حوار علماني – علماني مغلق، الدكتور برهان غليون مثالاً

إن الجدل الدائر اليوم حول العلمانية هو بمثابة حرب فكرية (إيديولوجية) استباقية – في سورية على الأقل نظراً إلى ما يبدو من ضعف أو حتى موت الفاعلية السياسية للحركات السياسية الإسلامية فيها حتى الآن – يتوزع أطرافها على خطوط تماس سياسية ليست إلا المواقف المتباينة من الحركات السياسية الإسلامية التي تبدو اليوم بحق دينامو التغييرات السياسية في منطقتنا بلا منازع.

ومن طبيعة مثل هذا الصراع الفكري أن لا ينتج حقيقة بما هي كذلك، أقصد حقيقة موضوعية مستقلة، فالحقيقة في مثل هذه الصراعات هي دائماً حقيقة إيديولوجية، إن جاز القول، أي تبدو حقيقة لا ريب فيها لمن يرى إلى الأمور من موقع سياسي معين، وتبدو زيفاً لا ريب فيه لمن ينظر إليها من موقع مغاير وهكذا.

وليس ثمة حقيقة مستقلة عن المواقع السياسية التي تنظر الأطراف المتنازعة منها إلى الأمور، ولذلك فإن الحسم في هذه الصراعات الإيديولوجية لا يكون أبداً على مستوى إيديولوجي (انتصار إيديولوجيا على أخرى) بل على مستوى سياسي (انتصار حزب أو اتجاه سياسي على آخر). وغاية الجهد الفكري في هذه المعارك تمهيد الطريق لانتصار سياسي مبتغى عبر صياغة الوعي العام لتقبل إن لم يكن لمناصرة الاتجاه السياسي المحدد، وهذه غاية بالغة الأهمية في مجال العمل السياسي الذي يكاد لا يقوم إلا بها.

وعليه فإن مثل هذا العمل الإيديولوجي ليس استنزافاً للوعي بلا طائل كما يرى عبد الإله بلقزيز حين يقول إن الجدل الدائر اليوم حول علاقة الدين والسياسة والدولة هو جدل سياسي في المقام الأول ومن لا يفهمون ذلك ويعتقدون بالتالي أنه قابل لحسم فكري يستنزفون قواهم العقلية فيه بغير طائل (عبد الإله بلقزيز “الإسلام والسياسة، دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي”، المركز الثقافي العربي، ط1، ص 31-32). ففي هذا القول إغفال لأهمية العمل الفكري في الصراع السياسي. صحيح أن هذا الجدل جدل سياسي في العمق وأنه غير قابل لحسم فكري نظراً لتباين المواقع السياسية التي يصدر عنها كل كاتب، ولكنه ليس بلا طائل، فما يتم زرعه على مستوى الوعي العام يجري حصاده على مستوى السياسة، ويكاد يكون الحصاد السياسي معدوماً ما لم يناصره زرع إيديولوجي مناسب. ومن هنا نجد أن هذه الجدالات وغيرها لا تخمد أبداً بل تتواتر وتحتدم مع احتدام حركة الصراعات السياسية.

ولكن ما يستوقف في هذا الجدل العلماني – العلماني حول العلمانية هو شدة القصف الذي تتعرض له نسخة هزيلة من العلمانية (العلمانية المعادية للدين) يسميها ناقدوها “العلمانوية”، وهي شدة لا تتناسب بأي حال مع مستوى حضور هذه العلمانية “الملحدة” على ساحة الصراع الفكري/الإيديولوجي. فقد استهلك نقد هذه العلمانوية من العمل الفكري لعلمانيين أكثر مما تستحق، الأمر الذي جعلها تحوز على عدد من الصفات قل نظيره – أكثر من الصفات التي استحوذ عليها السيف في لغة العرب القدماء – فهي علمانية ملحدة ورثة ومطلقة ولادينية وعقائدية وخالصة وتسلطية وإيديولوجية… الخ، دون الإشارة إلى رموز هذا الطرح وأصحابه ودون حتى ذكر اقتباس أو استشهاد يدلل على هذا الفكر الذي تتم مهاجمته ومسح الأرض به كما لو أنه خطر قائم داهم يستنفر كل طاقات الدفاع الممكنة (والحال أنه ليس خطراً داهماً وأن الخطر القائم الداهم بالفعل هو الاتجاه المعاكس له). والقصف الذي يوجهه هؤلاء العلمانيون يستهدف عملياً العلمانية كما يفهمها الإسلاميون ويرفضونها، إذ ليس ثمة في لوحة وعي هؤلاء علمانية غير ملحدة، فكل العلمانيات تنتهي عندهم إلى الإلحاد بما فيها العلمانية التي يضمرها هؤلاء النقاد أنفسهم. ولذلك يتساءل المرء ما غاية شحنة العداء العصابية التي يتم صبها على هذه التنويعة الملحدة من العلمانية التي نرفضها معهم. وهي تنويعة هزيلة وخائرة فكرياً وسياسياً على كل حال ولا تستوجب بظني كل هذا العناء. ما سر كل هذا الاستبسال ضد فكرة لا تجد اليوم، على حد علمي، من يدعو إليها؟ هل هو استسهال للنقد؟ أم استرضاء مجاني لاتجاهات ما؟ أم مركب نفسي/سياسي معين أم ماذا؟ ومهما يكن من أمر فالثابت أن هذا السيل الجارف لنقد “العلمانوية” يحتاج إلى تفسير وينطوي برأيي على “طاقة محولة” ربما كان البحث عن مصدرها الأصلي يحمل التفسير في ثناياه.

{{عن علمانية الدكتور برهان غليون}}

وكي أوضح ما أريد بالأمثلة سوف أتناول مقالات الدكتور برهان غليون المنشورة في موقع “الأوان” بعنوان: “رداً على وائل السواح: من أجل علمانية إنسانية”، وذلك في رده على مقالة السواح “في العلمانية والعلمانية السورية” التي نشرها الموقع نفسه. مع الإشارة، من باب الاحتياط، إلى أنني لا أعرف الأستاذ السواح شخصياً، ولا علاقة لي بالعلمانيين السوريين الذين يذكرهم ولا أعرف أحداً منهم.

فبعد أن يقول الدكتور غليون إن تناوله لمسألة العلمانية: “يختلف كثيرا عن تناول وائل سواح وجماعته المرجعية في نقاط كثيرة وجوهرية”، يعرض فهمه للعلمانية فيقول: “فالفكرة العلمانية أبسط بكثير مما نعتقد … فهي تعني باختصار أن الدولة لا تشتغل بأمور العقيدة، … وإنما تقتصر مهمتها على تحسين شروط حياة أعضائها، المادية والمعنوية، من جميع المذاهب والاعتقادات، والارتقاء بثقافتهم وتكوينهم العلمي والمهني. أما موضوع العقائد فهي متروكة للجماعات المدنية نفسها، تتنازع فيها على قاعدة الحرية الفكرية والاعتقادية والمساواة الكاملة والتنافس السلمي. فشرط القبول بحيادية الدولة الاعتقادية وتجريدها من الدين (التشديد مني دائماً) هو إقرار الحرية الكاملة خارجها لجميع الأديان والمذاهب والعقائد”.

هذه هي فكرة الدكتور غليون عن العلمانية، ولكن ما هي فكرة السواح عنها، لنقرأ في المقال عينه الذي يشكل موضوع رد الدكتور غليون: “والعلمانيون السوريون يطالبون بدولة غير مؤدلجة، تقف على مبعدة واحدة من جميع الأديان والمعتقدات، ولا تتدخل في محتوى العقائد الدينية… الدولة العلمانية، بصفتها ضامنة لحرية المعتقد، تحمي الأفراد وتضمن لهم حرية الخيار بأن يكون لهم اتجاه روحاني أو ديني أو لا يكون… ونعتقد أن قيم العدالة والمساواة، اللتين تشترطهما المواطنية، هي ما يجب أن يجمع السوريين”. والآن أسأل القارئ أين هي النقاط الكثيرة والجوهرية التي يختلف فيها طرح الدكتور غليون عن طرح الأستاذ السواح؟

وقد رأى الدكتور غليون أن “ما جاء به سواح لا علاقة له إذن لا بما كتبته أنا وما أفكر فيه” ورأى أن هناك سوء أمانة فكرية في الاقتباس مارسها السواح ضده وأورد الدكتور المقتطفات الكاملة من أعماله السابقة موضحاً سياقها ليبين للقارئ أنه ليس ضد العلمانية – كما يتهمه السواح – بل ضد علمانية بعينها هي علمانية السواح الذي: “يعبر عن تيار قائم بالفعل في وسط المثقفين، لا يعلن ولاءه للعلمانية وتمسكه بشعاراتها إلا ليفرغها من مضمونها ويحولها إلى درع يحتمي وراءه ويغطي به، هذه المرة مداورة وتقية بالفعل، على أفكار يعتقد أنها غير مقبولة اجتماعيا بعد، أو أن الإعلان لا يزال مكلفا كثيرا”.

وفي هذا القول من الدكتور غليون استبطان ومحاكمة نوايا كان قد انتقدها أولاً عند ناقده ساخراً من أنه – أي السواح – “يعرف نوايانا الحقيقية أكثر مما نعرفها نحن”. ويتساءل المرء: هل يدل قول الدكتور غليون عن ولاء هذا التيار للعلمانية مداورة وتقية أنه يوافق على ما يعلنه هذا التيار القائم في وسط المثقفين ولكنه لا يرتاح لما يضمره؟ وماذا يضمر أو يداري هذا التيار؟ ما هي الأفكار غير المقبولة اجتماعياً التي يبطنها هذا التيار ولا تخفى على الدكتور غليون ويخشى هؤلاء المثقفون التعبير عنها فيلجؤون إلى التقية؟

غاية النقد الكشف والتبيين وليس إثارة الشبهات الغريبة والتعمية وتشويش ذهن القارئ. فقد كان حرياً بالدكتور غليون بمتابعته وعلمه وخبرته الطويلة أن يشرح ويبسط للقارئ كيف يتم تفريغ العلمانية من محتواها على يد هذا التيار وكيف يساء استخدامها للتستر على أفكار شريرة معينة، وكيف تتحول العلمانية إلى وسيلة قمع في يد مثقفين – هم أنفسهم مقموعون ولا يجرؤون على التعبير عن أفكارهم الحقيقية فيداورون وينافقون!

كان حرياً بالدكتور غليون أن يبين ذلك بدلاً من اللغة الوصفية والاسترسال في نقد “علمانية” لا ينادي بها السواح أصلاً، على الأقل في المقال موضوع النقد. ربما كان الدكتور غليون يقصد مثقفي الأنظمة في كلامه عن التيار القائم وسط المثقفين، ولكن هؤلاء ليسوا من لون واحد، فهم متلونون تلون الإيديولوجيا التي تستخدمها الأنظمة لتمرير سياساتها، فمنهم الإسلاميون ومنهم العلمانيون وغير ذلك، فالدولة في العالم التابع “بلا دين ولا عقيدة” كما يقول الدكتور غليون بحق. والحقيقة أن يظهر المرء ولاءه الإسلامي تقية ومداورة أقرب للمنطق من أن يعلن علمانيته في بيئة يغلب عليها عداء لهذا الفكر على الأقل من باب أن الإنسان عدو ما يجهل.

على أن السواح كان قد سبق الدكتور غليون في رميه بالمداورة والتقية فتلقى رداً من النوع عينه بشكل يكرس سجالاً علمانياً-علمانياً قاحلاً هو أبعد ما يكون عن النقد. لا بأس من الاستبطان وهو ربما كان مهمة نقدية أساسية ولكن شرط أن يفصح الناقد عما يقصد وأن يحاول ربط الظاهر بالباطن دفاعاً عن تحليله.

في مقاله الثاني يقول الدكتور غليون: “وهكذا أصبحت العلمانية مساوية للادينية، وراية يجتمع تحتها كل كاره للدين أو داعية للتجرد من تراثه والتحرر منه”. إن كلمة “هكذا” الواردة في مطلع الجملة توحي بوجود سرد سابق موضح وشارح وممهد لهذه النتيجة، ولكن الأمر ليس كذلك في الواقع، ولا يعرف القارئ ما محل إعراب هذا الكلام – الذي يليق بواحد من أساطين الحاكمية الإلهية أكثر مما يليق بالدكتور غليون – ولا من هم العلمانيون المقصودون بهذا النقد الشاتم لا بل المحرِّض، فالكاتب يجهّل هؤلاء العلمانيين الكارهين للدين وأعتقد أنه ربما يجْهلهم أيضاً.

والسؤال الذي يتعين على الدكتور الإجابة عليه: أين رائحة كراهية الدين في المقال الذي ينتقده الكاتب؟ أم أنه يقصد أناساً غير كاتب المقال المنقود، ومن هم؟ وإذا كان النقد لا يتناول أشباحاً فإنه يتعين تحديد من هم هؤلاء الكارهين للدين والتدليل من كتاباتهم على ذلك.

وفي المقال الثاني أيضاً يقول الدكتور غليون: “فلا أحد يستطيع أن ينكر أن العلمانية استخدمت في البلاد العربية ولا تزال، سواء أفهمت كموقف عقلاني وتنويري في مواجهة مجتمع متأخر ومتدين ومتعصب، أو كموقف من الطائفية الدينية ودعوة إلى تجاوزها، لتبرير الحد من الحريات وتقييدها بل إلغاءها. في الحالة الأولى اتقاءا لشر صعود التيارات الإسلامية إلى الحكم..”.

الواقع أنه ليس بالعلمانية صدت أو تصد الأنظمة العربية التيارات الإسلامية بل بالمزيد من التملق والأسلمة المضادة إن صح القول. وهذا ما يؤكده الدكتور نفسه في مقال قديم له في العدد 26 من سلسلة كتب “المستقبل العربي” الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية في نوفمبر 2003 حيث يقول في الصفحة 142: “لم تكن الدولة العربية معنية كثيراً بامتلاك خطاب عن الإسلام .. إلا عندما أصبح خطاب الإسلام خطاب دولة، أي يشكل تحدياً مباشراً لسلطتها..وهي تعتمد في ذلك عادة على جماعات العلماء التقليديين العاملين في مؤسساتها والمنتمين إلى دائرتها”. (تجدر الإشارة إلى أن مقالة الدكتور غليون في هذا العدد مأخوذة من العدد 128 من مجلة “المستقبل العربي” الصادرة في أكتوبر 1989، ويلفت النظر أن العدد 14 من سلسلة كتب المستقبل العربي نفسها الصادرة في يناير 1999 كانت قد نشرت المقالة نفسها). ولم تكن العلمانية هي سلاح المواجهة مع هذه التيارات، كان الحال هذا واضحاً في غير بلد عربي، في الأردن وفي الجزائر وفي مصر وفي سورية. ففي سورية تعرضت الحركات العلمانية – أثناء صراع النظام مع الأخوان المسلمين أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن المنصرم – للقمع على التوازي تماماً مع الحركات الإسلامية ولم يكن ما تعرضت له من قمع بأقل مما تعرضت له هذه الأخيرة، لا بل إذا تناولنا الموضوع بالنسبة إلى نوع العمل العنفي الذي مارسته الحركات الإسلامية قياساً بالعمل السلمي (لا بل الورقي) الذي مارسته الحركات العلمانية حينها سنجد أن القمع الذي طال هذه الأخيرة كان أشد وطأة.

لقد تمت تغطية القمع الذي طال الإخوان المسلمين في سورية برميهم بالعداء للدين وكانت الجملية الشهيرة التي تكررت في وسائل الإعلام الرسمية حينها “الدين منهم براء”، وليس بالعداء للعلمانية، ولم تكن هذه تبريراً لحملة القمع التي طالتهم مع غيرهم، ببساطة لأن فكرة العلمانية لا تحوز على “شعبية” تخولها القيام بهذا الدور.

ويتساءل الدكتور غليون: “ما الذي وضع العلمانية العربية، والسورية منها بشكل خاص، في هذا المأزق الذي جعل منها رديف الديكتاتورية”. ويرى الجواب “أولاً في تحول العلمانية إلى إيديولوجيا، أي إلى عقيدة فئة من الفئات الاجتماعية، جعلت منها إطار تماهيها وولائها الخاص، ورمز تفاهمها الذي يوحد عناصرها ويربط في ما بينهم ليحولهم إلى قوة فاعلة وشريك في الصراع الاجتماعي الدائم على الثروة والسلطة والنفوذ والجاه…” (ومروراً أسأل: من هي هذه الفئة التي جعلت ولاءها للعلمانية وجعلتها هويتها؟ وأين هم أتباع هذا الدين الذي كثر الحديث عنه باسم “العلمانوية”؟)

إذن تحول العلمانية إلى إيديولوجية يجعلها – برأي الكاتب – رديفاً للديكتاتورية. ولكن هل كانت العلمانية – بما تعنيه من تحرير السياسي من القدسي والماورائي – يوماً إلا إيديولوجيا؟ أيديولوجيا التحرر من خلفاء الله على الأرض في كل مكان؟ ألم تكن العلمانية بين أخذ ورد على طول الخط وصراع بين تيارات ممن يجدونها تخدم التحرر والانعتاق وممن يجدونها باطلاً لا جدال فيه؟ ومتى كانت “مبدءاً جامعاً” كما يقول الدكتور؟ لا يريد الكاتب أن تكون العلمانية إيديولوجيا فهل يريدها أن تكون علماً؟

إن العلمانية، مثلها مثل الديمقراطية ومثل أية فكرة اجتماعية، هي إيديولوجيا تحمل رؤى اجتماعية وتصطف الفئات والمواقف منها رفضاً وقبولاً، فهي بداهة تخدم مصالح فئات وتضر مصالح فئات أخرى. وهي ليست عِلماً أو حقيقة مستقلة عن الانقسامات الاجتماعية وفوق الصراعات السياسية والاجتماعية. ولو كانت كذلك لكانت واقعاً مفروضاً رغماً عن الجميع سواء من تضرر منهم أو استفاد وليست مطلباً يناضل البعض لتحقيقه ويناضل البعض لدحره.

وكون الشيء إيديولوجيا لا يحط من قيمته تلقائياً، فهناك إيديولوجيا تحرر وتغيير وإيديولوجيا قهر وتكريس، هناك فكر استبدادي وآخر ديمقراطي. ماذا نسمي الوعي الذي يحرك الجمهور ويدفعه لقبول شيء ما أو رفضه إن لم نسمه إيديولوجيا؟ وهل الصراع الفكري الذي يتخذ من العلمانية موضوعاً له – والذي للدكتور غليون باع طويل فيه – سوى سعي وراء كسب وعي الجمهور لهذه الجهة أو تلك (كسب إيديولوجي) كمقدمة لتحويل هذا الوعي الجماهيري إلى قوة مادية “سياسية”؟

من الواضح أن كلمة إيديولوجيا شحنت، بعد انهيار المنظومة السوفياتية السابقة، بما يكفي من السلبية لإخراجها من دار السلام إلى دار الحرب، فصارت كلمة مقام عليها الحد وشريرة يكفي إلحاقها بأية كلمة أخرى حتى تدخلها في دائرة الشر. كما لو أن الفكر الشيوعي الذي ساد تلك المنظومة كان وحده إيديولوجيا في حين أن الفكر الديمقراطي الغربي مثلاً ليس كذلك. وتحولت الكلمة من مفهوم له مكانه في علم الاجتماع إلى حكم قيمة سلبي. فالأستاذ السواح يقول مثلاً في مقاله المذكور أعلاه: “العلمانيون السوريون يطالبون بدولة غير مؤدلجة”، وكأن هناك في العالم دولة غير مؤدلجة، أو كأن هناك سياسة دون إيديولوجيا. ولكن السواح يريد فيما يبدو أن يثبت أنه هو أيضاً ضد الإيديولوجيا لينأى بنفسه عن نيران معاداة الكلمة.

أخيراً وتكراراً هناك سؤالان برسم كل من يحاجج ضد العلمانية السياسية المفهومة على أنها تحرير السياسة من الماورائيات والقداسات وإعلاء مفهوم المواطن: أولاً هل ما يصبو إليه الشعب السوري الحريص على وحدته وتحرره السياسي وانعتاق طاقاته هو نظام سياسي يقوم على شريعة/مبادئ تحتكر فئة من “العلماء” المعممين وغير المعممين حق الإفتاء فيها؟ وثانياً هل يحقق نظام سياسي يضع الانتماء الديني للفرد فوق انتمائه الوطني طموح وأمل السوريين في الوحدة والانعتاق؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق