حوار سعيد ناشيد مع «الوقت» (2-2): تعميمُ الفلسفة رهانٌ للديمقراطية والحداثة / نادر المتروك

الوقفة النقديّة للغرب التي يشتغل عليها المفكّر الإستراتيجي سعيد ناشيد؛ يمكن أن تكون مثالاً حيّاً على طبيعته الفكريّة. لا يتخذ ناشيد منطقة وسطى، منزوعة الموقف، في التعاطي مع تراجعات الغرب عن قيمه العلمانيّة، ولكنه يتمسّك – في الوقت نفسه – بتسليط الضوء على الوجوه المرفوضة منه، وبالتالي التأكيد على أن الغرب ليس حالاً مصمتة أو كياناً مغلقاً. إنه، في الخلاصة، ليس شرّاً مطلقاً، ومن الحماقة التاريخيّة اعتباره مصدراً لكلّ الخير. ينبّه ناشيد إلى نموذج فرنسا باعتباره محلاًّ لأهم المفارقات والإشكالات التي تمثّل اليوم موضوع الأزمة القائمة بين الغرب والإسلام. يشيدُ في هذا الإطار بتأسيسيّة المفكّر الرّاحل إدوارد سعيد، والذي استوعب المكوّنات الأولى للتعصّب الاستعلائي في فرنسا. يذكر أن ناشيد وضع مؤلفاً خاصاً دَرَس فيه علاقة ”اليسار الفرنسي والإسلام”. في الجزء الأخير من الحوار، يتطرّق ناشيد إلى أهمية تدريس الفلسفة، وجعْلها في التداول العام، وذلك لكونها تُسهم في توليد النخب وتجديد التفكير وإنتاج الأسئلة. وحول تقدّم الفلسفة في إيران على العرب؛ يضع ناشيد مجموعة من التفسيرات التي توضّح ذلك. من جهةٍ أخرى، يرصد ناشيد تلك العلاقة الجدلية بين الإسلام والعلمانية، موضّحاً المسارات التي تتحرّك فيها العلمانية داخل السياق الدّيني، وهي ملاحظات يعكف على بحثها مفصلاً في مشروع جديد بعنوان ”الاختيار العلماني وأسطورة النموذج”.

س: ثمّة خلاف حول حقيقة ”الفلسفة الإسلاميّة” فيما بين الإسلاميين أنفسهم، وبين الدّارسين للفلسفة، والخلاف يدور حول مدى صحّة التسمية (الفلسفة الإسلاميّة) إلى الاشتباك حول إشكالية العقل الفلسفي (العقلانيّة) ذاتها في الفكر العربي والإسلامي المعاصر. هل تصلح الفلسفة مستنداً للنهضة والتجديد اليوم؟

ناشد: يعدّ تعميم الفلسفة – وفق تصور يقوم على وضوح الكفايات المستهدفة وجودة النتائج المتحققة – رهاناً جوهرياً من رهانات الدّيمقراطية والحداثة، إذ ان الفلسفة أداة فعاّلة للتثقيف الشعبي، وهي تفرز لدى الشعوب نخبَ التنوير وتمثل إحدى الدّعامات الأساسية للعقل التواصلي، وتساعد على إنتاج القيادات الفكرية والميدانية الحكيمة، وهي فضلا عن ذلك، تنمّي قدرة المواطنين على الحوار التفاعلي والتفكير التشاركي، على نحو ما كان يفعل أبو الفلسفة سقراط داخل السّاحة العمومية (الأغورا). لذلك تحرص معظم الدّول الديمقراطية في العالم المتقدّم، على تعميم تدريس الفلسفة في كافة الشُّعَب والمعاهد والجامعات، وتتبنّى الكثير من المؤسسات التربوية والتعليمية برامج وورشات لتعليم التفكير الفلسفي للأطفال منذ سنٍّ مبكرة، بل ثمة في بعض الأحيان، ورشات لفائدة أطفال لم تتجاوز أعمارهم سن الرّابعة، وتحتضن بعض المدن الصناعية مقاهي تندرج ضمن ما يُعرف بالمقهى الفلسفي. وقد حصل الفيلسوف الفرنسي مشيل أونفراي، على منحة خاصة من الدولة، لكي يتفرّغ لإحدى أشهر تجارب الجامعات الشعبية في العالم؛ تجربة يُعدّ فيها تعلم الفلسفة وسيلة أساسية للتثقيف الشعبي ولإذكاء روح التساؤل الدائم والسؤال المفتوح، وتحرير الناس من النزعات الإطلاقية المنتجة للتعصب والانغلاق. هذا في الوقت الذي يتحدّث فيه جاك ديريدا عن الحقّ في الفلسفة، بما يعني اعتبار التفلسف من ضمن الحقوق الأساسية للإنسان.

الفلسفة بين إيران والعرب

س: برأيك، ما أسباب ضعف الإنتاج الفلسفي الإسلامي في المنطقة العربيّة، بالمقارنة مثلاً مع الإنتاج الفلسفي الإيراني (الإسلامي)؟ هل يمكن إحالة ذلك إلى طبيعة الفكر الإسلامي الغالب على العرب؟ أيمكن ربْط التدهور الفكري العام في العالم العربي اليوم بغياب الأعمال الفلسفيّة الكبرى؟

ناشد: بالنسبة لإيران، يبدو أن عوامل كثيرة ساهمت في وجود إنتاج فلسفي إيراني يتفوّق على نظيره العربي، تلك العوامل يمكننا أن نجملها في ثلاث: أولاً؛ غلبة العقل العرفاني على تاريخ الثقافة في إيران، في مقابل غلبة العقل البياني في تاريخ الثقافة العربيّة، علماً بأن استعدادات التفلسف كامنة في العقل العرفاني أكثر من العقل البياني. ثانياً؛ وجود صراع أفكار حقيقي في إيران، صراعٍ ينطلق من حالة التوثر والاشتباك المفاهيمي التي طبعت نصوص وكتابات قائد الثورة الرّاحل الخميني، كما تطبع العلاقة بين السلطة العمودية والتي يهيمن عليها مجلسُ صيانة الدستور، والسلطة الأفقية والتي يتحكم فيها البرلمانُ المنتخب. ثالثاً، احتضان الحوزات الدّينية لمواد ومعارف تتعلق بالفلسفة والمنطق. أما مشكلتنا في العالم العربي فهي أننا كثيراً ما نعتبر التفكير الفلسفي من الكماليات، أو أننا نختزن في لاوعينا، تكفيرَ الفقهاء وعلى رأسهم ابن تيمية، للفلسفة والفلاسفة، ونعتقد في أحيان كثيرة أن الفلسفة تمثل تهديداً لأمن البلاد والعباد، فنراهن على الوعي الحسّي لدى الشعوب، رهاناً تلتقي حوله اليوم، البرامج الإعلامية الدّينية مع البرامج الإعلامية الترفيهية في مخاطبة العقل الحسي وتنمية الوعي الحسي لدى الشعوب، على أن النتائج لا تأتي إلا مخيّبة للآمال، إذ ها هي بعض الدّول التي حّرمت وما تزال تحّرم تدريس الفلسفة، تنجب مشاريع إرهابيين أكثر مما تنجب من مثقفين.

العلمانيّة والإسلام.. أو مكرُ التاريخ

س: في ظلّ الخلافات المفاهيمية وتشظّي القيم في الواقع العربي والإسلامي، يمكن تلمّس أطياف للعلمنة تمارسها الدّولة، والجماعات الدّينيّة، وهي ممارسة متحايلة، ونفعيّة، ولكنها جدّية في كثير من الأحيان، لأنها الأساس الذي يتم من خلاله تبرير المواقف والأفكار المطروحة. من جانب آخر، فإنّ هناك علمنة ”إسلاميّة” يشتغل عليها مفكرون تجديديون من داخل ”النصّ الإسلامي”، وهي اشتغالات لازالت تحت التجربة، ومحاطة بالكثير من الاعتراض وضعف المنهجيّة. ما رأيكم في ذلك؟

ناشد: نعم بعض الأهداف العلمانية يمكن تحقيقها من خلال بعض المظاهر الدّينية، وعلى سبيل المثال، فإنّ حزب العدالة والتنمية في تركيا، والموسوم بالحزب الإسلامي، استطاع أن يجعل تركيا قريبة من تحقيق معايير الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، وفي عهده أمسى الأتراك أكثر قبولاً بذلك الإنجاز ”التغريبي”، طالما الغطاء شبه الديني لحزب العدالة والتنمية، قد مكّن الناس من الالتفاف على مخاوفهم وهواجسهم. لكن هذا الأمر لا يتعلق بأية قدرة سحرية للخطاب الدّيني على تحقيق أهداف مغايرة لقيمه، فالكثير من الأهداف تتحقق تحت عناوين مناقضة. وعلى سبيل المثال، فإن الحزب الشيوعي الصيني هو نفسه منْ يقود الصين اليوم نحو أن تصبح قوّة رأسمالية عظمى، كما أن فرنسا شهدت أكبر قدر من الخصخصة إبّان حكومة ليونيل جوسبان الاشتراكيّة. ثم إن إيران إبان حكم آيات الله وفرْض الحجاب على المرأة، شهدت تطوراً كبيراً في نسبة تمدْرس الفتيات. وفي كلّ الأحوال، فإنّ هيجل قد تحدّث عن مكر التاريخ، ويعني بذلك أن أهدافاً تاريخية معينة، قد تتحقق بوسائل مغايرة بل ومناقضة. ومع ذلك فعلينا أن نكون حذرين، ذلك لأن تحقّق بعض الأهداف العلمانية تحت غطاءٍ ديني، لا يعني أن كلّ الأهداف العلمانية وفي كلّ الظروف؛ ستحتاج إلى ذلك الغطاء. والمهم أن نعرف بأنّ الخطاب الديني قد يكون سيفاً ذا حدّين، حين نضرب بأحدهما، فإنّ الآخر قد يرتد فوراً على نحره.

س: وماذا عن تلك العلاقة الملتبسة التي ألمحت إليها بين الإسلام والعلمانية؟

ناشد: بخصوص علاقة الإسلام بالعلمانية؛ فإني أرى بأن الإسلام، حتى ولو اختزلناه في مجرّد ديانة – وهذا ما لا يجوز- فإنه يقوم على فرضية الفصل التام بين المستوى الإلهي والمستوى البشري، وهو الأمر الذي شرحه طويلاً المعتزلة ثم الأشاعرة، وذلك على اعتبار تنزيه الذات الإلهية وتجريدها عن عالم المحسوسات. مثل هذا الفصل بين مدينة الله ومدينة الناس، يمنح للناس فرصة أكبر لتدبير شؤونهم وفق إرادتهم الحرة. وبالطبع، فالنتائج السّياسية في العالم الإسلامي لم تأت منسجمة مع هذا المنطلق الأنطولوجي، وهو ما يعني مرّة أخرى أن التاريخ لا يتجه عبر مسار انسيابي يقيني وآمن. إلاّ أن الانزياح نحو التسلط الديني في تاريخ الإسلام، لا يمنعني من القول بأن تنزيه وتجريد الذات الإلهية في الإسلام، يسوّغ فصل المشيئة الإلهية عن الإرادة البشرية وعن الممارسة السّياسية، هذه الأخيرة التي لا تقوم على غير النسبية والاجتهاد والتقدير الحر للمنافع والمصالح المتغيرة في الزمان والمكان، بمنأى عن المطلقات الدّينية.

فرنسا وعلاقتها بالغرب.. تشريع الاستعمار

س: كانت رؤية الآخر (الغرب) للإسلام إشكالية على الدّوام. في حقبة ما يُسمى بالإسلاميات الكلاسيكية؛ كانت الرؤية الاستشراقية تستبطن مركزيّة سرعان ما تحوّلت إلى لون من الاستعلاء الثقافي والإمبريالي، وكانت الرّؤى المعاصرة التي اعتمدت المنهجيات الحديثة أكثر ضراوة في إشكاليتها، وذلك لكونها قدّمت نقديّات صارمة – معرفياً – ولكنها لم تتجاوز طابع الصّدمة في مقاربتها للمكوّنات التراثية والوحيانية للإسلام.

س: من خلال دراستك الموسّعة في هذا الشأن، كيف تقدّمون تحوّلات الآخر (الغرب، نموذج فرنسا مثلا) في رؤيته للإسلام؟

ناشد: هناك إشاعة تسري داخل الفضاء الأوروبي، تقول بوجود غزو إسلامي لأوروباً، يتم عبر مسارين؛ الهجرة والأسلمة. لا يعدو أن يكون الأمر سوى تهويل ممنهج، يشوّش على العلاقات الاستراتيجية بين الغرب والعالم الإسلامي، ويلقي بثقله على النقاش حول اندماج تركيا في الاتحاد الأوروبي، تهويل تتغذّى منه الكثيرُ من الأطراف؛ فاليمين المتطرف يجعله يافطة لمقاربة متشدّدة لمسألة الهجرة، والفاتيكان ومنظماته يتخذونه دليلاً على أن انسحاب المسيحية عن المجتمعات الأوروبية سيشرع الباب فسيحاً أمام أسلمتها، ويظلّ اليسار منقسماً حول هذا الموضوع، ففي فرنسا مثلاً، يختلف الموقف بين ”يسار جمهوري” ينطلق من مبدأ تفوّق قيم الجمهورية الفرنسية على قيم الإسلام، وأن الواجب يستدعي حماية الجمهورية من أي تأثير إسلامي على قيمها، وبين ”يسار ليبرالي” ينطلق من نسبية القيم، ومن قابلية جميع القيم على أن تتجاوز نفسها، بعيداً عن أية نزعة إطلاقية، ومن أبرز روّاد هذا التيار الفيلسوف الفرنسي ألان غريش. في فرنسا تغلب النزعة الجمهورية على النزعة الليبرالية، هذه الأخيرة التي لا تجد في الغالب أي ترحيب خارج دائرة اليسار الجذري وفلاسفة ما بعد الحداثة، ولذلك نرى كيف تمثل فرنسا بالفعل، الوجه الأكثر إشكالا في علاقة الغرب بالإسلام؛ إنها البلد الغربي الوحيد الذي أصدر قانوناً ينص صراحة على إيجابيات الاستعمار، حيث صادق البرلمان الفرنسي يوم 23 فبراير/ شباط ,2005 على مقترح القانون، والذي يقول في بنده الأول بأن الأمة الفرنسية تعتز بمنجزات فرنسا في كلّ من الجزائر والمغرب وتونس والهند الصينية، ويدعو في بنده الرابع إلى إدراج ذلك الاعتراف ضمن المقرّرات الدّراسية. ولعل الأمر هنا يتعلق بسابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ البشري، قد يكون لها ما بعدها.

نقد التعصّب الاستعلائي للغرب

س: وهل استطاع المفكرون والفلاسفة الغربيون المعاصرون اقتراح رؤى منهجية صالحة (وليس من المهم أن تكون صحيحة) في تغطية الإسلام – بالمعنى الذي درسه إدوارد سعيد في دراسته الشهيرة-؟ أم أن ثمّة إحباطا في هذا الإطار (تجربة فوكو مثلا مع الثورة الإيرانية)؟

ناشد: حذاقة ناقد الاستشراق إدوارد سعيد، تتجلى في انتباهه المبكر، ومن خلال الكثير من دراساته النقدية، إلى المشهد الثقافي الفرنسي، والذي لم يتخلص من ميوله نحو التعصّب الاستعلائي، وقد رأينا بعض مظاهر هذه الميول في مصادقة البرلمان الفرنسي على مقترح القانون حول إيجابيات الاستعمار. فرنسا كانت أسبق الدّول الأوروبية إلى ظاهرة الاستعمار العالمي في العصر الحديث، ومن مفارقات التاريخ، أن رفاعة الطهطاوي، عندما كان داخل فرنسا يتشرّب روح التنوير ويترجمها إلى العالم العربي، كانت فرنسا تزحف بجنودها لاحتلال الجزائر، مدشنة بذلك مرحلة طويلة من التوثر بين قيم الأنوار وقيم الاستعمار. على أن التاريخ حمل مفارقة أخرى، ذلك أن فرنسا عندما كانت لا تزال تفكر في احتلال مصر أو الجزائر، نشأ داخلها تيارٌ يُسمى بالسانسيمونيين. هؤلاء اختار الكثير منهم النزوح إلى مصر، حيث تعاونوا مع محمد علي، خبراء في مختلف مجالات العلم والتقنية والصناعة، وكانوا يحلمون بنوع من المواطنة الأورومتوسطية على قاعدة التعاون بين الشرق والغرب والمساواة الكاملة بين الشعوب والأفراد، ثم نزحوا إلى الجزائر على أمل استباق الرّوح الاستعمارية، لكن لم يمرّ وقت طويل حتى قامت سلطات الاستعمار الفرنسي باستئصالهم من جذورهم. بعض الناجين تحوّلوا إلى الإسلام احتجاجاً على مجازر الاستعمار، وآخرون رحلوا أو عادوا إلى مصر قبل أن يُسدَل الستار على قرن اصطلح عليه الكثيرون بقرن السانسيمونيين. واليوم، يتوقع البعض بأن مآسي الاحتلال في الشرق الأوسط، قد تعيد الاعتبار لبعض قيم السانسيمونيين، لاسيما وأن نوعية الماركسية التي سبق لها أن هيمنت على القرن العشرين، قد ساهمت بدورها في حشر السانسيمونية ضمن زاوية النزعات الطوباوية الحالمة والمتجاوزة. لكن متى كانت أحلام البشر قابلة للتجاوز؟ وهنا أودّ العودة إلى إدوارد سعيد لكي أخلص في الأخير، إلى أن الناقد الكبير للاستشراق قد رسم لنا أفق التفكير الممكن، حيث إننا لن نفكر هذه المرّة ولن يكون بوسعنا أن نفكر، إلاّ من داخل الغرب وضدّه في نفس الآن، من داخل مشروع التنوير الأوروبي ومبادئ الحرية والمساواة والتضامن بين بني البشر، وضدّ النموذج الغربي القائم على المنافسة والاحتكار والهيمنة والتفوق، من داخل قيم العقل والتكامل وضدّ أسطورة النموذج.

عن صحيفة الوقت البحرينية 15/1/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق