي لا تروق لها، أو الاشتباك معها، كما حدث بمناسبة ذلك الاحتفال، من دون أن يُحسب ذلك، رسمياً على الأقل ومباشرة، على تنظيم حركة النهضة.

أما في مصر، فخطّط الرئيس مرسي بعناية لخطوته المتمحورة حول تشديد الإطباق على السلطة بأسرع ما يمكن. بدأ الأمر بتنظيم شَطْر البلد إلى قسمين متصارعين، وهو تخلٍّ أول عن فكرة أساسية لأي مرحلة انتقالية، أعني السعي إلى بلورة توافقات وطنية عامة، تناهض فكرة الانقسام، وإلى حصر الخلاف والصراع عند وقوعهما (كأمر طبيعي) بذلك الهدف، أي باستخلاص التوافقات. وهو لا يتم من دون درجة عالية من الابتعاد عن الفرْض وتغليب الحوار المسبق، الفعلي والمديد والصبور، الكفيل وحده بإنضاج شروط الوقوع على مثل تلك التفاهمات. مقابل ذلك، ظن الرئيس مرسي أن بإمكانه فرض موقفه في لحظة قوة سنحت له، بعد الدور الذي لعبه في التوصل إلى تسوية في شأن العدوان على غزة، والاعتراف الدولي بذلك الدور. وهو ما يشي بمنطق الغلَبة التي سرعان ما تُمارَس لو أتيحت لها ظروف نجاحها.

أنزل «الإخوان» جماهيرهم إلى الشارع، محاطة بمجموعات قامت بضرب المحتجين وبتفكيك خيام اعتصامهم بالقوة. ويبدو أنهم هم أيضاً يدرسون تشكيل «لجان لحماية الثورة» بالاتفاق مع التنظيمات الأخرى الإسلامية. إن القانون المطبق هنا يتعلق بالقوة، فقط وحصراً، من دون اعتبار لأي شروط أخرى، في مكان انقلب لتوه على سلطة قديمة راسخة وأخطبوطية. وفي خطاب منتظر بشدة، ردد مرسي أن التمرد عليه من فعل مخربين ومندسين يريدون الفتك بالبلد، بل إنه سيجلبهم للمحاكمة. وحدد الخطوط الحمر للممنوعات، مضمناً إياها «عرقلة السير»! واعتدَّ بواجباته كرئيس (أليس انتقالياً؟) لتبرير حزمه، واعتماده السرعة في إقرار الإجراءات التي يطرحها، معتبراً ذلك دفاعاً عن «سيادة مصر»، مستدعياً المعارضة إلى حوار، عيَّن موعده بنفسه، لا يشمل إعادة النظر بما قرر. يحدث ذلك بعد أيام عدة على التمرد العام، وتجمع مئات الآلاف في شوارع مصر احتجاجاً على إعلاناته، وسقوط ضحايا كثيرة، وتطويق مقر الرئاسة، وإطلاق مجمع البحوث في الأزهر نداء يدعو إلى التعقل والتراجع عن الإعلان الدستوري والإجراءات التي مهدت له، وتلك التي أعقبته.

لا يوجد في كل هذه العملية سوى عنوان وحيد، هو السلطة. لكن الإمساك بالسلطة ليس تهمة بذاته، فهي في نهاية المطاف هدف أي مجموعة سياسية. بل الأمر يتعلق بنقطتين: أن الجاري هنا، وفي هذا السياق، يكرر آليات اشتغال النظام القديم وحججه، بل حتى تعابيره، مما يمثل شبهاً مقلقاً به، ومثيراً لإحباط الذين تمردوا عليه. أما النقطة الثانية فتعود إلى سؤال «السلطة من أجل ماذا ومَنْ؟»، مثيرة هنا أيضاً طرح المعادلة الأبدية عن تلك «الطليعة» التي تحلّ محل الناس في تعيين حاجاتهم، وتعرف تلك الحاجات ومصلحتهم أكثر منهم… وفي هذا لا يهمّ كثيراً المضمون الأيديولوجي، سواء نطق باسم المستغَلين (وبدلاً عنهم)، أو باسم الدين.

 

عن جريدة الحياة 10/12/2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق