“حمّــام الكــلمات”

“لقد عثر العلم في تقدّمه( الجنوني) على ممحاة (رهيبة) قادرة على فسخ الأفق”

فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche

تتوفّر عديد المقاربات المنهجية بخصوص الوضعية الراهنة لعلم النفس1 على وجهات نظر مختلفة حول حاضر هذا الاختصاص ومستقبله. فقد بيّنت تلك المقاربات مثلا “أنّ مستقبل علم النفس على صلة وثيقة بالتمثيلات الدماغية المجسّمة إعلاميا”.2 وإذا كان الأمر على هذه الشاكلة، فإنّ ما يخشى حقيقة هو أنّ علم النفس، كما عرفناه منذ بدايات القرن الماضي أضحى معرفة قابلة، كالذوات البشرية تماما، إلى الانمحاء.

لا يراودنا أدنى شكّ في وجود كثير من علماء نفس، غير أنّ جميعهم غير معتكف على البحث العلميّ التجريبيّ. قلّة هم من اختاروا العيش بين جدران المخابر ليمارسوا تجاربهم العلمية على عيّنات أو نماذج بشرية، عبر إخضاعها لجملة من المهامّ المستغربة والاستمارات المضبوطة بعناية مسبقا، قصد قيس كيفية إنجازها لتلك المهامّ، وما ينجرّ، عن ذلك الإنجاز أو الإجابة عن تلك الاستمارات، من ردود أفعال.

يتحدّث هؤلاء الباحثون قليلا، مفضّلين الانهماك في حساباتهم واستنتاجاتهم العامّة ذات الطابع الكونيّ حول علاقة الذاكرة بالكلمات في التفكير الناطق، حول كيفية رؤية الألوان، حول طريقة فضّ المشاكل وتجاوز الصعوبات لدى الكهول أو لدى الأطفال والقردة المتطورة الذكاء من سلالة الشامبنزي.

ويعلّق “ميشال فوكو Michel Foucault” في استعارة بديعة بخصوص التجربة التي تعمد إلى إثبات كذب الأطفال قصد تفادي العقاب لدى المختصّين في علم النفس المخبريّ مثلا “أنّ هناك من بين الباحثين في علم النفس (ويقصد علم النفس المخبريّ طبعا) من يغالي في عدم التحفّظ لدى الانحناء للنظر من ثقب النافذة والحال أنه إزاء باب مصنوع من البلور”. 3

يستند علماء النفس من دعاة التوجّهات العلمية الصرفة في تجاربهم على قناعة مؤيّدها أن ّحقيقة الإنسان قد استوعبتها بالرمة ذاته الطبيعية، رابطين تجاربهم العلمية وأبحاثهم بتقليد معرفيّ يحيل على تصوّرات أعلام سابقين على غرار “بياجي Piaget” و”سكينّر Skinner” و”شومسك Chomsky”، تواضعت جميعها بخصوص معقولية دراسة التصرّفات البشرية بشكل مخبريّ معزول عن أيّ محيط بشريّ، معتبرة أنّ الوظائف النفسانية الأساسية على غرار اللغة والذاكرة والتمثّل، لها طابع عامّ موحّد. ولعلّ مثل تلك القناعة هي التي أدّت بهم في الأخير إلى الاعتقاد بأنّ علم النفس ليس سوى حلقة ما ضمن السجلّ الواسع للعلوم البيولوجية.

مهّدت مثل تلك التصوّرات، شديدة الموثوقية بعلمية البحوث النفسانية المخبرية، الطريق أمام التخصّصات البيولوجية لاختراق هذا الحقل المعرفيّ، متوغّلة في سمك “لحمته الحية”، لتقدّم لنا نتائجها الخاصّة حول تقصّيها للظواهر النفسانية. فقد تقعّد ظهور ما يوسم حاضرا بـ”العلوم العصبية”، وإذا ما تملّينا الأمر جيّدا، عن هذا التسليم بمحورية البعد الطبيعيّ، وهو ما أعَدّ العدّة بالتدرّج لتراجع الدور الموكول للبحث النفسيّ المخبريّ، بعد اكتفائه واقعيا بإنجاز العمل التمهيديّ وتهيئة الظروف للباحث المختصّ في علوم الأعصاب، حتى يوافينا بالقول الفصل ويشرح لنا بأدواته المعرفية الخاصة طبيعة الظواهر النفسانية المدروسة.

لا مندوحة، وفقا للدعاوى العلمية المغالية لمثل هذا الخطاب أن نعتبر أنّ علم النفس المخبريّ يتّجه حاضرا نحو تنميط البشريّ بنزع جميع خصوصياته الإنسانية، متناسيا دور كلّ ما هو ذاتيّ أو غيريّ، تاريخيّ أو معيش، محسوس أو شعوريّ. فالعلوم الإنسانية كثيرا ما تجد نفسها مطالبة بتحمّل مسؤوليات أخلاقية لا يقع وزرها غالبا على رصيفتها الطبيعية. فإثبات “كوبرنيك” على سبيل المثال لمحورية نجم الشمس قياسا لكوكب الأرض ليس له مطلقا أيّ تأثير على دوران ذلك الكوكب حول ذاك النجم، غير أنّ حديث “فرويد” عن اللاوعي يمكن ابتساره في تصور ذهنيّ مجرّد غير قابل للإثبات، قام عالم نفس بإقناع جانب من البشرية وعلى مدار قرن من الزمن أو يزيد بإمكانية حضوره. ثم كيف لنا أن نجزم يقينا، أنّ نظام التلقين لدى المتعلّمين من طلبة المدارس، يتدرّج ضرورة عبر المرور بمحطات ذهنية منطقية متفاوتة وفقا لما انتهت إليه نتائج البحوث البيداغوجية “البياجية” (نسبة لجون بياجي) في مثال آخر، دون أن ينتابنا الشكّ في تحويلهم بمقتضى تلك الخطة التدرجية البيداغوجية إلى آلات حساب باردة؟

يقابل هذه الأقلية من الباحثين التجربيين أو المخبريين في علم النفس، صنف آخر من المهتمّين بهذا العلم يشكّل أغلبية المنتسبين إليه نطلق عليهم عادة تسمية الأطباء أو المحلّلين النفسانيين أو “البْسي” بلغة العصر. ويأخذ حضور هؤلاء ضمن النسيج الاجتماعي الحضريّ شكلا ملفتا، إذ غالبا ما تتموقع عياداتهم بشقق العمارات، كما نجد لهم حضورا داخل المؤسّسات التربوية والهياكل الاجتماعية، وكذا ضمن الناشطين في المجالين الخيريّ والجمعياتيّ، كما لا نعدم وجود لهؤلاء المحللين بجانب من طالتهم الحوادث والأرزاء أو تعرّضوا للتحرّش والترهيب أو التعنيف اللفظيّ والجسديّ.

يبحث هؤلاء عن الكيفية المثلى التي تسمح بمدّ يد المساعدة قصد مساعفة من أزرى بهم الإحساس بالضيم وانسدت الآفاق في وجوههم أو انقطع رجاؤهم في التعويل على “كلمات مهدّئة” وصيغ تبعث الأمل، وتشجّع على التحمّل من خلال الانفتاح على مشاكل الغير والإصغاء إليه ومرافقته في عملية استكشاف هشاشته والتفطن لما يعيق توازنه الحسّيّ أو العاطفيّ. يعمل هؤلاء وفقا لاستعارة “هيدغير Heidegger ” البليغة على “مساعفتنا بالكلمات المطهّرة التي نفصح من خلالها عما أخفيناه عميقا في دواخلنا من عذابات” .

هم يعرفون جيّدا كيفية التأثير باستعمال الكلمات، معوّلين على إطار طقوسيّ وطريقة في الأداء تنبئ عن سجل سميائي معروف، نغْنم كثيرا لو عاودنا زيارته عبر مساءلته عن حقيقة الدور الذي يمكن للخطاب الطقوسيّ أن يلعبه في نحت مختلف تصرّفاتنا كذوات بشرية.

يتعيّن على هؤلاء المحلّلين النفسانيين أن يكونوا على بيّنة من جميع ما هو إنسانيّ، كما ينتظر من تجاربهم أن تحيط بكلّ شيء، أن تستمع في هدوء وجلد لجميع التعبيرات بما في ذلك أقلّها نضجا وأكثرها نزقا وهوسا دون أن تبرح مكانها أو تفقد اتزانها.

ليس هناك أكثر تعقيدا من الذات البشرية فكيف لنا إدّعاء الإحاطة بجميع خصوصياتها؟ لقد شدّد “ديكارتDescartes” ضمن تأملاته Méditations على انعدام القدرة على استكشاف قوانين الطبيعة كلّما عنّ للذات الإلهية العبث بالكون وتغييره بين الفينة والأخرى، غير أنّ تلك القدرة أدرجت لسوء حظّ المحلل النفسانيّ شيئا من العبث في تشكيل الخصوصيات الناظمة لنفسية الكائنات البشرية. فمن مرحلة زمنية إلى أخرى ومن مكان إلى آخر لا تفتأ الذوات تربكنا بتقلّباتها وتغيراتها وتحوّلاتها، ممّا يعني أنّ ليس هناك من قوانين ثابتة تسمح واقعا بالإحاطة بشكل دقيق بما يشكّل النفسية البشرية في مختلف وضعياتها. فعلى غرار ما ذكره “إلياس Elias و”فرنان Vernant ” و”ميرسون Meyerson ” لا يتوفّر الإنسان على ذاكرة ووعي، وعن لا وعي وذكاء أيضا، بنفس الطريقة التي يتوفّر بها على معدة وقلب وأعضاء.

إنّ ما يشغل المحلّلين، بينما يتغاضى عنه علماء النفس المخبريّ، هو تلك القدرة على الترميز الدائم للمعيش، والتطرّق إلى جميع جوانب الحياة بالتعويل على رمزية الكلمات.

لا يحتاج هؤلاء المحلّلون في تعاملهم مع الواقع إلى تكوين نظريّ أو إلى شهادات علمية تستوعب الانثروبولوجي – بالمدلول الذي سحبته عليه “الكانتية Kantisme “- أو السوسيولوجي أو التاريخي، فالإنسانيّ لا يدرّس لدى القيام بالتحليل. فأولئك الذين يصغون للإنساني ويتعهّدونه بالتحليل لا يحدّد تكوينهم المعرفيّ واقعيا غير المباشرة الميدانية لنشاطهم، لذلك يصدق أن نعتبرهم حرفيين بالمعنى العمليّ الدقيق للفظة حرفة..

هذا النوع من التحليل النفسيّ الذي نسعى إليه قصد التخفيف من عذاباتنا يبدو أكثر قابلية إلى البقاء والتواصل من غيره، فأقراص السعادة أيّا كان الاسم الذي سيعطى لها، بفرض وجودها طبعا، ليست في متناول اليد حاضرا ! جميعنا دون استثناء تقريبا، نحتاج عند منعرج ما لحياتنا، إلى “حمّام كلمات” يهدّئ من روعنا، ويؤنسن تصرّفاتنا. لذلك نغنم يقينا لو كان بمقدور هذا المجال التحليليّ أن يتموضع ضمن دائرة البحث العلميّ حتى يتناول بالدرس العديد من التساؤلات النظرية التي تخترق المجال الإكلينيكي الصرف.

فعندما نعيد قراءة ما كتبه الظاهراتيون على غرار “مرلو بونتي Merleau-Ponty”4 و”بينسفانغر Binswanger ” مثلا، يواجهنا سؤال محيّر حول طبيعة فهم أو تأوّل هذا البحث الموسوم بالإكلينيكيّ لتصرّفات الآخر “مرضية” كانت أم “سويّة”؟ وهل إنّ ذلك الفهم اكتشاف للمعنى العميق، غير المرئيّ وغير الموضوعي أيضا للتصرفات البشرية يتساوق مع اكتشاف “كولومبس” لأمريكا مثلا ؟ أم إنّه اختراع لمعنى التصرّف البشريّ وتعبير دقيق عن مدلوله بالكلمات؟ ألا يكون المعنى الذي نبحث عنه مثلما يقترح أولئك الفلاسفة الظاهراتيون منصهرا في التصرف ذاته، أم أننا محتاجون في التعبير عنه إلى الفصل بينه وبين التصرّف؟ أسئلة محرجة ومهيبة بقدر ما هي محدّدة بالنسبة لمستقبل معرفة إنسانية تبدو محتاجة جدّا حاضرا إلى الخروج من رمادها.

بقي سؤال أخير لا يخلو من وجاهة، خاصّة لدى ربطه بما كنّا بصدده. يبدو جميع من تعرّفوا، حتّى وإن تمّ ذلك بشكل سطحيّ على مجال علم النفس كما أعادت “الفرويدية” صياغته، شديدي الاقتناع حاضرا بأنّه في مكان ما من أعماقهم يقبع لا وعيهم، متمظهرا في شكل شخصية مستقلّة عنهم، لها ذكاؤها وتأثيرها ونوازعها الخاصة. كثيرون أيضا هم أولئك الذين يحدوهم اقتناع بأنّ النوازع المدفونة طيّ أعماقهم هي ما يدفعهم حقيقة إلى اقتراف ما يرغبون في اقترافه رافعة عنهم كلّ كلفة أخلاقية، مكسبة لتصرفاتهم تمام المشروعية، متجاوزة جميع قدرات وعيهم البشريّ، والحال أننا نعلم أنّ مجال النوازع والأحاسيس وبقية المؤثّرات العاطفية والوجدانية غير قابل للملاحظة الدقيقة أو للقيس المخبريّ البارد.

فالنوازع التي تتجاذبنا ما هي في الواقع إلا نتاج لمعطيات لها اتّصال وثيق بمعيشنا، وبالعلاقة التي تربطنا بغيرنا خاصّة. فمن دون حضور تلك “الآخرية” ليس هناك من نوازع أو من أحاسيس، ليس هنالك غير مجاراة عمياء لما يشكّل الجانب الغريزيّ والحيوانيّ في ذواتنا!

تلك هي حقيقة الأخطار التي تحفّ بالممارسة المعرفية الممثّلة في علم النفس حاضرا. فكلّما طوّحت تلك الممارسة المعرفية بعيدا مدّعية القدرة على إعطاء مدلول محسوس لجذور التصرّفات البشرية، فإنّها لا تقوم عبر ذلك السلوك حقيقة إلا بدعوة العلوم البيولوجية إلى أخذ موقعها والحلول محلّها تدريجيا. وفي حال حصول ذلك، فإنّ ما سيقود أقدامنا إلى المحلّل النفساني لا يمكن أن يخضع إلا لمجرّد وصفة دوائية أو لمعالجة جينية صامتة يمكن أن نحصل عليها ونواظب على جرعاتها دونما حاجة إلى “حمّام كلمات”، ودونما حاجة إلى أيّ “أنسنة” تمرّ ضرورة بجلسات إصغاء وتفريغ وتحليل مغلّقة تنظّم طقوسها داخل الحيز الهادئ والمريح للعيادة.

إذا ما قُدّر للمحلّلين النفسانيين، بوصفهم “أطبّاء روح”، أن يتخلّوا عن مثل ذلك الدور، فإنّ تصرّفهم سيكون بالضرورة مدعاة لانقراضهم، وإسهاما غير مسئول، وغير أخلاقيّ في آن، في جريرة إتلاف القيمة الإنسانية في الذات البشرية والتفريط فيها كي تتعهّدها مستقبلا الوصفات الصيدلة الباردة والخرساء في آن.

الهوامش:

1- يشكل هذا العمل اختزالا لأبرز التصورات الواردة صمن مقال “فرنسواز بارو Françoise Parot ” علم النفس شروط البقاء La psychologie les condition de la survie” الصادر ضمن: Université de tous les savoirs : L’Histoire la Sociologie et l’Anthropologie, éd., Odile Jacob, Paris 2002, p. 9 – 20. وفق ترجمة تصرف حرة لذلك المقال.
2- Houdé (o), Que- est-ce que la vie ? Paris Odile Jacob 2000. P. 311 – 315
3- Foucault (M), Dits et écrits, Paris, Gallimard 1994, p. 157.
4- Merleau-Ponty (M), Phénoménologie de la perception, éd., Gallimard, Paris 1945

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق