حنان الكلب

 كنت أتجول في السوق حين اتصل صديق يخبرني أن جارته السويدية من باب رفقها بالحيوان، أخبرت الجهات المعنية أن أرنبته مريضة وليس لديه وثيقة ضمان صحي لها، كما أضافت مستاءة أنه لم يقم بعرضها على طبيب بيطري.

رغبت ابنته الصغيرة في الصيف أن تعتني بأرنبة، اشتراها لها من دون أن يفكر بعواقب ومسؤولية ذلك.

قال غاضباً:

ـ الآن ماذا أفعل إذا ماتت الأرنبة؟ سوف أعلق بالمحاكم، ألم تسمعي بالذي حدث مع صديقنا حين أطعم كلب جاره “عظمة”؟
سمعت أن فلاناً كان قادماً من بلادنا حديثاً، أودع جاره السويدي كلبَه لديه، ليوم كامل. قام الرجل من باب العطف والكرم، برمي “عظمة” من بقايا طعامه للكلب، كما نفعل مع كلابنا العربية، لكن الكلب الأوروبي بعد قطعة العظم، مرض ونقل إلى الإسعاف وعلق صاحبنا مع جاره علقة لم تنته إلا بتغيير بيته ودفع غرامات جهله بأسلوب التعامل مع الحيوان.

أغلقت الهاتف متمنية لأرنبة صديقنا الشفاء العاجل.

دفعنا ثمن كيس الشيبس الذي اختاره ابني في اللحظة الأخيرة من خروجنا من السوبر ماركت. آثر أن يحتفظ به في يده، ونحن نتمشى إلى البيت. فتح الكيس وهمّ أن يأكل منه حين رأيت عليه صورة كلب ضاحك وسعيد، شهقت ولكن قبل أن أسحبه من يده، كانت معلمة ابني في الروضة للمصادفة تمشي وراءنا. اقتربت بهدوء وبرود وقالت هامسة:

ـ هذا الذي تأكله هو طعام للكلاب، ثم أضافت لتلميذها/ ابني، ناصحة: عليك أن لا تختار من رفوف طعام الكلاب والقطط وبقية الحيوانات.

ركض ابني بسرعة كعادته ولحقت به أتبع خطاه لاهثة.

يركض هذا الولد غير عابئ بوجود كلاب تتنزه أحياناً بدون حبل صاحبها، ذلك لأنه يحب الكلاب ولا يخافها، أما أنا فأحب الكلاب مثلما أحب كل مخلوقات الله، لكني أخافها..

كنت أحسب كم أحتاج أن أسرع كي ألحق به قبل أن يصل إلى الشارع، حين تقافز كلب بحجم الفيل بسرعة هائلة هاجماً باتجاه ابني، لحظة من الزمن، رأيت ابني يطير في الهواء بضعة أمتار ثم يرتمي أرضاً يبكي، ودمه ينزف من أنفه. كان من الصعب التفكير بتعقل، لذلك لم أركض باتجاه ابني، جلست على الأرض وتناولت هاتفي كي أتصل بالإسعاف. اقترب صاحب الكلب/ الفيل متسائلاً بلطف بارد:

ـ هل أنت بخير؟

سألته بضعف:

ـ هل هذا كلبك؟

أجاب ضاحكاً:

ـ نعم، أراد أن يلاعب طفلك، كلبي عمره ستة شهور، وهو يحب الصغار بعمر طفلك، ويحب اللعب معهم، لا تحكمي عليه من خلال حجمه إنه مازال صغيراً..

فكرت: “وكيف سيصبح حجمه إذن حين يكبر؟”

أخذ مني هاتفي ليشرح لموظفة الإسعاف أن كلبه كبير الحجم نعم لكنه لطيف جداً ويحب اللعب مع الصغار.. فهمت أن موظفة الإسعاف اكتفت بسؤاله إن كان كلبه ملقحاً ولديه شهادة طبية، أخذت بعض الأرقام، وأغلقت الهاتف.

التفتُّ إلى ابني فوجدته يمسح دم أنفه بكمه ويركض وراء الكلب.. استدرت إلى الشاب ولم أعرف بم أوبخه إلا بقول:

ـ نحن لا نفهم الكلاب..

فهز رأسه متفهما وقال:

ـ هذا واضح عليك.

ـ عليك أن تربطه..

أجابني معاتباً:

ـ إنه يحب الركض كطفلك، يحب الحرية.

متراخية الأطراف حملت طفلي ومضيت إلى محطة المترو. طفلي يفضل المصعد على الأدراج، طلبت المصعد منصاعة له، ووقفنا ننتظر وأنا أعنّفه لأنه لا يقبل الصعود على الدرج، وما إن وصل المصعد حتى خرج منه كلب مع صاحبه، وشمشم أقدامنا كالعادة، وما إن دخلنا وأوشكنا أن نضغط زر الصعود حتى قفز كلب آخر ودخل المصعد، لحق به صاحبه منصاعاً وراح يعنّفه، لأنه فضل المصعد أيضاً على الدرج. كان الكلب غير مكترث بتعنيف صاحبه، كان مستعداً للانقضاض علي، لأنه لمح مني نظرة عداء حين صرت معه في متر مربع واحد.

أخذنا مقعدنا المناسب، كانت معظم الملصقات في القطار التي تروج لبضاعة أو لأمر ما، أبطالها من القطط والكلاب والخنازير الوردية.

ازدحم القطار في المحطة التالية، وجلست بجانبنا صبية لا تتجاوز الثانية عشرة، معها كلب مدلل ناصع البياض، كانت مستمتعة بصحبتها له وتبدو كالصور التي كنا نراها في المجلات، بيدها هرم من الآيس كريم، راحت تلحس منه وتتقاسمه مع كلبها، لحسة لها ولحسة له. لحسة للكلب ولحسة لها، ثم نظرت إلى ابني بلطف، وابتسمت.. وقع قلبي، خشيت أن تشركه لحسات الآيس كريم، فركضت تاركة القطار في المحطة التالية.

حدائق كثيرة ومروج واسعة ولنا الحرية باختيار مكان مناسب للعب، لكن ابني آثر بقعة مسورة لم نجربها من قبل ولم يخطر ببالي أن أقرأ ما هو مكتوب على بابها.

دفعنا باب السور ودخلنا كما نفعل عادة في كل الأماكن، وما إن قطعنا مسافة من ممر مزين بالورود والعرائش حتى وصلنا إلى هضبة حسبتها الجنة، لشدة نضارة مرجها، كنت أهم أن أرتاح على هذا المخمل، حين راح يتقافز في وجهي عدد من الكلاب، من كل الأنواع والألوان والأشكال وأصوات العواء..

هذه المرة لم أنتظر أن آخذ ابني معي، تركته مع الكلاب وهربت إلى الخارج.. حين تلفت ابني ولم يجدني، لحق بي باكياً لأني لم أمكث كي نشاهد ونشارك أصحاب الكلاب استعراض كلابهم. نظرت في لوحة المدخل وإذا هي مكان مخصص للقاءات الكلاب ولتحريرهم ولهوهم و تدريبهم..

عدنا أدراجنا. أجبرت ابني أن نترك المترو، حتى لا يجبرني على أخذ المصعد واحتمال مشاركة كلب مساحة المتر المربع الواحد، ومضينا إلى موقف الباص.. ابني يحب المقعد الأخير الطويل من الباص، لأنه أكثر علوا من بقية المقاعد ويهيئ له إطلالة أوسع. كنت أستغرب حين أجلس في هذا المقعد أن فرشه دائما أكثر استهلاكاً من المقاعد الأخرى، وكنت أحلل الأمر أن الأطفال يحبون المقعد الأخير ويقفون بأحذيتهم مثل ابني ليطلوا من الشباك مما يؤثر على مخمل المقعد.. رحت أرقب المواقف والناس وأحمد ربي أن أصحاب الكلاب لا يفضلون الباصات كثيراً للتنقل.

صعدت امرأة مسنة وجلست إلى جانبي، شقراء ومسبقة الجمال، كنت أحدق في شالها شديد الأناقة وتسريحة شعرها ومعطفها الفخم وبروش ياقتها وصباغ أظافرها وخاتمها، ثم في سلة تحملها، مصنوعة من القش غاية في الذوق مفتوحة الغطاء، ومبطنة بكتان سكري اللون نظيف وجديد، رحت أخمن ما محتوى السلة، حين قفز كلب صغير من داخلها، شهقت من دهشتي.. أعادته ضاحكة إلى سلته، وسمحت لوجهه فقط أن يطل. منعت ابني الذي شده كلب السلة من أن يستثيره. راحت تحدثني كيف أنها للتو اقتنت الكلب. قالت تشكي همّها:

ـ لدي في البيت ثلاثة كلاب، وأنا لا أستطيع العناية بهم جميعاً، لا أستطيع أن أخرج بثلاثة كلاب كل يوم للنزهة.. واليوم صاروا أربعة.

فاقترحت عليها أن تخرج كل يوم مع واحد.

أجابتني مستهجنة اقتراحي:

ـ يجب أن يخرج كل كلب مرتين للنزهة في اليوم.
فسألتها:

ـ وماذا تفعلين؟

ـ أدفع نصف مرتب تقاعدي للروضة.

ـ هل لديك أطفال؟

أجابت مصححة ومستنكرة أني لا أفهم:

ـ روضة الكلاب. وأشارت بيدها إلى الشارع الذي تسكن فيه وفيه روضة كلابها.
سألتها:

ـ وإذا كنت متعبة من رعاية ثلاثة كلاب، لماذا اشتريت هذا الرابع الآن؟.

لم يعجبها كلمة شراء، قالت:

ـ كنت أتمشى، حين رأيته في الفترين، كان ينظر إلي بشكل مؤثر جدا، كأنه يدعوني لأخذه من مكانه، أضافت وقد كادت أن تطفر الدموع من عينيها: لم أستطع أن أقاوم نظرات استعطافه، لذلك اشتريته.

قفز الكلب مرة ثانية باتجاهي، فصحت كاذبة:

ـ لدي حساسية من فراء الحيوانات.. أرجوك أمسكيه.

قالت:

ـ إذا كان لديك حساسية من فراء الكلاب، لماذا تجلسين في المقاعد المخصصة للكلاب؟.

تبين أن المقعد الطويل الأخير من الباص مخصص للكلاب.

حملت ابني وتركت الباص للكلب وصاحبته.

ذهبت ليلاً لزيارة صديقة سويدية. فتحت الباب حاضنة كلبها، وأقبلت تعانقني كعادة السويديين، فهم لا يفضلون القبلات. صار الكلب بيني وبينها وصار علي أن أعانق الكلب قبل أن أعانقها. أوشكت أن أبكي، قلت متعبة من كذبة مرض الحساسية:

ـ كلبك جميل جداً، لكن لدي حساسية من الفراء..

شهقت، وراحت تسألني عن الأدوية التي أتناولها من أجل ذلك، لم أعرف بم أجيبها، فقلت:

ـ نسيت اسم الدواء.

استهجنت:

ـ كيف تنسين اسم الدواء الذي تتناولينه منذ طفولتك؟

طلبت إليها أن تضع كلبها في غرفة جانبية لأني أريد أن أصارحها أمراً خطيراً.

قلت لها:

ـ في الحقيقة ليس لدي حساسية من فراء الحيوانات، أنا أخاف من كل الحيوانات، حتى الصرصار.

نظرت إلي باستغراب وحزن:

ـ لكن كلبي لطيف جداً.

وذهبت كي تحضره مرة ثانية. جلست أمامي وراحت تتبادل القبلات مع بوز الكلب، وتشهدني على مدى لطفه.
قالت:

ـ يجب أن لا تحرمي نفسك من حنان الكلب.

ـ الكلب هو كلب بياعة الحليب الذي كان كل صباح يعوي ويركض ورائي وكنت كثيرا ما أرمي السطل بما فيه من يدي وأنال توبيخ أمي فوق خوفي منه. وهو ذاك الكلب المتوحش الذي لحق بأختي وهي ذاهبة إلى عيادتها في تلك الضيعة النائية، عوى وركض وراءها مسافة طويلة مما جعلها تغلق عيادتها عاما كاملا تجتر هلعها من ذلك اليوم. الكلاب تعني تلك المشردة التي ستعضنا وتنقل إلينا الأمراض وهو أقوى شتيمة يستخدمها الناس حين يتقاتلون.

بحت لها بصورة الكلب عندي. أشفقت صديقتنا السويدية علي كثيرا، ومضت إلى الهاتف، ومن دون أن تستشيرني، اتصلت بصديقتها الطبيبة النفسية الشهيرة، وراحت تحجز موعدا لي لزيارة الطبيبة كي أتعالج من عقدي وأدخل عالمهم المتحضر وأنال حقي من حنان الكلب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق