حوار مع الأخ باسط بن حسن- الافتراضي وأسئلتنا التقليدية

تضعنا آلية “الاقتطاع والإلصاق”، كما يصفها الأخ باسط بن حسن بلغة رائعة في مقاله الهام ([قطع و لصق، فضاءات افتراضية متعددة لآلام الفرادة وأحلامها->http://www.alawan.org/%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D9%88%D9%84%D8%B5%D9%82-Cut-and-Paste.html]) أمام “فراغ كوني هائل يمكن لكل إنسان أن يملأه بما يشاء من نتف نصوص ومعلومات ولحظات حياة”، فعن طريقها “يقتطع الأفراد لحظات من وجودهم ووجود الآخرين ويلصقونها في وعاء فراغ هائل تتوالى فيه صفحات لغة لا تنتظم من خلال سلطة تقليدية معلومة”. هذه الآلية لا تقتصر على العالم الافتراضي، وإنما “تنسحب على كل تعبيرات وجودنا”، على الخطاب السياسي حيث تتداول كولاجات هائلة تجمع في الخطاب نفسه شعارات متنوعة متضاربة، كما على الخطاب الاقتصادي حيث يتساكن خليط من النظريات، وعلى الخطاب الديني حيث يختلط “الصحيح” ب”الموضوع”…

مثلما “يفتح العالم الافتراضي آفاقالامتناهية للتعبير فتتواصل الأصوات المتشابهة و المتنافرة”، فان كل تعبيرات وجودنا تمزج هي أيضا، بين المتشابه و المتنافر، فنغدو أمام “واقع تبدو فيه تجارب العيش الأصيلة لحظات نادرة في كمّ من صفحات الحياة المقتطعة من سياقاتها و الملصوقة في سياقات آلة الصدفة الافتراضية”.

رغم كل هذا، رغم الصدفة التي تطبع هذه الآلية، و رغم الفراغ الهائل الذي تواجهه، ورغم اللاانتظام وغياب القصد الذي يطبعها،ورغم الخلل و الخلط الذي تتسم به، فان الأخ باسط يصف هذه العوالم بأنها مجال تحقق حرية(؟) الإنسان، فيذهب إلى أن العوالم الافتراضية منحت “لمجموع الافتراضيين فرص حريات لا مثيل لها”، وفسحت “فضاءات تحقق إمكانات هائلة للتعبير الحر”. فهل هي حقا حرية، تلك التي تحققها”الفرادة في كامل عزلتها وهي تتجاور مع المشترك وتحاوره دون قصد حوار فيغالب الأحيان، أم إنهاوهم حرية؟ و هل هي حقا رغبة حقيقية في التواصل تلك التي تجعل الكائن الافتراضي يرغب في “منح ثمار كانت مخبأة في جنان الفرادة إلى حيز العام” ؟

لا نرمي من خلال هذه الأسئلة أن ننفي عن آلية “الاقتطاع و الإلصاق” الوصف الدقيق الذي وصفه بها الأخ باسط، و لا أن ننكر فعلها في حياتنا المعاصرة، و إنما أن نقف بالضبط عند “مفترق الطرق” الذي تفترضه، و الذي يتطلب منا، أولا وقبل كل شيء، أن ننظر إليها “فيما وراء الخير و الشر”، فلا نفترض وراء “الفضاءات الافتراضية آفاقاتحررية”، و لا ندعو إلى وضع “ضوابط أخلاقية” دفعا للشرور(؟) التي يكرسها الافتراضي.

فلعل مفهومات مثل الحرية و الأصالة و الحق و العزلة و التواصل و الحوار غير قادرة أن تصف هذه العوالم التي يتلبس فيها الوهم الحقيقة، و يمتزج فيها الافتراضي بالواقعي، فيعلو فيها الواقع عن نفسه ، لا ليغدو واقعا ساميا، و إنما ليصبح واقعا “فائضا”، ينفلت من ضوابط المنطق التقليدي ، و بالأحرى ضوابط الأخلاق و القانون.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق