حوار مع الإعلاميَّة اللبنانيّة زينة منصور

الصحفيّة والنّاشطة الثقافيّة اللبنانيّة الشابّة زينة منصور تعمل في الصحافة المكتوبة باللغتين العربيّة والفرنسيّة وإنتاج الأخبار والبرامج التلفزيونيّة متنقّلَةً بين بيروت والقاهرة والرياض ودبي وعملت في عدد من المؤسسات الإعلاميّة العربيّة واللبنانيّة منها العربيّة والأم بي سي ومديرة لمكتب سواتل للإنتاج الإخباري في بيروت وتكتب المقال في جريدتي الأخبار والجمهوريّة اللبنانيتين في شؤون الثقافة والإعلام العربي وفي العديد من المواقع الالكترونيّة… شاركت في عدد كبير من المؤتمرات والندوات المتعلقة بالمرأة والفكر العربي والتعليم والديموقراطية وحرية الصحافة. لها تجـارب شعرية وحائزة على ماجيستير في الصحافة المكتوبة من جامعة باريس الثانية وإجازة في الإعلام الإذاعي التلفزيوني وأخرى في الصحافة المكتوبة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية وعضو في عدد من جمعيات المجتمع المدني… حول قضايا عديدة في الإعلام كانَ لنا هذا الحوار:
الإعلام السائد في الوقت الراهن إلى أين وصل؟ وإلى أين سيذهب؟
نحن في زمن الإعلام الجديد بامتياز (تويتر – فيس بوك – يو تيوب – غوغل) بقوّتهم النّاعمة وسيطرتهم المطلقة، كلّ الإعلام يدور في فلكهم. ثورة الإعلام الجديد بدأت، وهي سارية كالنّار في هشيم الجسم الإعلامي ولن يوقفها أحد… الشبكة العنكبوتية لفّت خناقها كالعنكبوت وطوّقت كل متفرعات الإعلام وأصبحت السيطرة شبه التامة لها في ظل تراجع ملحوظ للتلفزيون والجريدة والراديو… الإعلام الكلاسيكي الذي يحتاج إلى فكر جديد، دخل مرحلة أفول بالتوازي مع صعود نوعي للإعلام الإجتماعي واعتماد الشباب عليه كمنبر وبرلمان حقيقي للشعوب يعبر عنها. وهذا ما لم تنجح في نقله البرلمانات العربية، لا في الإعلام المكبل بقيود على حريته ولا من خلال قوانين الانتخابات… دخل الإعلام الكلاسيكي مرحلة نزاع يعيش أزماتها بصمت سواء من خلال مشاكل التمويل أو عدم القدرة على مواكبة ما يجري على الشاشة الزرقاء أي اللاب توب لناحية ارتفاع سقف الحرّيات وجرأة الطروحات.
الشاشة الزرقاء الصغيرة تفوقت على الشاشة الفضية وأصبح التلفزيون ينقل عن الفيس بوك واليوتيوب والتويتر وأصبحت صفحات تنسيقيات الثورات وقيادييها على الفيس بوك هي مصدر أساسي للمادة الخبرية والصّورية كما أصبحت تغريدات المسؤولين على تويتر تنشر بنفس الجدية التي تنشر بها بياناتهم عبر مكاتبهم الإعلامية…
شلالات المعلومات في التويتر والفيس بوك ومحركات البحث الضخمة والمواقع الإلكترونية المتعدّدة والمدونات المتنوعة أصبحت اليوم المرآة الحقيقية التي تعكس ملامح الرّأي العام ولم يعد الرأي العام ممثلا في الإعلام التقليدي كالتلفزيون والرّاديو والجريدة …
إنّ الثورة الإلكترونيّة لم تعد تهديداً للإعلام الكلاسيكي حصرا لكنّها أصبحت تهديدا حقيقيّا للبرلمانات العربيّة وللحكومات وللعمل السياسي لما أحدثه من تأثير في الرأي العام الشبابي يتخطّى تأثير الإعلام المرئي أوالمسموع والمكتوب…
أصبح كل مواطن عضوا في برلمان الشّعوب العربيّة وكل مواطن قادرا على الاطلاع على مختلف الطروحات والأراء… لهذا سنرى حقبة نهاية الأيدلوجيات القديمة وظهور الأيديولجيات الجديدة لدى العرب الشباب محورها التنمية والحرية والعدالة الاجتماعية. ..
من يراقب ما يجري في المجتمعات العربية سيعلم أنّ كل هذه التغييرات في مصادر المعلومات، ستؤدي إلى تغييرات في صلب الآليات السياسيّة والبرلمانيّة وفي منهجيّة الحكم نفسه في الدّول العربيّة.
الشعوب العربيّة سبقت الإعلام العربي بمسافات ضوئيّة وصنعت إعلامها الإجتماعي الخاص واستخدمته بأبرع طريقة في تحرير نفسها من عقدة الاستبداد والظلم حتّى أصبح هذا الإعلام يهرول وراءها محاولا اللحاق بها. هذه الشّعوب التي كان يقال عنها أنّها نائمة نوم أهل الكهف فجّرت كل وعيها السّياسي الأخرس على منابر الشبكة العنكبوتيّة حتّى بات ما يقال على شاشة التلفزيون أقل أهميّة ممّا يقال في اليوتيوب أو على الفيس بوك ما يعني أنّ الحريّة كانت سرّ قوة الإعلام الجديد والتوجيه والتبعيّة سرّ ضعف الإعلام الخاص…
الإعلام السّائد اليوم هو خلاصة كل ما قيل وكتب منذ عقدين عن القرية الكونيّة والعولمة… أدوات هذه العولمة هي الشبكة العنكبوتيّة وليس القنوات الفضائيّة كما ظن كثيرون لسنوات طوال…

***
الزّيف الإعلامي… ربّما هو المصطلح الذي تم التوصُّل إليه هذه الأيّام؟ هل من المعقول أن يتحوَّل هذا المنبر السايكولوجي المهمّ إلى منبر مزيّف فعلا؟ برأيك ما أسباب الزيف هذا؟

***
تحوّل الإعلام الجديد إلى برلمان للشعوب بحرية مرتفعة السقف ولم يعد الإنفصام في شخصية الإعلام أمرا مخفيّا يصعب فك حروفه، باستطاعة المشاهد بكل بساطة أن ينوّع مصادر معلوماته، وشلال المعلومات مفتوح للجميع… نعم هناك من يستفيد من هذه الحريّة بسلبيّة والإعلام الجديد يعيش حالة جنون غير مدرك لحقيقة المساحات الحرّة المفتوحة بعد قرن من الصّمت العربي. لذلك كلمة زيف بحدّ ذاتها في هذا الزّمن أصبحت كلمة بائدة من زمن إعلامي بائد بكل أدواته ولغته الخشبيّة. زمن انتهى أو أوشك على النّهاية لأنّ عمليات التّضليل والكذب في الإعلام اليوم سهلة، إلّا أنّها أضحت لعبة خاسرة… نحن لسنا نعيش ثورة معلومات إنّما طوفان من شلالات المعلومات المتدفقة، فمن يدخل في لعبة تزييف المعلومات يخسر أكثر بكثير ممّا يربح…
الإعلام يستخدم مدفعاً من ضمن الحروب السياسيّة والعسكريّة وهذا ما يجعله يدخل في حلقة الاصطفاف والتزييف والتعصّب… وكما يقول غوبلز أعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي لكن الأجيال الجديدة لم يعد ينطلي عليها أيّ شيء.. تزوير الحقائق و”البروباغندا” ليسا بموضوع جديد على الإعلام وهما سيبقيان ضمن لعبة الحروب الإعلاميّة إلّا أنّ تأثيرهما أصبح أقل من الفترة السّابقة لكثرة المنابر المفتوحة، والحقيقة التي كانت تأخذ ثلاثين سنة لتكشف باتت تنفضح في ثلاثين دقيقة أو أقل من ثلاثين ساعة… إذا هي عمليّة ابتزاز آنية لا تأثير لها على من كان حرّا في تفكيره وتنوّع مصادر معلوماته.

***
الشّعر هذا الكائن الذي يحمل رسالة معيَّنة يحوي تجاربَ ذاتيَّة إنسانيَّة ويؤرّخ للشّعور الجماعي… هل من فائدة قدَّمَهَا الإعلام إلى هذا الكائن؟ وما التأثير المتبادَل بين الإعلام كوسيلة للتّأثير وبين الشّعر ربّما لنقل توأمه؟

***

الإعلام التقليدي التّجاري تحديدا حارب سرّا الشّعر والثقافة والمثقفين وهجرهم من شاشاته إلّا في المناسبات واستبدلهم بنجوم الكوميديا والتّرفيه لدواعي مالية تسويقيّة متناسياً تعطش العرب للعمق الفكري .
لا يمكن اختصار كل العرب بطلاب المدارس ممّن يستهلكون وجبات “الهوت دوغ” و”الكنتاكي” أو بسيدات البيوت اللواتي يردن اختيار مساحيق التنظيف الأمثل لبيوتهنّ… بل تهميش الثقافة لما يزيد عن عشرين سنة عن شاشات التلفزيون أي منذ بدء انطلاقة الفضائيات أحدث ردّة فعل مضادّة في “النيو ميديا” الاجتماعيّة…
العرب منذ التسعينات متعطشون لمشاهدة الثقافة بقوالب مختلفة وكان اتجاه الاعلام نحو اللهو وثقافة الهبل… كل هذا الحرمان الثقافي تحول مع “النيوميديا” إلى ثورة الكلمة وثورة الوجدانيات لشعوب كانت خرساء.
وجدنا ملايين العرب يبحثون عن منابر للأدب والرواية والقصيدة بعيدا عمّا كان يكرّر أن أمّة إقرأ لا تقرأ… إعادة إحياء الشّعر سيأخذنا إلى إعادة إحياء القراءة وإعادة حضورالكتاب في حياة العرب وهذا ما جُيشت له حملات حكوميّة وبرامج لتشجيع القراءة لدى الأطفال والكبار بالتّعاون مع منظمات دولية وفي حينها لم تكن هذه الحملات تلقى النّجاح المنشود.

***

برأيك أياً من وسائل الإعلام المعروفة التي بإمكانها تقديم المعلومة والتأثير على الجماهير أكثر؟

***
غوغل أوّلا هو محرّك بحث لكنّه أقوى من الإعلام بات سلطة متقدمة جدّا على العقل البشري والكل يأتي بعد غوغل ويتقاسم المرتبة الثانية الشبكة العنكبوتيّة بفروعها الفيس بوك وتويتر واليو تيوب ومن ثم التلفزيون بتأثير أقل بكثير من قبل… قوّة التّأثير الحقيقيّة أصبحت “للنيو ميديا” وما يكتب فيها خارج سقف الحريّة، التي تقرأه في الصحيفة أو تشاهده على التلفزيون… لكن بالنسبة إلى محدوديّة انتشار جهاز “اللاب توب” و ارتفاع أسعار “الإنترنت” في بعض الدّول هذه معوقات قد تؤخّر وصول التغييرات لكل الشّرائح الاجتماعيّة لكن في غضون خمس سنوات سيشهد العالم العربي تغييرات جمّة على مستوى الرأي العام أكثر جرأة ممّا نراه اليوم… التلفزيون هو الأكثر انتشارا وتأثيرا لشريحة من لم يدخلوا بعد في طور الإعلام الجديد… أمّا مستقبلا قسيكون الإعلام الجديد هو الوعاء الحاوي والأوحد لصناعة الرأي العام العربي وسنرى تأثيراته في كلّ الدّول العربيّة في الأوساط الشابّة، فهم حكام المستقبل.

***
حالات إستقالة كثيرة حصلت في القنوات الإخباريّة بسبب زيف في نقل الحدَث… هُنا على من يقع اللّوم في تزييف هذه الأحداث؟

***
الاستقالات كانت مواقف سياسيّة أكثر منها مهنيّة ويمكن وضعها في إطار الموقف السّياسي لكل مواطن، لم يعد من الجائز الحديث عن زيف إعلامي في عصر أصبح فيه كل مواطن “صحفي ومراسل حربي” في حين يجلس الصّحفي في مكتبه منتظراً رسائل المواطنين، التي يبثّونها من خلال هواتفهم عبر اليوتيوب… لعبة الإعلام كلها انقلبت راساً على عقب ولا يمكن الحكم عليها بمعايير قديمة…
انتقل الإعلام العربي في العامين الأخيرين مع بداية إقبال العرب بشكل جماهيري عريض على الإعلام الجديد من طور ثورة المعلومات إلى طور شلال المعلومات. هنا أصبح هامش الكذب والتضليل أضيق، إذ وصلنا إلى لغة جديدة وأدوات جديدة وجمهور بفكر جديد… وصلنا إلى زمن المواطن كالطير المغرّد عبر شاشة موبايله أو حاسوبه يعبر عن رأيه في السياسة وفي تغيير الحكام ورفض كل ما يرسم له أو قبول… وصلنا إلى برلمان الكتروني شعبي يؤسّس مع الوقت لربيع عربي فكري قائم على الرّأي الحرّ والفكر الحرّ لدى أجيال صاعدة قد تكون مواليد عام 2000 وما فوق…
إنّ ثورة “النيو ميديا” أصبحت كالطوفان الذي سيبلل الجميع بسيله حتّى لو حاول البعض تأخير وصول هذا السيل لبعض الوقت… لا شكّ أنّ المنظومات التقليديّة في العالم العربي السياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة والثقافيّة تتحسّس ممّا يجري ومن المياه التي تسير من تحت أقدامها لكنّها عاجزة عن فعل أيّ شيء …

***

في ظل الأنظمة العربيّة الفاسدة تدهورَ الإعلام، وبعد كل الثورات التي حصلت وتحصل في البلدان العربية هل سيتَّخِذ الإعلام العربي منحىً آخر في تداول القضايا التي كان يعالجها في ظل الأنظمة الفاسدة تلك؟

***
الإعلام العربي لو استثنيت منه – الإعلام المموّل بسخاء – وصل إلى أفق محدود ومسدود وينازع عند عتبة الإعلام الجديد، الذي أصبح يتحكم في أجندته بنسبة لا يمكن إنكارها…
التغيير هو من فرض نفسه على الإعلام من الخارج ولم يأت بإرادة ذاتيّة من داخل مؤسّسات الإعلام… الشبكة العنكبوتيّة بعملاق البحث الإلكتروني “غوغل” ومواقع التواصل الاجتماعي غيروا جذريا شروط لعبة الإعلام الكلاسيكي وأجبروا أجهزة الإعلام كلها على مواكبة ما يحدث قسرا وليس طوعاً ومن لم يدخل بعد في هذه اللعبة سيكون مرغما بعد حين على الدّخول فيها أو ستلفظه خارجها تكنولوجيا الإعلام الجديد وطوفان المعلومات.
يوجد تغييرات لا يمكن أن ينكرها إلّا المكابر ولن يستطيع أحد إيقاف هذا الطوفان – العمليّة كلها تدور في كيفيّة تأخيره وإبعاد تأثيره أطول فترة ممكنة… الشعوب تغيرت والأدوات تغيرت وبالتّالي شروط اللّعبة الإعلاميّة تغيّرت وتظهر ملامح التّغيير أكثر فأكثر… والسّؤال هل ما زال الرّأي العام هو هو؟ من المكابرة الإجابة بنعم… البعض يصف هذا الكلام بالرّومنسي الحالم ولكن نسألهم هل مصر قبل 25 يناير 2011 كمصر بعدها وهل سوريا قبل الرّابع عشر من آذار 2011 كسوريا بعدها وهل البحرين وهل تونس وهل ليبيا وهل اليمن هي نفسها قبل وبعد التحركات الشعبية ..
أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي منابر مفتوحة ترسم ملامح رأي عام عربي شبابي بعيد عن الخوف والاستبداد. شباب المواقع الاجتماعية لم يعد يخاف، كما كان الجيل السّابق من أهلهم يحسب حسابات ما سينطق به على التلفزيون أو في الجريدة.. هناك ثورة إعلامية حقيقيّة غيّرت مسار العمل السّياسي الديموقراطي.. وكل من يحاول تحجيمها والقول بعدم تأثيرها هي عملية ممناعة مؤقتة آنية لتأخير وصولها إليه فقط ولكن ليس لوقف مسارها… وصل الإعلام العربي اليوم إلى طريق مسدود وأزمات خانقة تحاصره بعد غزو الإعلام الإجتماعي له ..بعضه يتصرف بمكابرة كالنّعامة التي تدفن رأسها في التراب وبعضه الآخر تنبه وبدأ يستعد للتغيير النّاعم من دون إحساس المشاهد بضغوطات الإعلام الجديد ..
الإعلام يعيش أزمة غير معلنة يمكن ملامستها بمجرّد مراقبة كيفية محاولته اللحاق على مدار الدّقيقة ولو من بعيد بـ”الميديا الجديدة” ما يؤكّد وجود المنحى الجديد وإن كان بفكر قديم… نحن بحاج إلى إعادة وضع خطط جديدة عصريّة لتحديث الفكر الإعلامي ولوضع رؤية للتّكامل مع الوضع الإعلامي القادم .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق