حمودة “التران”*

حمودة “التران”، هكذا كان زملاؤه يلقبونه في العمل، فاستقامة مشيته وصلابة سلوكه ثم عناده الشّديد، ربّما صفات استمدّها من استقامة خطوط سكّة الحديد وصلابتها؛ فطيلة الأربعة عقود التي قضّاها كعامل في مصلحة مدّ خطوط السّكك الحديديّة ، كانت كافية لأن تجعل من هذا الرّجل الفولاذي شخصا مغضوبا عليه من طرف الجميع، الصّديق الحميم والوحيد الذي كان يتفاهم معه هو “اجبيلو” صاحب الحانة الذي يعتبره ألطف زبون في المدينة، إذ وعده ذات ليلة بينما كانا في أوج “نشاطهما” بأن يخصّص له طاولة قرب الكونتوار بجانبه مع زجاجة خمر كلّ يوم بالمجان متى أحيل على التّقاعد.

 

أشياء كثيرة تجمع هذين الكائنين: حبّ الشّراب، والحديث عن الرّحلات وأخيرا النّفور من الزّواج…

 

 

ذات يوم سأله صديقه عن سرّ عدم زواجه فأجاب بعد أن أفرغ كأسا كاملا من الخمرة في جوفه دفعة واحدة وبضع قطرات تسيل من فمه الخرب، على معطفه الخشن.

“أترى ما شعوري الآن؟ إنّني في منتهى الانشراح والسّعادة… وربّما هذه التّفاهة لا يمكن أن تتحمّلها أيّة امرأة… بل يحدث في بعض الأحيان ألا أقدر أنا بالذّات على تحمّل تفاهتي هاته… فكيف بي أن أتحمل تفاهة كائن آخر؟

 

إنّ البشر كائنات مرعبة وعدوانيّة والارتباط بها يعني أن تقذف بنفسك في بحر من المشاكل، فأنت ترتبط بامرأة ثم لا تلبث أن تورّطك هي الأخرى في علاقات مع كائنات غريبة أخرى، ثم يأتي الأولاد فيورطونك هم بدورهم في شبكة أخرى من المشاكل وهكذا إلى أن يأتي يوم تجد فيه نفسك قد انتهيت إلى الجنون أوالى المرض الملعون ثم لا يلبثوا أن يستعجلوا موتك حتى إذا جاء أجلك رموك في حفرة كجيفة وعادوا في طريقهم وهم يلعنونك كخنزير كنت تفسد في الأرض، ثم يقيمون المآدب والولائم احتفاء بذهابك إلى الجحيم من دون رجعة… ولربما لو مشت الكلاب والقطط وراء نعشك لكانت تدعوا لك بالرّحمة والغفران.

 

 

 “اجبيلو” يعرف جيدا سبب هذا الحقد الدّفين الذي يمور في صدر صديقه، وكيف لا وهو الذي ذاق في طفولته مرارة الظّلم والحرمان منذ تيتمه خاصّة من طرف زوجة عمّه، إذ لا يزال يتذكر الحادث الأليم الذي لم يمح بعد من ذاكرته: يوم ربطته بحبل وأنزلته إلى “قاع” البئر مقيّد اليدين ليبيت الليلة كلها ونصف جسده في الماء البارد، كما أنّه لن ينسى أبدا الأيّام السوداء التي كان يقوم فيها فقيه القرية بإزالة جبته ليشرع في ضربه بالسوط المبلل بالماء على ظهره، متى تلعثم أثناء استظهار لوحه، ومع ذلك فهذا الرّجل لم يحدث أن سخر من أحد أو تطاول على حقوق أحد، إذ الظلم في نظره وكما يردّد دائما لصديقه هو أصل الشرّ كله، إذ كلما كان هناك انحراف أو اعوجاج في سلوك البشر كان الظلم كما هو الشأن تماما بالنسبة إلى القاطرة فمتى زاغت عن سكّتها كانت الكارثة…

 

 

 في هذا المساء، كان “اجبيلو ” يستعرض هذه الأفكار والصّور وسط ضجيج وصخب ألحان وعيناه لا تفارقان الطّاولة الفارغة التي كان يجلس عليها صديقه…

تناول كأسا أخرى لعلّه يطفئ بها لهيب حسرة الفراق…

 

لقد عرف جيّدا أنّ ما كان يخشاه حمودة “التران” هو ما وقع بالفعل… إذ بينما كان عائدا ليلة الأمس بعد أن ترك صديقه يغلق باب الحانة، قصد بيته الصّغير المنعزل في أعلى سطح عمارة بأحد الأحياء الشعبية يعود تاريخ بنائها إلى عهد قديم وكان الجوّ ممطرا وشديد البرودة… وبينما كان يهمّ بدخول العمارة إذ شاهد شبحا ممددا في البهو بجانب قمامة الأزبال… رمق الشبح فأدرك أنّه متشرّد قادته الظروف إلى هذا المكان علّه يجد فيه دفءا يتقي به شرّ هذا الطقس الغاضب… تلمّس عمر الحائط المهترئ ثم صعد السلم الذي تلاشت أغلب حواشيه بفعل البلى إلى أن بلغ الطابق الثاني، وبينما هو يتابع المشي إذ انزلقت قدمه اليمنى وتدحرج عبر السّلم إلى أن توقّف في البهو بجانب الشّبح …

 

 

في تلك الأثناء كان يسمع همهمات من طرف سكان العمارة الذين فتحوا أبواب شققهم، همهمات تنم عن غضب عارم تلتها سباب وشتائم من كلّ نوع، فليست هذه أوّل مرّة يسمع فيها هذه الهمهمات إذ كلّما صعد السلم في مثل هذا الوقت من الليل إلا وسمع من خلف الأبواب ألفاظا فظة تخترقه كسهام سامة … ومن حسن حظّ هذا الرّجل أنّه لم يصب بأذى ما عدا بعض الآلام التي كان يشعر بها على مستوى رقبته وعمود فقره… نهض من مكانه وساد الصّمت العمارة من جديد …

 كانت السّاعة تشير إلى الثّامنة صباحا حين استفاق حمّودة “التران” على وقع دقات قويّة كادت أن تهشّم باب الغرفة الهشّ، ظنّ في البداية أنّ الأمر لا يعدو أن يكون حلما … عادت الدّقات القويّة للمرّة الثانية … انتصب واقفا ثم صاح:

-“أشكون؟”

-البوليس.

-“العياذ بالله… في هذا الصّباح…”

هرع إلى الباب مذهولا وفتحه… اندفع رجال أشدّاء إلى داخل الغرفة… أشهروا في وجهه السّلاح:

-“لا تتحرّك. قف في مكانك وإلاّ… أأنت هو المدعو عمر “التران”؟

 -“إيه هو أنا”…

وضعوا الأصفاد في يديه، وساقوه إلى زنزانة “الكوميسيريّة”… في الظّهيرة أخرجوه… شرعوا

في إزالة قيوده … ساقوه إلى مكتب فارغ … أغلقوا الباب خلفهم … سأله أحدهم :

 – “ما علاقتك بالقتيل؟ أهو صديقك”؟

 أجاب :

– “ليس لي أيّ صديق”

– هل تسخر منا؟

 – “ليس من طبعي أن أسخر من أحد”

– لم قتلته إذن؟… أكان بينك وبينه نزاع؟

 -“عمّن تتحدّثون؟”

-” إنّ كلّ سكّان العمارة يشهدون بأنّك دفعته من الطّابق الثالث… لقد سمعوا جثّة الرّجل وهي تتدحرج عبر سلّم العمارة… فهل تريد الآن أن تعترف؟

 

 

 

الهوامش:

*التران : بالفرنسية تعني القطار

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق