حوار مع الأخ جاد الكريم الجباعي: القصد من العودة إلى”القصدية”

أشكر الأخ الجباعي جزيل الشكر لما أولاه من عناية كبيرة لمقالتي الصغيرة في التملك الفكري. ولا شك أن من شأن الحوار أن يسمح لكل منا أن يوضح لنفسه ولغيره بعض القضايا التي لا بد وأن تظل مستعصية في مثل هذا الشأن.
لا بد وأن أشير في البداية إلى أن الدافع الذي حثني على العودة إلى استعمال استعارة الغذاء والالتهام في الفكر الفلسفي تعبيرا عن التملك الفكري ما نلحظه، حتى عند بعض كتابنا الأقرب إلى “العقلانية” و الحداثة”و…من انتهاج سبل في الكتابة والتفكير لا تبعد كثيرا عن المناهج التقليدية في اعتمادها طرقا لتناول الأفكار تعتبر “التملك الفكري” نوعا من الـ”تمثل” بالمعنى البيولوجي للكلمة assimilation وهو معنى لا يبعد كما نعلم عن استعارة الغذاء.

من أجل هذا عرجت على المسألة بالعودة إلى مفهوم القصدية، غير قاصد من ذلك خلخلة لمفهوم الوعي، إذ أنني أدرك قصور المساهمة الفينومنولوجية في ذلك، وإنما محاولة لاستبعاد كل نزعة ذهنية mentalisme . ولا يخفى ما ساهمت به فكرة القصدية من القيام ضد كل “نزعة ذهنية”، بل و كل نزعة “سيكولوجية”. سعى هوسرل إلى أن ينبهنا أننا “لا نستطيع أن نذيب الأشياء في الوعي”، وأن الوعي، كما أوضح سارتر، خروج واندفاع.. إنه فيزياء وقذف وانفجار وليس بيولوجيا وتغذية والتهام: ” فإذا حدث ما لا يمكن حدوثه ودخلتم في وعي ما يأخذكم الدوار ويقذف بكم إلى الخارج… لأن الوعي لا داخل له… وإن هروبه الدائم هذا ورفضه أن يكون جوهرا، ذلك هو ما يجعل منه وعيا. تصوروا الآن سلسلة مترابطة من الانفجارات تنزعنا عن ذواتنا، ولا تترك لذواتنا الوقت كي تتشكل خلفها، بل على العكس من ذلك، ترمي بنا من ورائها في غبار العالم الجاف، فوق الأرض الصلبة، وبين الأشياء، تصوروا أننا ألقي بنا هكذا، عندئذ تكونوا قد أدركتم معنى القصدية..: كل شيء موجود في الخارج، كل شيء، حتى نحن أنفسنا، في الخارج، في العالم ، بين الآخرين، إننا لا نكتشف أنفسنا في عزلة ما، بل في الطريق، في المدينة، وسط الجماهير، شيئا بين الأشياء، أناسا بين البشر”. الإنسان “برّا”.

أما القول بحدود مفهوم القصدية، و بأن الوعي لا يمكن مع ذلك أن يُعرّف بقدرته الانعكاسية، وبقدرته على أن يَعرف ذاته في شفافية حضوره لنفسه، وبأنه لغز وغموض و لاوعي، و أنه بالتالي جهد وحركة وغزو، فتلك مسائل أخرى لن نتبينها إلا بالتفتح على ” فلسفات الشك” من تحليل نفسي و ماركسية.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق