حوار شخصي وصريح مع إسلامي سوري في شؤون الإسلام والحرية والعقل والدولة (1)

لم يجد الأستاذ الطاهر إبراهيم ما يصف به مقالي
“قضية محمد حجازي وحرية الاعتقاد الديني” غير أنه “سقطة كبرى” (مقاله “الإسلام وحرية الاعتقاد الديني.. ردا على ياسين الحاج صالح”، وقد نشر في موقعي “الرأي” و”أخبار الشرق”.

وتعبيرا عن حسن ظنه بي،أردف الرجل أنه لم يكن لمثلي أن يتورط بمثلها. سيوضح هذا الرد المطول سبب “تورطي” ويظهر مداه. لكن لنبدأ أولا بالتساؤل عما جعل المقال “سقطة كبرى”. يورد الكاتب والناشط الإسلامي السوري المنفي ثلاث قضايا يبدو أني جانبت الصواب فيها. أولاها مسألة حرية الاعتقاد، والثانية تمكين النساء من حق الطلاق، والثالثة قولي ما لا يليق بحق الذات الإلهية.

سأغتنم فرصة الرد على الأستاذ إبراهيم لتوضيح ما آمل أنه موقف عقلاني وديمقراطي من القضايا الثلاث، وللدفع نحو نقاش وطني منتج حول مسائل تقع عند التقاطع الخطر للدين والسياسة، فتمس حاضر سورية ومستقبلها من جهة، وتطل على فهمنا للدين الإسلامي وعلاقته بالحياة العامة والقانون والحريات والثقافة من جهة أخرى. وتتصل، بعد، بموقع الإسلام في العالم المعاصر.

من وراء مقاله، يخاطب هذا الرد المطول “إشكالية” الأستاذ الطاهر إبراهيم، أي ما يسند مقاله من افتراضات ومسلمات. وسأحرص على أن يكون النقاش مباشرا وشخصيا وصريحا. وسأعرض موقفي دونما تقية وممالأة، دونما لين أو مجاملة حيال أفكار وقناعات أتحفظ عليها أو أرفضها، ودونما تنطع واستفزاز مجاني. الوضوح والاتساق والاحترام، هي السجايا الثلاثة التي تصبو هذه المناقشة إلى التحلي بها. وكانت هذه خطتي قبل أن يكتب الأستاذ الطاهر إبراهيم مقالين إضافيين يرد فيهما على كل من محمد علي الأتاسي وأحمد مولود الطيار، ويلطف فيهما لغة مقالته الأولى وأحكامها.
الطلاق وصراع الشرعيات
أبدأ بقضية الطلاق. كنت أوردتها في مقالي الأصلي لا لذاتها، بل من باب التمثيل على أن تغيير الاعتقاد الديني يتعين أن يشبه الحق في الطلاق: كفالته لا تعني الدعوة إليه. ولم أعرّج على تمكين النساء من الحق في الطلاق إلا في سياق تعبير عن الحرص على تهذيب هذا السلاح والدفاع عن ثقافة زواجية مختلفة عن القائمة اليوم في مجتمعاتنا، ثقافة تراعي المساواة، وإن شاء ناقدي “المودة والرحمة”، بين الأزواج. وقستُ على ذلك أن إطلاق حرية الاعتقاد في المجتمعات الإسلامية المعاصرة يقتضي في الواقع ما قد يوصف بأنه ثقافة إسلامية جديدة، تشتغل على روح الأفراد وضمائرهم وليس على العصبية والهوية، على الإيمان بالله لا على التعصب للدين. وكما أن ثقافة زواجية أكثر إنسانية تتعارض في آن مع إنكار الحق في الطلاق ومع إرساله تعسفيا وحصره بيد الجنس الأقوى، فإني أفترض أن إسلاما أكثر مودة حيال الروح هو إسلام لا يتحمل حرية الاعتقاد الديني فقط، وإنما هو لا يعيش من دونها. ولقد اتخذت العلاقة الزوجية مثالا للعلاقة الاعتقادية (أو قست هذه على تلك) لأني افترضت أن المثال واضح لا يكاد يثير جدلا.

فإذا به يغدو نقطة خلافية عند أستاذنا الطاهر. وإذ بالمعارض الإسلامي يدافع عن حصر الطلاق بيد الرجال، ويؤسسه على سيكولوجية متقادمة ومتعسفة في ذكوريتها، تفترض أنالمرأة “سريعة التأثر تثور وتغضب، فتبادر لإيقاع الطلاق على زوجها لأتفه الأسباب فيما لو كانت العصمة بيدها. أما الرجل فهو يَعُدّ للعشرة –حفاظا على أطفاله أو لأسباب مادية- قبل أن يوقع يمين الطلاق”. والحال، إن الملاحظة المطردة في مجتمعاتنا تظهر أن النساء أكثر حرصا على الأسرة من الرجال، وأن فرص المرأة المطلقة في الزواج من جديد أدنى بكثير من فرص الرجل المطلق، وأن النساء يخشين الوحدة أكثر من الرجال (في هذا الشأن ثمة مثل مصري بليغ: “ظل راجل ولا ظل حيطة”!)، وأنهن تاليا من قد يعددن للعشرة قبل “إيقاع يمين” الطلاق لو مُكّن منه. ولأن قضية الطلاق كانت تمثيلا على ممثول في مقالي، لم تستدع مني الإشارة إلى أن ثقافة زواجية أكثر إنسانية تقتضي أن يغدو الطلاق شأنا تتولاه المحاكم، وليس يمينا يوقع في لحظة انفعال أو طيش.

وبصرف النظر عن ذلك، فإن ما يؤسس تمكينا متساويا للرجال والنساء في الحق في الطلاق هو المساواة الحقوقية بين الجنسين. الأستاذ الطاهر إبراهيم يرفضها لأسباب فقهية، ويسند رفضه إلى سيكولوجيا قديمة، وأنا أنحاز إليها على أسس فكرية وفلسفية مختلفة، هي أيضا أسس الدولة الحديثة ومفهوم المواطنة ومبادئ حقوق الإنسان. هاتان شرعيتان متنازعتان اليوم في مجتمعاتنا، وتنازعهما مصدر توتر سياسي واجتماعي ونفسي وفكري ملحوظ فيها. وكنت في مقالة أخرى (“أمتان”: حكم ذاتي إسلامي في دولة علمانية، أو العكس) بنيت على ثنائية الشرعية الإسلامية الحداثية هذه تصورا لنظام سياسي يقوم على حكم ذاتي إسلامي واسع ضمن دولة علمانية، أو حكم علماني واسع ضمن دولة إسلامية، أي ازدواجية قانونية في دولة واحدة، تجنبا للعنف أو انقسام الدول. لم أتبن هذا النموذج. قادني إليه صراع الشرعيات في مجتمعاتنا الراهنة. ما أدافع عنه هو شرعية واحدة، ونظام قانوني واحد. الشرعية والنظام القانوني الذي يكفل المساواة بين مواطنين مختلفين في الدين والمذهب والإثنية والجنس، هو الذي يفوز بالهيمنة والسيادة. إنها، بكلمة واحدة، شرعية علمانية (أو مدنية، إذ “لا مشاحة في الاصطلاح” عل قول الفقهاء الإسلاميين القدامى). لماذا؟ لأن هذه تكفل مبدئيا مساواة بين الناس المختلفين وتصدر أصلا عن افتراض المساواة، وهي تقبل التعديل أيضا بحيث يدنو الواقعي من المبدئي. الشرعية الإسلامية في صيغة “الشريعة” تنكر المساواة من حيث المبدأ (بين الجنسين، بين المسلمين وغير المسلمين..)، وتاليا لن تسعى لتحقيقها في الواقع. ولن تكون مساهمة الشريعة الإسلامية في بناء الشرعية الوطنية أكبر إلا بقدر ما يتطور فهم جديد لها يستوعب مطلب المساواة.

يخرج النقاش في هذا الشأن مسألة الطلاق، لكنه يتصل بمجمل هذه المناقشة حول الحرية الدينية والنظام القانوني والعلاقة بين الإسلام والدولة في مجتمعاتنا المعاصرة. ويبدو لي أن صراع الشرعيات هذا ينذر مجتمعاتنا بالتفكك والانهيار، أو بمستقبل من النزاعات الأهلية الخطيرة. وهو يفضي في أحسن الأحوال إلى تشكل طائفي للمجتمعات المعنية، أي تعايش شرعيتين أو عدة شرعيات، توافق إلى هذا الحد أو ذاك الجماعات الدينية والمذهبية القائمة. ومن سيدفع ثمن تطور كهذا هم أولا المثقفون والناشطون المستقلون الذين يرفضون الالتحاق بالطوائف والجماعات الدينية.

ولا ينفصل صراع الشرعيات عن واقع أن حداثتنا الواقعية، وأحيل هنا إلى سورية، لم تقترن بضمان الحرية والمساواة بين المواطنين، فكان أن تعطلت عملية تشكيل مجتمع وطني موحد الشرعية، يستوعب الشريعة الإسلامية ويضمن لها مقاما مستقلا في معاملات المجتمع المدني. آلت حداثة الأمر الواقع لدينا إلى تشكل هجين، عاجز عن تكوين أمة مواطنين حديثة. وهذا هو منبع الطائفية. فهذه ليست هي الأمة الحديثة ولا هي الملة القديمة، إنها تشكيل اجتماعي محدث في دوافعه ورهاناته، يستحضر من الماضي ذاكرة وتاريخا يديمانه. والإسلاميون لا يملكون حلا للمشكلة. الواقع أن النموذج الذي يدعون إليه هو ذاته طائفي، لا يضمن المواطنة ولا المساواة.

ويبدو أن ثنائية الشرعية هذه تفوت إدراك الإسلاميين. لكن لو فكروا قليلا في تكوين المجتمع السوري لتبدى لهم أن فرض شرعية إسلامية في سورية هو وصفة لتفجير البلد لا أكثر ولا اقل. هذا واقع صلب، لا تبخره حماسة دينية ولا مداورة إيديولوجية. والأصل فيه تحول تاريخي كبير يفوت بدوره إدراك الإسلاميين: لقد تحول الإسلام في مجتمعاتنا “الإسلامية” نفسها من “الأمة” إلى طائفة. اليوم ليس لدينا أمة، لسنا أمة كسوريين ولا كعرب ولا كمسلمين. وليس هناك شرعية توحدنا، تضمن لنا المساواة، وتكون موحدة هي ذاتها. الأمة الإسلامية شيء من الماضي. وما يبقي طيفها حيا هو حرماننا من أمة /أمم حديثة.
جبروت المفاهيم وحرية الاعتقاد
النقطية الثانية والأساسية في مقالة الطاهر إبراهيم تتصل بحرية الاعتقاد الديني. كنت قلت في مقالي الأصلي إن “حرية الاعتقاد لا معنى لها إن لم تشمل حرية عدم الاعتقاد وحرية تغيير الاعتقاد، وكذلك “حرية التحير” في قضايا الاعتقاد”. الكاتب الإخواني يقر مبدأ عدم الاعتقاد، فقد “منع الإسلامُ منعا باتا إكراه غير المسلم على اعتناق الإسلام”. يستطيع المسيحيون واليهود أن لا يسلموا (في بلد السيادة فيه للمسلمين)، والإسلام لن يجبرهم على اعتناقه. واضح أنه يفهم حرية الاعتقاد في وصفها حرية غير المسلمين في عدم اعتناق الإسلام. لكن هل يستطيع المسلم، من وجد أباه على ملة الإسلام، أن يمتنع عن تقليده ويتحول عن الإسلام، كما يقتضي مفهوم حرية الاعتقاد بالضرورة؟

بداية، كثيرون يفعلون ذلك في الواقع. نصف المسألة فحسب هنا. النصف الآخر يتمثل في إقرار الفكر الإسلامي بأن هذا شأنهم، وأنه لا يتعارض مع الإيمان الإسلامي الحقيقي، بل إن هذا يقتضيه كي يكون نقيا صافيا.فهذا وحده ما يقضي على الازدواجية الأخلاقية والنفاق اللذان يقعدان مجتمعاتنا عن الرقي الأخلاقي، وهو وحده ما يجعل حرية الاعتقاد ثقافة، وليس محض واقع أمي غير معروف وغير معترف به. مبدأ حرية الاعتقاد يعني حق جميع الأفراد وكل فرد في أن يؤمن أو لا يؤمن بأي دين أو عقيدة اجتماعية أو سياسية، دون إكراه أو تعد على القانون العام. وجميع الأفراد يعني جميع المسلمين كما جميع المسيحيين وغيرهم، من جميع الأديان والعقائد.

لا ألح على ذلك تنطعا ولا تعسيرا للتفاهم مع الأستاذ إبراهيم. ألح عليه هنا، كما ألححت في المقال الذي يرد عليه أخونا الطاهر، ببساطة لأن لا الإيمان ولا العقل يستقيمان من دونه. لا يستقيم الإيمان بالقوة. وكما لا يستقيم فرض اليهودية أو المسيحية بالإكراه، لا يستقيم كذلك فرض الإسلام. ولا يستقيم يعني بالمحكية السورية المحببة “ما بيزبط” أو “ما بيركب”. فالعقل “يكربج” إذا فرضْتَ عليه قاعدة تنص على حرية الاعتقاد، ثم أخذت “تبخشها” بالاستثناءات لمصلحة دينك أو مذهبك أو جماعتك. والمجتمع ينشل وينقسم حين تشغّله على الاستثناءات. ما بتزبط يا أخي الطاهر أن لا تشمل حرية الاعتقاد حرية عدم الاعتقاد (أي إن شئت “الإلحاد”)، وحرية تغيير الاعتقاد (ما قد تفضل تسميته “الارتداد”) وحرية التحير في شؤون الاعتقاد (ما قد يسمى “اللاأدرية”). هذه مقتضيات المفهوم، أي ضرورات العقل. وتغيير الاعتقاد وعدم الاعتقاد متضمنان في مفهوم حرية الاعتقاد بقدر ما إن الإسلام متضمن في مفهوم الدين، والعنزة في مفهوم الحيوان الثديي الذي لا يطير. وكما أنه ما من سلطة تستطيع إخراج العنزة من الثدييات، لا يمكن لأية سلطة أيضا أن تخرج تغيير الاعتقاد وعدم الاعتقاد من حرية الاعتقاد. المفاهيم أشد جبروتا من السلطات. فإن أمكن للسلطات كسر المفاهيم، وفرضت على رعاياها الاعتقاد بأن الماعز يطير، قاد ذلك إلى تحطيم العقل ذاته، وانهار كل اعتقاد.

ولا يشتغل العقل دون استقامة المفاهيم، أي دون اتساقها. أنت وأنا شركاء في الاعتراض على النظام البعثي القائم في بلادنا. ليش؟ لأنو يعطي استثناءات للحزب والقرابة والمال والسلطة، لأنه يتجبر فوق المفاهيم، فيجعل الطارئ دائما والكذب حقيقة وطنية والخوف العام أمنا. لأنه كذلك كان يعدم الناس لمجرد انتسابهم إلى حزب معين، ودون النظر إلى ما فعلوا أو لم يفعلوا. طيب شلون بدك إيانا نعترض على الإعدام السياسي اللي أنت بالذات معرض له لو عدت إلى بلدك وندافع عن الإعدام الفقهي أو الديني الذي تتفهمه أنت أو تسوغه، وهي المفارقة التي أبرزها الصديق محمد علي الأتاسي في مقال لامع في “النهار” (24/9/2007) يعلق فيه على مقالك. اعتراضك شكلي حين قلت إنك لم تفت بإعدام “المرتد”. نعم، أنت لم تفت. لكنك لم تتخيل لأحد قولا في هذا الشأن إلا لأهل الفقه، ولم تسق من الاعتبارات إلا ما يسوق “المرتد” منكود الحظ إلى النطع أو إلى سجن مؤبد. والسؤال هنا ماذا يبقى من حرية الرأي والتعبير والحريات السياسية إن لم تكن الحريات الدينية مقررة دستوريا، وترك الحكم للفقهاء و”الحاكم المسلم” في شأنها؟ بالمناسبة، أليست هذه نظرية الحاكمية، أي السيادة العليا والحصرية لما قد تصفه بـ”الشريعة الإسلامية”؟ وهل إلغاء الحزب القومي للحريات مرفوض فيما إلغاء الحريات من قبل الحزب الإسلامي مقبول؟

هالحكي ما بيركب. وتركيبه غصبا هو بمثابة تربيع الدائرة كما يقول الغربيون. وينتمي إلى باب تربيع الدائرة تفسيرك لحرية الاعتقاد بأنها عدم إجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام (لكن مع الترحيب بهم إن تحولوا عن أديانهم إلى الإسلام)، هذا بينما يجبر من فقد إيمانه الإسلامي على أن يبقى في ربقة الإسلام أو يخرج منها بدون رأس. لهذا معنى واحد فيما أرى: الاعتباط والعسف، وهذان ثمرة طلاق مديد بين التدين الإسلامي وكل من العقل والحرية. وهما بعد قرينان في تاريخنا كله: الاعتباط آفة العقل وحسم قضاياه بالسلطة لا بالبرهان، والعسف هو منهج سلطة بلا قانون أو قاعدة عقلية مطردة. اللاعقل لدينا هو الاعتباط واللاقانون أكثر مما هو الأسرار كما كان الأمر في أوربا المسيحية. والعقل تاليا هو الاتساق والاطراد والقانون، وهو ما يساعد على محاصرة الاستبداد والعسف، بل الطغيان، في الأذهان كمقدمة للتغلب عليه في الواقع. التغلب على الاستبداد دون استئصال جذوره من عقولنا هو محض وهم غادر.

وهل تظن أن الدين يكون بخير حين لا يكون العقل بخير؟ وما قيمة إيمان المكره، فاقد الحرية؟ ولنفترض أن السلطات الدينية المصرية، ممثلة بالشيخ يوسف البدري شخصيا، وضعت يدها على محمد حجازي، وخيرته بين أن يتوب أو يعدم، فغلب حب الحياة لديه على الإخلاص للنفس، فجنح إلى التوبة. هل هذا نصر للإسلام؟ أما أنا فأعتقد أنه إهانة للإسلام ولكل مسلم. لقد فازت “الأمة الإسلامية” أو استعادت شخصا جبانا، مسموم القلب، ملوث الروح بالضغينة واحتقار النفس. يا له من فوز! ويوم القيامة، هل يكون النصيب العادل لهذا “المسلم بالإكراه” هو الجنة أم جهنم؟ الله يحاسب الناس كأفراد لا كأمم، أليس كذلك؟ وإلا لذهب جميع المنتسبين إلى الإسلام، بصرف النظر عن أعمالهم، وبمن فيهم الطغاة والفاسدون والقتلة إلى النعيم، وهذا محال. فالله ليس قوميا ولا طائفيا، وهو أيضا ليس مسلما. والمنطقي، إذن، أن يذهب مسلم بالإكراه إلى جهنم لأن قلبه غير عامر بالإيمان. هذا بالطبع حسب المنطق الفقهي الذي تبقى رحمة الله اللامتناهية خارج موازينه ومقاييسه. لكن وفقا للمنطق نفسه، ماذا سيحل بمن أكرهوا شخصا على الإسلام فمنعوه من تحمل مسؤولية خياراته؟ هل يذهبون إلى الجنة؟ هذا غير عادل. فبإكراههم له على الإسلام أضافوا فردا إلى “الأمة”، لكنهم غير قادرين على الشفاعة له يوم الحساب. ولو تركوه وشأنه، لربما عاد واهتدى إلى الإسلام طوعا. ألا يتحملون والحالة هذه مسؤولية إكراهه على الإسلام في الدنيا، مع عجزهم عن ضمان نجاته في الآخرة؟ ألا ينبغي أن يحاسبوا على ذلك؟ هذا كله وفقا لمنطق المحاسبة الفقهية، وهي تبقى رحمة الله وعفوه وغفرانه خارجه كما قلنا.

الآن لنفترض أن نازع البطولة والاستشهاد هو الذي تفوق لدى حجازي، هذا الذي غدا رمزا للحرية الدينية من حيث لا يحتسب، فكان أن أعدم. أليس صنيعه هذا صنيع بطل للدفاع عن حريته وإيمانه وصدقه مع نفسه؟ وعند الله، هل سيذهب إلى النار لأنه غير مسلم (الإسلام هنا “أمة”)، أم إلى الجنة لأنه مستقيم يرفض النفاق والزيف (أي “مسلم” بالمعنى الذي يجعل من الإسلام رسالة الله لهداية الناس، أو يجعل الدين عند الله الإسلام، هذا الذي ينتسب إليه إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد..)؟ وهل من يحكم عليه يوم القيامة هو الله، أم الفقهاء و”الحاكم المسلم”؟ وهل سيطالب هؤلاء الله لأنفسهم بالخلود في النعيم لأنهم قتلوا شخصا، وكان بودهم لو قتلوا أكثر، في سبيله؟ وهل سيأخذ الله برأي هؤلاء وشهاداتهم في ضحاياهم في الدنيا؟ وهل يكون من لم يقتلوا أحدا بحسبانهم له غير مؤمن أقل مرتبة عند الله ممن قتلوا؟

ولعلك تعلم، أيها الأخ المسلم، أن المعتقلين السياسيين في بلدنا، ومنهم معتقلي جماعتك، كان يفرض عليهم أن يوقعوا تعهدا بالتخلي عن أحزابهم وأفكارهم والتعاون مع السلطات. هل هذا مختلف عن الاستتابة؟ وأي فرق بين أن يستتيب الحاكم المسلم من غير دينه وبين أن يستتيب الحاكم البعثي خصومه السياسيين؟ وهل سيكون نصيب أمثالي أن ينتقلوا من الاستتابة البعثية إلى استتابة إسلامية، كما ساءلك أحمد مولود الطيار (النهار، 26/9/2007)؟ أليس لديك خيار آخر تطرحه علينا؟

ستقول، وقد قلت في مقالاتك اللاحقة، إنه أسيء فهمك. أصدقك. لكن ثمة فجوة ثقة عميقة تفصل الإسلاميين عن قطاعات واسعة من المجتمع السوري، تشمل جميع غير المسلمين وغير المسلمين السنيين وشرائح من المسلمين السنيين. هذه الفجوة وجه من وجوه أزمة ثقة وطنية شاملة ومتعددة المستويات تنذر بمستقبل غير مأمون لهذا البلد. وفيما يخص العلاقة مع الإسلاميين تنفتح فجوة الثقة على الريبة في أنهم سيفرضون شرائعهم على الناس، بما فيها أسلمة المجتمع وفرض الدين بالقوة. وأنتم تقولون كلامين: كلام سياسي يوجهه إدراككم للواقع ويتحدث عن الديمقراطية (لكن مقلصة إلى إجراءات)، وكلام “مبدئي” يصدر عن مرجعتيكم ويتحدث عن “تطبيق الشريعة”. هذا يهدد بأن تكون ثقتي الشخصية بما تقول بلا معنى. فالمسألة هي أزمة الثقة الوطنية التي تقتضي منك كلاما ومواقف متسقة.

وخلافا لما ظننت في ردك، فإني لم أفت في حرية الاعتقاد ولم أجتهد. مرجعيتي ليست فقهية ولا تتحرك ضمن أفق الإفتاء والاجتهاد. أتحرك ضمن دائرة مختلفة تماما، دائرة القيم الإنسانية العامة من مساواة وحرية وعدالة وكرامة إنسانية متكافئة واحترام متبادل، وهي تتكثف في وثيقة يعرفها الأستاذ إبراهيم بلا ريب: الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وهو الميثاق الذي نستند إليه، الطاهر إبراهيم وأنا وغيرنا، في إدانة القانون 49 في سورية ومحكمة أمن الدولة، وباسم مبادئه ندعو إلى الإفراج الفوري عن معتقلي الرأي، وكذلك عن المعتقلين السياسيين أو تقديم هؤلاء على محاكم عادلة وغير استثنائية.

وكي يكون الحوار صريحا مع أخينا الطاهر فإنه يمكن بالاستناد إلى الميثاق هذا التنديد بما يتعرض له الإسلاميون، بما فيهم معتقلي القاعدة في غوانتانامو، من تمييز واضطهاد. هل يمكن الاستناد إلى “الفقه” للدفاع عن حق مواطنك العلماني والشيوعي والليبرالي في عدالة مساوية؟ ألا يخرج الفقه الإسلامي السني المذاهب الإسلامية الأخرى من الإسلام؟ وإذا كنت تناضل من أجل انتصار تصورك القانوني لمجتمع يميز بين المسلمين وغيرهم، ويستتيب من فقد إيمانه، وإلا فيعدمه، فهل تدهش إن وجد من يقاوم مثالك هذا بالقوة؟ وهل يكون موقفي إلا متهافتا حين أدافع عن حقك في التعبير عن آرائك وقناعاتك فيما أنت تصرح الآن، وأنت معارض و”منفي” ويمكن أن تتعرض لتعذيب قد تفقد حياتك تحته إن عدت إلى بلدك، قبل أن تقدم إلى محكمة أمن الدولة العليا التي ستحكم عليك بالإعدام ثم تخففه إلى 12 سنة؛ أقول فيما أنت تصرح الآن أن من يتحول عن الإسلام بعد فقد إيمانه به يعتبر “مرتدا”، يحبس إلى أن يموت في “أهدى” الحالات أو يستتاب ثم يقتل في أكثرها حظوة بـ”الإجماع”؟ أثناء التحقيق المفترض معك، ستدفع بأنك لم تقتل أحدا ولم تفعل شيئا ضد النظام، وأنك تعيش خارج سورية منذ أكثر من ربع قرن. لكن في حوزة محققيك قانون يبيح لهم أن يأخذوا راحتهم وحريتهم معك لمجرد انتسابك إلى الإخوان. ألست تمنح تبريرا لكل تجاوزاتهم اللاإنسانية حين تخير كل من لا يوافق على مرجعيتك ويدافع عن حريته بين أن يكون نسخة منك وإلا “يوقع” على “الانسحاب” من عقيدته، أو يعدم؟

ثم ماذا يبقى من مبدأ فصل السلطات ومن الدولة المدنية التعاقدية القانونية.. التي تضمنها “المشروع السياسي لسورية المستقبل”، وقد أحلتني إليه في مقالك، إذا كنت تنكر حرية الاعتقاد، أو تقوض مفهومها بالاستثناءات، أو تحيل القرار بشأنها إلى “الحاكم المسلم”؟ ماذا يبقى منها إذا كانت أحكام الفقه هي مصدر الشرعية، وهي التي قد تعرض عليها مقالاتي لتقرر ما إذا كنت خرجت على الإسلام أم لا؟ وإذا كانت منظومتك تتسع لواحد من ثلاثة أشخاص في سورية: مسلم مثلك له السيادة؛ أو “كتابي” مسود؛ أو “مرتد” “كافر”، يقام عليه الحد؛ فأين موقع الديمقراطيين والعلمانيين واليساريين، فضلا عن الجماعات المذهبية الإسلامية الأخرى؟ حتام تعتقد أنه يمكن تجنب هذا السؤال؟ أو سؤال حرية الاعتقاد بالمعنى المقرر عالميا، اللصيق بمفاهيم الإنسان والحرية والعقل، والدين ذاته، وليس بالمعني المجزوء الذي قدمته أنت؟ وسؤال “أسلمة المجتمع”: هل تفكرون في فرض الحجاب والفصل بين الجنسين ومنع تقديم الخمور في مطاعم.. إن حزتم السلطة في سورية؟ الإجابة على هذه الأسئلة، صدقني، أهم من “المشروع السياسي..”. الحريات الاجتماعية هذه أهم من أية حريات سياسية ممكنة، ولا يتقدم عليهما معا إلا الأمن. هل ترى أحد أسباب دوام النظام؟

أدرك أنه ليس في وسعك وليس في وسع الإسلاميين السوريين تقديم إجابة متسقة على الأسئلة المذكورة. فهذا يقتضى فكرا إسلاميا متحررا وأكثر ثقة بنفسه وانفتاحا على العالم المعاصر وتياراته الفكرية والفلسفية. وللأسف لا تمتنعون فقط عن الشغل في هذا الاتجاه، بل إنكم تظهرون اكتفاء بما لديكم يتناسب مع فرط انشغالكم السياسي. ولعلك تعلم أن مقتضيات السياسة في مجتمعنا، وربما في كل مكان، تتعارض مع اتخاذ مبادرات فكرية وثقافية ودينية جسورة. فالسياسي منشغل بالتحريض والتعبئة، والتعبئة تقتضي نفي التعدد والاختلاف من داخل مذهبنا أو ديننا أو فكرنا، كل ما من شأنه أن يشوش وحدة العقيدة وتماسكها وصلاحيتها كحبل اعتصام. لذلك لا يجتمع المجدد الفكري والسياسي في شخص واحد. بل لذلك هما خصمان. ويقيني أن حاجتنا لمجددي الفكر ومصلحي الدين أكبر من حاجتنا للسياسيين، عند الإسلاميين وعند غيرهم.

ولعلي محتاج إلى تذكيرك بما كنت أنت مؤهلا لتذكيري به: ورقة “جبهة الخلاص الوطني” التي قدمت قبل عام أو أزيد قليلا، ويصح أن تعتبر “ميثاق شرف اجتماعي”. الورقة تنص على “حرية الاعتقاد والرأي والتعبير في الدين والسياسة والاجتماع والفن، ما لم تحتو هذه الآراء على دعوة إلى العنف، أو التحريض على الفتنة، وضمن حدود النظام والدستور”؛ وتعلن: “المواطنون متساوون أمام القانون بغض النظر انتماءاتهم الدينية والسياسية، ولا يستثنى أحد من حكم القانون لأي سبب كان”؛ وتضيف: “المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، وعدم التفريق بينهما في التعليم والعمل والمعاملات الحياتية والتجارية والقانونية والأجر”. الورقة منسية. لماذا؟ لأنها وراء مظهرها المبدئي ورقة سياسية جدا، صدرت في سياق انخراطكم في تحالف إشكالي وتأليف القلوب حوله، فكانت مبادرة دعائية أو فعل علاقات عامة، وكان طبيعيا أن لا تنال الاهتمام والثقة الذي حظي به “ميثاق الشرف الوطني” قبل أكثر من ستة سنوات.

أعود إلى القول إن المجتمع السوري أشد تعقيدا بكثير من أن يرد إلى صنفين أو ثلاثة من البشر. ثمة مسلمون مؤمنون لا يؤدون الصلاة إلا في المسجد، ويقومون بفروضهم جميعا بدقة متناهية. وثمة مسلمون مؤمنون يؤدون فروضهم أنى تسنى لهم. وثمة مؤمنون مسلمون لا يلتزمون بالفروض، أو يلتزمونها بالمناسبات: شهر رمضان أو أوقات المحن التي يمرون بها. وثمة مسلمون ثقافة وانتماء لكن نصيبهم من الإيمان قليل. وثمة حائرون، قد يتحولون مؤمنين متدينين أو ملحدين. وثمة مسلمون ملحدون. وثمة مسلمون معادون للإسلام. ومن العادي أن يتحول غير مؤمن إلى مؤمن متدين أو متشدد، وأن يتحول مؤمنون من إيمان أصولي إلى إيمان غير أصولي أو أقل مذهبية، وربما يفقدون إيمانهم تماما. سواء تحولوا إلى دين آخر كما فعل محمد حجازي وكثيرون في سورية ومصر، أو اكتفوا بموقف “لا أدري”، أو اتخذوا موقفا نضاليا ضد الدين. لعلك لا تعلم، أو ربما تعلم، أن مسلمين، سنيين وعلويين وربما غيرهم، يتحولون إلى المسيحية ويمارسون الطقوس الدينية المسيحية مع بقائهم رسميا مسلمين لأن الكنائس لا تستطيع قبول تحولهم الرسمي. هذا كله موجود في سورية اليوم، وقد كان موجودا قبل العهد البعثي. وما يحتمل أنه استجد منه أوثق صلة بأزمة التدين والفكر والعمل الإسلامي منه بطبيعة النظام الحاكم. هذا أيضا دون قول شيء عن جماعات مذهبية إسلامية غير سنية، بينها أيضا مؤمنون بعقائدهم وغير مؤمنين. وفي كل الحالات ما من تطابق بين الأخلاق والتدين. فكثير من المتدينين ليسوا أنقياء القلب ولا مستقيمي السلوك. وكثير من غير المتدينين وغير المؤمنين مستقيمون متجردون نزهاء. التفكير الديني الإسلامي لا يمكن أن يتقدم خطوة واحدة إن لم ينطلق من وقائع بسيطة وأساسية كهذه.

أذكر هذه التفصيلات لأقول إن رد المجتمع السوري، وأي مجتمع آخر حتى السعودية، إلى مسلمين ملتزمين وكتابيين، أي إلى جماعات معرفة حصرا بأديانها، تبسيطي وخطير و”أصولي”. فالأصولية تجمع بين تصور اختزالي للمجتمع، يقسمه إلى أخيار وأشرار، أهل دين ومن لا دين لهم، تقدميون ورجعيون، علمانيون و”أصوليون”.. إلخ، وإنكار التاريخ. ثم إن معادله السياسي هو نظام ملل في أحسن الأحوال. وحده الاعتراف بتعقد مجتمعاتنا العيانية ينفتح على تطوير نظم سياسية مركبة ومتطورة فيها. فإن شئنا نقدا منتجا للأصولية تعين علينا نقد تصورها التبسيطي هذا وإظهار كم أن مجتمعاتنا معقدة ومتغيرة، والخروج من وعلى العدمية التاريخية الواسمة للفكر الإسلامي المعاصر، التيارات الأصولية بخاصة، أعني اعتبار التاريخ عرضا زائلا على جوهر مجتمعاتنا الإسلامي الثابت والخالد. ومن شأن ذلك أن يساعد على إدراك كم أن الإسلام ذاته معقد وتاريخي ومتعدد (أنوه في هذا السياق بسلسلة “الإسلام واحدا ومتعددا” الصادرة عن دار الطليعة في بيروت ورابطة العقلانيين العرب بإشراف عبد المجيد الشرفي. بين يدي أربعة عشر كتبا منها، متفاوتة القيمة، لكنها تعطي فكرة عن تعدد الإسلام ولا قابليته المطلقة للاختزال إلى نموذج معياري واحد).

أذكر لك التفصيلات تلك أيضا من باب اقتراح تفسير سببي لضعف تأثير الخطاب الإخواني المنفتح سياسيا. فمرجعيته الفقهية المتصلبة تصطدم بمرونته السياسية وتطيح بها. والأهم بعد لأقول لك، ثانية، إن حكما إسلاميا يقوم على “تطبيق الشريعة” هو وصفة لحرب أهلية لا تنتهي، أو لتقسيم البلد. بحكم تكوينها الاجتماعي، سورية لا يمكن أن تحكم إسلاميا. يمكن أن يشارك الإسلاميون في حياتها السياسية، لكن فقط بطريقة حزب العدالة والتنمية في تركيا الحالية.
مرجعية مستقلة
سبق القول إن مرجعيتي ليست فقهية، ولا دينية في الواقع. هذه مرجعيتك أنت. وواضح أنك لا تتخيل غيرها حين تنسب إلي أني أفتيت أو اجتهدت. أو حين تلخص مقالي في ردك على محمد علي الأتاسي: “مقال الحاج صالح يقرر حق المسلم في أن يرتد عن دينه لأن هذا متضمن في حرية الاعتقاد التي كفلها الإسلام” (النهار، 24/9/2007). ليس هذا هو الصواب. لم أحتكم إلى ما تعتبره أنت “حرية الاعتقاد التي كفلها الإسلام”. ولا أتبنى المصطلحية الفقهية التي تسمي من غير دينه، دون إكراه ودون عدوان، مرتدا. تصويرك الأمر على هذا النحو يظهر كم أنت متمركز حول مرجعيتك، لا ترى غيرها، وتجعل منها معيارا لغيرك.

لا أتطرق هنا، ولم أتطرق في مقالي الأصلي، إلى الفقه والآيات القرآنية والأحاديث النبوية لأني أصدر عن مرجعية مختلفة، تكونت في تاريخنا الحديث والمعاصر من تفاعلنا مع العالم من حولنا وتقوم عليها اليوم الدولة في بلادنا والحياة السياسية والثقافة الوطنية. والإسلاميون مطالبون بأن يعترفوا باستقلال وشرعية المرجعية الحداثية هذه، إن شاءوا التفاهم مع غيرهم. لا تقدم خطوة واحدة نحو الديمقراطية دون ذلك.

ولا يقوم إلا على مرجعية حداثية دوري كمثقف. وصفتي هذه هي ما دفعتني للدفاع عن مفهوم متسق لحرية الاعتقاد. هي أيضا ما دفعتني إلى الاطلاع عبر الكتب على أحوال الإسلام والتفكير الإسلامي والحركات الإسلامية والنقاش حول الإسلام. ومما تسنى لي الاطلاع عليه أن حديث من “بدل دينه فاقتلوه” الذي رواه ابن عباس عن النبي هو “حديث آحاد” حسبما يقول أهل الاختصاص. أي أن أحدا غير ابن عباس لم يروه. وهذا يضعه في مرتبة أدنى من حديث متواتر كما تعلم. هذه نقطة. النقطة الثاني أن ابن عباس كان في العاشرة من عمره أو نحوها حين توفي الرسول. أليس في ذلك ما يثير بعض الريبة في روايته أحاديث نبوية، خصوصا أنه من أكثر الرواة حديثا، لا يفوقه إلا أبي هريرة، وأنت أفضل معرفة مني بالمطاعن على الأخير. ثم إن صيغة الحديث توحي بأن المخاطبين هم جمهرة المسلمين، خصوصا أولئك القادرين على تنفيذ الحكم بالمرتدين، أي عيون القوم أو “أهل الحل والعقد”، فكيف حصل أن الحديث لم يرو إلا على لسان طفل في العاشرة؟ أما وروده في صحيح البخاري، فأنت تعلم أن معايير الصحة في كتب الصحاح أوثق صلة بسلسلة النقل منها بالتوافق مع مقاصد الدين أو مع المعقول. والبخاري، كما أي منا، رجل يصيب ويخطئ.

وتعلم أيضا أنه في القرآن ليس ثمة آية واحدة تتضمن ما يشرع هذا الحكم. لم تستطيع أنت نفسك الاستشهاد إلا بآية لا تثبت أنك على صواب: “ومن يرتددْ منكم عن دينه فيمتْ وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون” (البقرة، الآية 217). هذا وعيد بالعقاب الإلهي. ولا علاقة له من قريب أو بعيد بالاستتابة والقتل كما يتضمن مقالك، وكما لا يكف يرغي ويزبد الشيخ يوسف البدري في مصر (بالمناسبة، سورية تختلف كثيرا عن كل من مصر والسعودية؛ وكلما ابتعد الإسلام السوري عن التأثر الفكري والسياسي بهما كان أقدر على تطوير فهم إسلامي أكثر عصرية وسياسة إسلامية أنسب للبلد).

هذا ليس من باب نقاش المسألة على أرضيتك بالذات. فلا شك أن لدى مرجعيتك حجج وبراهين تحرس تكاملها وتصون تماسكها وانغلاقها دون غيرها. هو فقط محاولة لفتح نوافذ من أجل الحوار، نوافذ يطل منها الإنساني والنسبي والتاريخي والدنيوي من وراء سجف المقدس والمطلق، والمتعالي على التاريخ، التي تراكمت عبر القرون. ورغم أن شرعية الموقف المعبر عنه هنا لا تتأسس على الفقه وتصور الشريعة الإسلامية السائد، فإني أخالف من يعتقد انه لا يمكن تأسيس حرية الاعتقاد، بما فيها دوما حرية عدم الاعتقاد وحرية تغيير الاعتقاد وحق التحير في شؤون الاعتقاد الديني، لجميع الأفراد، إلا بالتحرر من الإسلام ذاته. هذا موقف بالغ التطرف، وتحتاج ترجمته السياسية إلى نظام استئصالي أشد وحشية وتعصبا من نظام ستالين. بلى، ثمة مرجعية حداثية مستقلة، لكن استقلالها هذا تاريخي، وليس انفصالا مطلقا أو دينيا؛ وهي لا تجُبُّ الدين وتلغيه، لكنها تغير موقعه في الدولة. وليست الحداثة دينا آخر، خلافا لم يظن القطبيون والمودوديون والسلفيون الجهاديون. لذلك الحوار السياسي والتفاعل الفكري ممكن بين الحداثة وبين الدين والتيارات الدينية. من يرفض الحوار مع الإسلاميين لأنهم إسلاميون ولأنه حداثي أو علماني يجعل من الحداثة أو العلمانية دينا آخر. والإسلامي الذي يرفض الحوار مع الحداثيين لأنهم حداثيون يسهل تديين الحداثة.

بالقدر نفسه لا مجال للاتفاق مع الإسلاميين الذي يتمحور برنامجهم حول “تطبيق الشريعة” و”أسلمة المجتمع”. هذا موقف متطرف بدوره، وتطبيقه غير ممكن دون دكتاتورية متعصبة من نوع نظام طالبان.

وقد يسأل أخونا الطاهر إبراهيم: ما دمت تصدر عن مرجعية مستقلة، فلماذا تتدخل في الشأن الإسلامي وتتحدث عن تطرف واعتدال فيه؟ ما شأنك أنت؟ أسبابي وفيرة. أولا لأن الإسلام مرفق عام، يعنيني كمواطن في بلد أكثر سكانه من المسلمين، حتى لو لم أكن مسلما، ولأن تطور التفكير والتدين الإسلامي ينعكس علي شخصيا وعلى من يعنيني أمرهم من الناس، وعلى بلدي خيرا وتقدما. ثانيا لأن نشأتي الإسلامية تخولني، بل تلزمني، بأن أناقش مشكلات الدين الإسلامي، من وجهة نظر تجمع بين احترام الإسلام والاستجابة لمقتضيات عصرنا الفكرية والسياسية والأخلاقية. ثالثا لأني لا أصدر عن موقف أصولي، يقيم تقابلا مطلقا بين الإسلام والحداثة، فتنحصر خياراته بين إسلام معاد للحداثة مثل طالبان والقاعدة، أو حداثة متعصبة ضيقة الحوصلة وحامضة النفس، لا ينقصها “مجاهدون” رداحون باسمها.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق