حلم لوثر كينغ!

كان المارش التاريخي إلى واشنطن عام 1963، انتصارا مظفّرا لقوة السلم. آنذاك، زحف (السلفي) مارتن لوثر كينغ ومائتا ألف جلّهم من السود الأمريكيين، بغية هدم جدار التمييز العرقي، وإقرار الحقوق المدنية لذوي البشرة السمراء. حينها قال كينغ عبارته الذائعة الصيت:

I have a dream

بعد نصف قرن من “لوثر كينغ” أعاد التوانسة الكرّة، وأثبتوا أن القوة الأخلاقية للسلم، قادرة على هزيمة الطغاة. وهكذا اندفعت الشبيبة من المغرب إلى البحرين. واحتشد الملايين وأصبح ميدان التحرير، مزارا تحجّ له الناس (بمن فيهم السيدة كلينتون)

ما يجري لا يختلف عمّا جرى.. فسود أمريكا يشبهون سواد الشعوب العربية، التي ترزح تحت البطالة وفداحة الظلم وضيق مساحة الحرية وانتهاك الكرامة وانسداد الأفق، في دول مازالت تراوح عند مقولة اليساري “ت.رويتر”: “الدولة هي تطور لفكرة العصابة، والقانون لائحة رغبات يمليها الأقوياء على الضعفاء”.

قد تبدو هذه المقاربة مجحفة للبعض. ففي بلادنا لا وجود لتمييز عنصري حقيقي، بل لأعراف ضمنية تسري على السواد الأعظم وتقول “من يرفع يده على سيده تُقطع يده”. في بلادنا ما هو أسوء وأقبح من الآبارتهايد، فعندما يكون الدستور والقانون والأحزاب وأساتذة الجامعة، أقلّ منزلة من حذاء ضابط أمن، يصبح حقّ التعبير جريمة، وحقّ الحياة ترفا، والآدمي حشرة. عندها يستوي التجوّل ومنعه، وإلغاء القانون وبقاؤه.

لكن وللتاريخ، علينا أن نتذكّر بأن مارش لوثر كينغ، انطلق بمئتي ألف متظاهر، وسار في شوارع لا تمطر رصاصا، بينما جلس عشرات ملايين السود الأمريكيين على الأرائك يتابعون التلفاز.. مائتا ألف فقط؟! وانتهى الأمر.

فقوة السلم الأخلاقية، قادرة على هزيمة الطغيان، شريطة أن يمتلك الطغاة نزرا يسيرا من الضمير والوازع الأخلاقي. وهذه حقيقة مُدركة اختبرها التاريخ عندما بدأ غاندي حياكة ثيابه ونضاله السلمي ضد الإنكليز، وعرفها الناس لحظة ارتعش الشاهنشاه أمام رهبة الدم فترك الجمل بما حمل، وأخيرا شاهدها الملايين يوم (انتوى) حسني مبارك ترك “العزبة” لأصحابها.

بيد أن قوة السلم تنكفئ وتنكسر أمام طاغية نرجسي من الطراز الذي وصفه القباني بـ “ديك عصبي مجنون، يخطب كالحجاج ويمشي زهوا كالمأمون”، أو أمام استبداد يخترق المجتمع بفساد ممنهج وترويع ورعب أمنيّ.

قوة السلم تتراخى أيضا عندما تخبو قيمة الحياة تحت شعارات تعبوية تحث على الموت “ع الجنة رايحين شهداء بالملايين” فتلك مصادرة لأخلاقية السلم وقيم الحياة التي انتفض من أجلها المنتفضون، إذ إن أصل النزاع هو على الأرض ومن أجل عيش كريم وحدائق زهور تحضن العشاق ومن أجل الحرية والعدالة والجمال وليس نزاعا على أوهام وهلوسات.

وبالعكس فإن قيمة الحياة تشترط مهابة الموت، وإجلال الشهداء وإحاطتهم بالتكريم والدموع والانحناء وتطويق قبورهم بالزهور والشموع. إنها أيضا عزاء المكلومين وشفاء الجرحى وعودة السجناء..

فحالما يفقد الموت جلاله ومهابته ولا يُسمع أنين الجرحى، تتضاءل قيمة الحياة وسموّها، وهذا يفسح المجال للسلطة (بكل أشكالها اللغوية الأبوية والتعسفية) كي تترجمه لصالح هراوتها قولا وفعلا، كذا يصبح الناس فائضا بشريا وجثثا تُسحل في الطرق.

فلا تكونن مجرد جسد يصطدم بطلقات الرصاص، ولا خروفا يحزّه سكين جزار، ولا خدا يصفعه الجلاد. ولا يموتنّ أحد من أجل وهم، وإن أراد أن يكون مثالا للشجاعة والتضحية، فليكن دمه أغلى من دم قاتليه، وإن لم يستطع فليرحل وليضرب خيمة “الإكسودوس” في البرّية وليقضم الصخور ريثما ترزقه الآلهة بـ “اونوروا” أو أية وكالة غوث تجلب له الماء والطحين، فهذا أبقى لكرامته وآدميته من بلاد يُسحق فيها كالصرصار.

أخيرا وبعد التمام وبلوغ الختام، لا أجد إلا الحسرة فيا ليتني أقدر على الحلم.. وليعذرني ويسامحني أبونا لوثر كينغ، فلو كان يعرف ما أعرف عن التوحش، لترحّم على الآبارتهايد!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق