حمص: أصواتُ الحرية انطلقت لتملأ صمت المجرة

حمص: أصواتُ الحرية انطلقت لتملأ صمت المجرة

كانوا يلقبونها بـ”حمص إمّ الحجارة السُّود” نسبةً للأحجار البركانية السوداء والزرقاء الممتدة خاصةً في أجزائها الغربية والتي تكحل أرضها وأبنيتها، وكانوا يقولون عنها “حمص العدية” نسبةً للطافة جَوِّها، حيث تقع في قلب سوريا على ربوة تعلو عن سطح البحر حوالي (500 م) عند فتحة سهل عكار ما يمنحها جواً لطيفاً في الصيف وبرداً في الشتاء، أمّا اليوم فهي بلا شك “حمص الحرية” و”عاصمة الثورة السورية”، إنّها “حمص العاصي”، فكما يخترقها نهر العاصي من الجنوب نحو الشمال عاصياً الطبيعة، تستمرّ المدينة بعصيانها للظلم والاستبداد.

كيف هي حمص اليوم في عيون أبنائها؟ ماذا يحملون من ذكريات عن تاريخها الثقافي والاجتماعي؟ وماذا يخبروننا عن المحنة الإنسانية التي تمرّ بها اليوم؟ وما هي جهودهم لبناء مستقبل أفضل؟ أسئلة يحاول عديد النشطاء والكتاب والصحفيين السوريين المنحدرين من “حمص الكرامة” الإجابة عليها فيما يلي من كلمات..

الذاكرة الثقافية والاجتماعية

يقول الكاتب “عمار ديوب” عن حمص وذاكرتها الثقافية والاجتماعية: “مدينة أقرب إلى القرية الكبيرة، يتصف سكانها بالدهشة والحبّ والفرح، والقدرة على الضحك والنكات بشكل مستمرّ، ظهر فيها ولسنوات متتالية مهرجان المسرح الدائم، فيها الكثير الكثير من فرق الهواة للمسرح”، متذكراً أيام الأربعاء السينمائي، حيث كان يجتمع مع رفاقه في المركز الثقافي، لتدار جلسات الحوار عن السينما والسياسة أواخر الثمانينات.

ويضيف “ديوب” واصفاً أبناء مدينته: “مشهود للحماصنة بسعة الثقافة والانشغال بالعمل الحزبي والسياسي، ليس هناك ظواهر طائفية والناس أقرب للتعايش الاجتماعي، الحارات مختلفة السكان متلاصقة، وتقريباً ليس هناك معاداة اجتماعية بل هناك تواصل مستمر، ويغلب على أهلها عدم التدين”، أمّا عن أسوأ ما في المدينة فيقول: “مظاهر الأمن والتشدّد السلطوي والفساد في المؤسسات العامة”.

وتؤكد الناشطة “ميديا داغستاني” ما جاء على لسان “عمار” فتقول: “حمص اشتهرت بتنوّع طوائفها وتعايشهم المذهل مع بعضهم، وبانتشار التعليم وارتفاع نسبة التحصيل العلمي العالي فيها مما يميزها عن دمشق وحلب التي تشتهر بالتجارة، واشتهرت باهتمامها بالمسرح مثل المسرح العمالي، وفرحان بلبل، واشبيلية المكوّن من بعض شباب حيّ بابا عمرو”، وتشير “داغستاني” إلى أنّ “بعض أهمّ المفكرين السوريين ينحدورن من حمص، كالطيب تيزيني وبرهان غليون وفراس السواح”، مشيرة بأسى لـ”نجاتي طيارة ودوره في ربيع دمشق والثورة السورية وهو ما زال في السجن حتى اللحظة”.

وتتابع: “عندما نتكلم عن حمص يجب أن نتذكّر شعراءها مثل عبد الباسط الصوفي، وفرج بيرقدار الذي عرف بتاريخه المعارض والذي أمضى قرابة 12 سنة في السجن، وعلاء الدين عبد المولى الذي أعلن استقالته من اتحاد الكتاب منذ اشتعال الثورة، وعبد المعين الملوحي، وطبعاً شاعر المهجر نسيب عريضة الذي قال:

 
 “عُدْ بي إلى حِمصٍ ولو حشو الكفن واهتفْ أتيتُ بعاثِرٍ مردودِ

 واجْـعَل ضَـريحي مِـن حِجارٍ سُـودِ”

أما الصحفية الشابة “ميليا عيدموني” والتي انتخبت سفيرة شباب الفكر العربي لدى سوريا لعام 2010 فتقول: “في البدء لا بدّ من القول إنّ شعوري تجاه حمص تغيّر جذرياً عمّا كان قبل الثورة، من قبل لم أكن أحمل كلّ هذا الحبّ والشعور بالانتماء إليها، بعد اندلاع الثورة ورغم الألم ورائحة الموت في الشوارع أشعر أنّ لكلّ حجر فيها لونا وقصة مختلفة، حتى رائحة مصفاة البترول باتت لها مكانة مختلفة في نفسي عمّا قبل”.

وعن المعاناة الثقافية للمدينة تخبرنا “ميليا”: “لطالما عانت المدينة من نقص كبير من ناحية الدعم الحكومي والخاص للنشاطات الثقافية، إضافة لغياب جمعيات المجتمع المدني هناك، ورغم هذه الصعوبات تمّ إحياء النادي السينمائي لحمص، إضافة إلى عروض أيام سينما الواقع دوكس بوكس وكلاهما أحدثا نقلة وجذباً للجيل الشاب في المدينة”.

وتضيف “ميليا” أنه خلال السنتين الأخيرتين شهدت المدينة نقلة في نوعية العروض الثقافية والفنية المقدمة، كما تمّ افتتاح العديد من الغاليريات (صالات العروض الفنية)، إلا أنها ما تزال قليلة مقارنة مع النشاط الثقافي لباقي المدن، منتقدةً كونها مدينة “غير صديقة للشباب” لا تمنحهم الفرص لتقديم عروضهم نظراً لغياب الجمعيات المدنية وبيروقراطية المؤسسات الحكومية، ولا تلبي طموحاتهم من ناحية تنوع الخيارات والأماكن الثقافية والتي يغلب عليها طابع الجيل الأكبر من مثقفي المدينة.

من جهته يصف الصحفي “همام كدر” حمص بـ”المدينة الطيبة”، ويؤكد أنها “تكتسب قيمتها بشكل أساسي من شعبها وقاطنيها، الذين أعطوا لهذه المدينة الضاربة في التاريخ روحاً فريدة، محاصرة بالوعي والبساطة، ويعتقد “كدر” أنه رغم فقر “العدية” للفعاليات الكبرى بالأخص الثقافية (علماً أنها تملك أول مهرجان مسرحي مستمر في سوريا)، إلا أن ذلك جعل تجمعاتهم الثقافية- الأهلية صادقة وتبحث بالفعل عن التنمية الثقافية لا عن النجومية والبرستيج.”.

 

ويؤكد “همام” أن هذا الفقر الثقافي جعل الشباب متعطشاً للنشاطات الثقافية والفنية لدرجة أنك قد تجدهم في عدة نشاطات بنفس الفترة، ويقول “كدر” أن: “فقر المدينة ثقافياً (فهي مثلاً بلا مركز ثقافي منذ عام 2003 بسبب –الإصلاح-) ساهم أيضا بتطوير ذوات الحماصنة كلٌ بما يريد، وعلى الأغلب يطورون أنفسهم في مجال النكت.. فالنكتة في حمص ليست مجرد تسلية.. إنها ثقافة وليست وقتا زائداً”.

محنة المدينة

يؤكد الكاتب “عمار ديوب” حين سؤاله عن المحنة التي تمر بها المدينة حالياً: “حمص الآن لم تنجرّ نحو الطائفية رغم كل الممارسات الأمنية التي تصعد منها، أصبحت المدينة متخمة بالجيش وقوات الأمن، وبعض الأماكن غير أمينة، ويمر الأهالي بمعاناة متواصلة، فالمدينة منكوبة بكل معنى الكلمة”.

وعن شرح ما يقصده بأنها “منكوبة” يوضح: “القتل يتم بها بشكل مستمر، ولكن معظمه بأيدي قوات الأمن، والحوادث المتفرقة يتم تضخيمها، ولكنها بالأصل ناتجة بسبب وجود الأمن وليس بسبب قلة أعدادهم، هناك مقابر جديدة، والخدمات منعدمة، وللأسف هناك تصاعد في المعازل الاجتماعية”، ورغم هذا الوضع يصرّ عمار على عدم وجود “انفلات أمني”، فعلى حد تعبيره “الناس أميل إلى تجاوز المشكلات التي نشأت من جرّاء توريط الأمن قسم من الشبيحة في عمليات الضرب والقتل”.

من جهتها تقول الناشطة “ميديا داغتساني”: “حمص قلب الثورة ونار الثورة وشعلة الثورة”، مضيفة “هذه الشعلة باتت الآن محترقة، لا تهدأ، تحارب الظلم والظالم، ولا تدري بأنها تتعرض لأسوء الانتهاكات الإنسانية، فمنذ اعتصام الساعة عزل النظام مدينة حمص، فبات من الصعب الانتقال من حارة لأخرى، وفرض حصاراً شديداً على بعض الأحياء المنتفضة، وانتشرت الحواجز الأمنية في الشوارع، والقناصة على أسطح المنازل، فمن يسكن في حمص الآن يعرف أعداد المُهجرين والمفقودين والشهداء ويعلم كم نحن في أمس الحاجة إلى الأدوية وأغذية الأطفال، لا نستطيع الحديث عن قساوة البرد في وجود قساوة النظام، لكننا نواجه الاثنين معاً الآن، أحدهما بصمت وسكون والآخر بأصوات تملأ صمت المجرة”.

بدوره يقول الصحفي “همام كدر” عن محنة مدينته: “كل الحياة البسيطة، المسلية، والمكثفة في الفراغ، انتهت فجأة دون تسلسل أو تمهيد، فجأة لم يعد يمكننا الجلوس في مقهى الروضة الذي يعود لمائة عام، فجأة نرى الجثث في الشوارع، وأصبح القتل خبراً يومياً كأخبار الطقس، كل الحوادث التي تُذاع أخبارها لم يكن لها جذر في النفوس، هذا ما يجعلني دائماً أصحو من كل نوبة حزن.. متفائلا أن الشعب الذي عشت معه ثلاثين عاماً لا بدّ أن يزيح عنه كل هذا الموت ليشهد ولادة سورية..”، ويستطرد “همام”: “الأزمة جعلت الحماصنة يقتربون من بعضهم أكثر، وصدقاً للمرة الأولى أشعر بقيمة الطيبة التي كنت انزعج كثيراً من وصفنا بها من قبل الآخرين، بالنسبة لي أستمد قوة كبيرة من رؤية وجوه الحماصنة يومياً.. كل الحماصنة”.

بناء المستقبل

تتعدد نشاطات وجهود نشطاء وكتاب ومثقفي “حمص” لبناء غد أفضل للمدينة وسوريا عموماً، فالكاتب “عمار ديوب” يؤكد أنه يعمل صحبة باقي رفاقه من أجل دولة مدنية حديثة لكل السوريين بعيداً عن لعبة الأقليات والأكثريات الدينية، رافضين تسييس الثورة، فالثورة بالنسبة لهم لها أسباب اقتصادية نابعة من سياسيات ليبرالية جديدة، وغير متزامنة مع حماية حقوق الأكثرية الشعبية، هم يعملون على توضيح هذه القضايا، كي لا تنحرف الثورة بسبب السياسيين التقليديين ممّن لديهم مشكلات مع النظام والذين كانوا محرومين لعقود من أي متنفس حرية ومبعدين عن المشاركة العامة.

ويقول عمار عن دوره هو ورفاقه: “نعمل على المشاركة بالمظاهرات بالحوار وبالكتابة وبكل ما نستطيع لرفض أي خيارات خاطئة، كالترويج للتسليح أو الطائفية أو التسييس الزائد، فالثورة ثورة خبز وحرية وليس حرية فقط وليست بكل تأكيد مؤامرة خارجية، ونساهم في طرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين المنتفضين، لذلك نريد تنمية زراعية وصناعية حقيقية، نريد تعليما جيدا وسكنا لائقا وضمانا اجتماعيا وصحيا وأجورا متوافقة بشكل مستمرّ مع الأسعار ونريد فرص عمل لكل الفقراء وأول شيء وعلى رأس مطالبنا التحقيق بجرائم القتل التي تمت وإنصاف أسر الشهداء طبعاً”.

من جهته يقول الصحفي “همام كدر” أنه حاول مع أصدقائه أن يشكلوا “محاضر خير”، يستمعون فيها للجميع، يخففون فيها من الأحزان، ويعزون بالشهداء، إضافة لبعض المبادرات كالتنظيف التطوعي للشوارع.

بدوره يشدد الشاعر “عمر سليمان” على أن جهودهم تنصب في الحفاظ على سلمية الثورة، وفي مساعدة الناس على تأمين حاجياتهم من المتبرعين من باقي المحافظات، إضافة إلى الجهود الإعلامية.

ويضيف “بالتأكيد نطمح كالجميع إلى غد أفضل، فسوريا بلد الحضارات، ويجب أن تأخذ مكانها الطبيعي بين الأمم بعيداً عن القتلة والمستبدين وأصحاب العقول المريضة، والأسرة التي حكمت سوريا لأربعين عاماً لن يكون التخلص من عبئها بالأمر السهل، ولأنّ حمص في الوسط فإن سوريا الغد ستنبثق منها، لم يكن عبثاً أن تُسمّى حمص عاصمة الثورة، فحمص كانت تحمل الثورة وتشعلها كلما خمدت في إحدى المحافظات، لذلك فإننا نعمل على استمرار الثورة ليس فقط بالتظاهر، وليس فقط لإسقاط نظام آل الأسد، بل لإسقاط النظام الذي وضعه آل الأسد في عقول الناس وسلوكهم الاجتماعي.”

أما الناشطة “ميديا داغستاني” فتقول عن دورها هي وزملاؤها: “في الثورة نشاطاتك لا تعرف حدوداً ولا آفاقاً، أنت متظاهر ومصور ومراسل وناشط في توثيق الانتهاكات وفي توزيع المعونات وفي ابتكار أفكار ونشاطات جديدة ترفد الحراك الثوري، أنت تكتب لافتات المظاهرة موصلاً من خلالها إلى العالم رسائلك وتهتف وتخطب، تعبر عن ذاتك وتبث رسائلك إلى الشارع الثائر أولاً ومن ثم العالم بأسره”، مؤكدة أنه “لا بناء لغد أفضل إلا من خلال الشارع الثائر الذي شقّ درب النصر وعبّد طريق الغد المشرق”.

وتختتم ميديا كلامها بالتحدث عن تحديات النشاط الثوري: “في حمص نحن أمام تحدّ كبير، فالنظام دأب منذ بداية الثورة على محاولة جرّ الحراك الثوري إلى الصراع الطائفي، لكن شباب الثورة بوعيهم وهمتهم، إذ عرفوا تماماً من عدوهم وما هي مطالبهم، أجهضوا كل محاولات النظام ونشطت حركات المجتمع المدني ونشط حراك الشباب الثائر تعزيزاً للوحدة لوطنية وليثبت للنظام أنه مهما حاول شرخ الشارع وبث الفتنة، فكله سيؤول إلى الفشل لأن الثورة ثورة شعب بأكمله ضد نظام مجرم”.

مخاطر وتحديات عديدة تحيط بـ”عروس الثورة السورية”، لكن من المؤكد أن أبنائها مصممون/ات على المضي قدماً بالعمل لصناعة مستقبل أفضل يستلهم كل التجارب الإيجابية في تاريخ المدينة وحراكها الاجتماعي والثقافي والسياسي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق