«حماس» ومفارقات «صناعة التطرف»! / مأمون الحسيني

ما عرضته حركة «حماس» من ذرائع وحيثيات تبرر عمليات قتل عناصر من «جند أنصار الله»، وبصرف النظر عن مدى وجاهتها، مردود عليه، ولا يستقيم مع الوقائع التي شهدها القطاع منذ أكثر من عامين. إذ ما قيل عن أن جماعة «جند أنصار الله» التي ضمت شخصيات وكوادر انشقت عن «حماس»، قامت بـ «تكفير» الحكومة المقالة، على رغم إنكار الجماعة هذا الأمر، وأنها تستغل بعض الشباب «لتغذية أفكار غريبة تقوم على التكفير واستحلال الدماء بعد فشل الحصار والحرب على غزة»، هي ذات البضاعة التي استخدمتها «حماس» ضد السلطة الفلسطينية، وضد منتسبي الأجهزة الأمنية، وكوادر حركة «فتح»، وكل من يتناقض مع رؤاها وسياساتها. ثم إن كل ذلك، ومن حيث المبدأ، لا يبرر استخدام القتل كبديل عن الحوار و «مجادلة الفكرة بالفكرة»، وفق المستجد من أقوال قادة «حماس». فهؤلاء الأخيرون يبدو أنهم يتجهون، وفي مفارقة ملفتة، وبخطوات متدرجة و «منهجية»، نحو «أسلمة» قطاع غزة عبر ترسيخ مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية، وفق معاييرهم الخاصة، وإصدار بعض القرارات التعسفية التي تصب في هذا الإطار، من نمط فرض الحجاب على المحاميات داخل قاعة المحكمة، وقيام وزارة الاوقاف التابعة لحكومة «حماس» بتطبيق حملة اطلقت عليها اسم «حملة نشر الفضيلة» وتدعو الى تطبيق الشريعة الاسلامية في مظاهر ابرزها حضُّ الفتيات على ارتداء الحجاب والملابس المحتشمة ودعوة الذكور الى ارتداء ملابس محتشمة على شاطئ البحر.

المفارقات التي وسمت عملية القضاء على «جند أنصار الله» كانت متخمة بالدلالات التي عكست حجم الكارثة الملتفة حول عنق القطاع وأهله المحاصرين بثالوث القتل والجوع والتطرف وخطابه الذي لا يعترف بالآخر. فمن إعلان رئيس الحكومة المقالة اسماعيل هنية، في خطبة الجمعة، عدم وجود عناصر أجنبية في القطاع، فيما كان موسى يعلن الامارة، ما سبَب حرجاً بالغاً للحكومة ورئيسها الذي بدا وكأنه خارج سياق الأحداث التي تدب على الأرض؛ إلى عملية «حشر» أهل قطاع غزة بين حكم «الإسلاميين البراغماتيين»، وفق بعض التصنيفات، وحكم إخوانهم «الأكثر تطرفاً» من دون أي اعتبار لمسائل الديموقراطية وحرية الرأي وحقوق الإنسان وما إلى ذلك من «مصطلحات الترف» في غزة، مروراً بإضافة حلقة جديدة في سلسلة التدمير الذاتي الفلسطيني، وكما لاحظ عميت كوهين في «معاريف»، بعد قيام المدعو أبو عبدالله المهاجر بتفجير نفسه في أبناء شعبه، وامتداد الصراع إلى «البيت الإسلامي السياسي»، والذي يدور قسم كبير منه حول التفسير الديني وسبل ادارة المجتمع الاسلامي، ومكاسب السلطة و«إنفاقها»، وليس حول الموقف من اسرائيل، ما يعبر ليس فقط عن انسداد افق التسوية والدولة المستقلة، وإنما كذلك عن تفكك المجتمع الذي كانت وحدته الوطنية هي الأرض الصلبة الوحيدة التي يقف عليها، وصولاً إلى محاولة إدراج قطاع غزة في خانة المناطق الحاضنة للإرهاب بعد زعم يورام شفيتسر من «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، أن بضع عشرات من خريجي القتال في العراق قد تسللوا الى غزة أيضاً، واتهام نيابة أمن الدولة العليا في مصر تنظيم «التكفير والجهاد»، الذي تحاكم بعض أعضائه، بالارتباط بتنظيم «القاعدة»، ودعم جماعة «جند أنصار الله» في غزة.

ومع أن من الممكن استيعاب حقيقة أن «حماس» لم تغير مبادئها ولا ميثاقها من الناحية النظرية، وإنما فعلت ذلك من الناحية الفعلية، وفي شكل ضمني، من خلال القبول بحل الدولتين، والذي يعني، في شكل أو في آخر، اعترافاً غير معلن بإسرائيل كدولة أو كيان يعيش بجوار دولة فلسطينية، إلا أن هذا لا يخفف مسؤوليتها، ليس فقط حيال المآل الكارثي الذي وصلت إليه القضية الوطنية بعد تكرس الانقسام بين شطري الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحوله إلى المعطى الفلسطيني الأكثر ثباتاً على أرض الواقع، وهرولة حكومة الائتلاف اليميني الإسرائيلية نحو مواصلة عمليات الاستيطان، وتصفية ما تبقى من الحقوق الفلسطينية، وإنما كذلك حيال تحوُّل قطاع غزة الى تربة خصبة لنشوء المجموعات السلفية الجهادية التي يرتبط بعضها بالخارج بصورة أو بأخرى، واستعمال بعضها في بعض العمليات من نمط مجموعة «جيش الاسلام» بقيادة ممتاز دغمش الذي كان مقرباً من حركة «حماس» ونفَذ عملية خطف الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليط في 2006، قبل أن يتحول إلى واحد من أعداء «حماس» التي قضت على عدد كبير من مجموعته في اشتباكات مسلحـــة قبل اشهر، والسكوت عن ممارسات بعضها الآخر لفترة طويلة، كجمـــاعــة «جيش الأمة» بزعامة اسماعيل حميد، «أبو حفص» المعتقل لدى حكومة «حماس» مع عدد من افراد مجموعته، ومجموعة «سيوف الحق»، ومجموعة ««جلجلت» التي حاولت تفخيخ طريق صلاح الديـــن أمام الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر في حزيران (يونيو) الماضـــي، وجماعة «أنصار السنة»، و «كتائب التوحيد والجهاد»، و«فتح الاسلام في أرض الرباط»، وسوى ذلك من النتف المتطرفة.

في خضــم هذه الـصـــورة المتعددة الأبعاد، ثمة من يرى أن السبب الرئيسي في ظهور البدائــل المتطرفـــة في غزة إنما يعود إلى الإضعاف المتـــواصل لـ «حماس»، وتعريتهـــا، سياسياً وجهادياً واجتماعيــاً وثقـافياً، أمـــام قواعدهــــا ومناصريها الذين لم يجدوا من سبيل سوى الهروب نحو قوى التطرف، لا سيما بعد محاولة الحركة الإسلامية التعاطي ببراغماتية فاقعة مع الغرب، وإبداء الاستعداد لتقديم «التنازلات»، في مقابل التشدد حيال القضايا الاجتماعية والحياتية التي تحاول إخضاعها لرؤاها الدينية الخاصة.

وكأن المشكلة في خصوم «حماس» الذين لم يفرشوا السجاد الأحمر أمام حكومتها لممارسة مهامها بيسر وأريحية وسلاسة، في حين تؤكد التجارب المتنوعة أن ظهور وتنامي الحركات الإسلامية الراديكالية كرد فعل على المآزق والاضطرابات السياسية والاقتصادية التي تسببت بها عمليات التطور السريع التي نشأت على حوافها، وفي معظم الدول التابعة و «الفاشلة» التي كانت تتحمل الوزر الأكبر من تداعيات هذه العملية، ممارسات قمعية للسلطة الحاكمة، ولا سيما ضد الإسلاميين الذين ما أن يقبضوا على مقاليد الحكم، كما حدث في أفغانستان والصومال، حتى تواجه شعاراتهم التي اجتذبت المؤيدين مثل «الإسلام هو الحل» بتحديات جدية غير مسبوقة، ذلك أن الفساد السياسي وسوء توزيع الثروة، وغياب الديمقراطية والعدالة تمثل حالات معقدة تفوق إدراك قوى الإسلام السياسي وصيغها الإيديولوجية، ما يدخلها سريعاً في مؤسسة الفساد والاستبداد.

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق