حوار مع المفكر الإسباني فرانثيسكو فرناندث بووي Francisco Fernández Buey – عيب الماركسية الرئيسي تمثل في عدم إيلائها اهتماما بالغا لعلم النفس

فرانثيسكو فرناندث بووي (1943): أستاذ فلسفة الأخلاق والسياسة بجامعة بومبيوْ فابرا ببرشلونة، وأحد أهمّ الفلاسفة الماركسيين الإسبان. يلتزم في فكره بالحركات الاجتماعية مثل النزعة السلمية والبيئية. من أهم إصدارته: “دليل لعولمة بديلة”، كما أن له عددا من الكتب المشتركة مع الشاعر والناشط البيئي خورخي ريتشمان نذكر منها: “شبكات تمنح الحرية” و”العمل دون تخريب”. وهذا حوار معه.

حوار: روساليا روميرو

بداية نودّ لو تحكي لنا عن تقييمك لفيلسوف كان أستاذك وربما لم يحن الوقت بعد كي يتم الاعتراف به الشكل الذي يستحقه، أعني مانويل ساكرستان، المفكّر الماركسي الإسباني والذي أعلن منذ عدة عقود أن الحركات الاجتماعية في المستقبل سوف تتمثل في النزعات السلمية والبيئية والنسوية.

عند وفاة مانويل ساكرستان عام 1985، كان هناك اعتراف عام به كواحد من أهمّ المفكرين الإسبان في القرن العشرين. واحد من المنطقيين الأكثر إطلاعا والأكثر أصالة بين الماركسيين الإسبان، والأكثر فطنة بين مفكّري حقبة التطور لمختلف التيارات الأوروبية منذ النزعة الشخصية والوجودية حتى الفلسفة التحليلية مرّوا بالمنهجية العلمية.

كل من يعرف ساكرستان يدرك ذلك، بالإضافة إلى أنّ الرجل كان في موضع أعلى من كتاباته التي خلفها: كفيلسوف ماركسي في ديكتاتورية مناوئة كان عليه أن يعمل في شروط معاكسة تماما، ولم يتمكن من كتابة كلّ ما كان يحمله بداخله. دائما ما فكر ومارس حياته ضدّ التيار، في وقت الديكتاتورية وبعدها كذلك. لا يدين ماركسيو إسبانيا إلى هذا الرجل فقط، بل كذلك الحركات الاجتماعية النقدية والبديلة. ثمّة أمر آخر وهو أنه على الفلاسفة الشباب أن يعرفوا أننا ندين لـ ساكرستان بأشياء أخرى كثيرة، أذكر ثلاثة من بينها: له إحدى القراءات الأكثر دقة في أوروبا لأعمال هيدجر الشاب، وإليه يعود اكتشاف، في بداية حقبة الخمسينات، أهمية أعمال مؤلِّفة كانت شبه مجهولة آنذاك، أعني سيمون وي، وكذلك اقتراحه بإعادة بناء دراسة الفلسفة والذي استبق ما سيعرف بعد ذلك بـ “الثقافة الثالثة”.

أية وجوه للفكر الماركسي يمكن أن تبرزها في بدايات القرن الواحد والعشرين؟

أولا، توقّع عولمة النظام الرأسمالي في وقت قريب جدا، من خلال عملية اندماج الشركات وتكوين الاحتكارات وتركيز رأس المال وتبعية الدول الهامشية والتجانس الثقافي. ثانيا، الحدس (وهذا موجود في المجلد الأول من “رأس المال”) بأنه في قطاع الصناعة لأنّ القوى المنتجة تميل إلى أن تكون قوى مدمرة، إلى قوى مدمرة للطبيعة. ثالثا، إعادة صياغة للمفهوم الهيجلي والفيورباخي عن الاغتراب بإظهار كيف أن استغلال الأجور العمالية، في ظل الراسمالية، إنما يقوم بتشييء الإنسان. رابعا، الفكرة المتكررة كثيرا في أعمال ماركس وهي أن الطبقة العاملة إما أن تكون ثورية أو أنها لا شيء. هذه القناعة العميقة من قبل ماركس إنما تطرح مشكلة خطيرة أمام الفكر الاجتماعي في بداية القرن الواحد والعشرين.

وفي المقابل، أعتقد أن عيب الماركسية الرئيسي تمثل في عدم إيلائها اهتماما بالغا لعلم النفس، وكانت النتيجة السلبية الرئيسية المترتبة على هذا، أنّ الماركسية التقليدية اهتمت بشكل محدود جدّا بالفردية الإنسانية وبالتربية العاطفية للأشخاص.

والآن نودّ لو تكلمنا عن الحاضر، وإلى الحاجة إلى التذكير بأهمية كتاب كانط عن السلام الدائم.

إنّ أعمال كانط (وبالمناسبة كذلك أعمال ماركس) إنما هي مثال رفيع على كيفية أنّ الأفكار السياسية الأخلاقية، وفكرة السلام الدائم التي كانت، تصل إلى أن تتحول، في الممارسة، إلى نقيضها. وهذا ما رآه بوضوح كارل كرواس، وهو من أهمّ المفكرين النقديين في القرن العشرين، في كتابه “الأيام الأخيرة للبشرية” وهو العمل الذي يتناول الحرب العالمية الأولى. في عام 1915 أعاد كرواس إنتاج تصريح لـ “فيلهلم الثاني “يقول: “نحن ندين بانتصارنا في جانب كبير منه إلى الأصول الأخلاقية والروحية الموروثة عن الحكيم الكبير لـ “كونسبرج “(كالينيجراد)، عن شعبنا” ثم يضم بعد ذلك هذا التصريح إلى نص “نحو السلام الدائم” رافضا ذريعة الحرب؛ ثم يضيف فيما بعد هذا التعليق الساخر: “أعلن أنني لم أحتط للأوامر “الصارمة”، “لتزحفوا”، “أن تكون قاسيا معهم”، “قاوموا بأقدام صلبة” كأمثلة على حتميتي القاطعة. توقيع: كانط.

الشكوى من التباين بين ما يقال باسم السلام الدائم، وبشكل أعمّ، باسم كانط الأخلاقي، وبين ما يحدث في الواقع، كان موضوعا متكررا في الفلسفة الألمانية. نجده،على سبيل المثال، في “رجل بلا خصال” لموزيل. ويعاود الظهور في كتاب حنا أرندت “آيخمان في القدس” هي التي بقيت منذهلة أمام تصريح آيخمان بأنه دائما قد استلهم الأخلاقية الكانطية وهذا الذهول يعطي أصلا لواحدة من أهم التأملات بالنسبة للوعي الأخلاقي للقرن العشرين. حسنا، الآن عندما يتم الحديث عن “الحروب الأخلاقية” وعن “الحروب الإنسانية” ويتم الاستشهاد بكانط، فإننا نعود إلى وضع شبيه بما كان يشكو منه كرواس وموزيل وأرندت. إن نفاق النزعة العسكرية لا يعر ف حدودا. والاستنكار ليس كافيا هنا ولا كذلك، بالطبع، “العودة إلى كانط”، وخاصة إذا كان ذلك لتبرير آثام “ذوينا” في العراق والبوسنة والشيشان أو في أي موضع آخر من العالم.

اعتبر البعض أن الأمم المتحدة كانت تحقيقا للفكرة الكانطية عن هيئة دولية لتجنب الحروب. هل توافق على هذا التقييم؟

لا، لست موافقا. بغض النظر عن إرادة أو عن استلهام بعض النظريات الكانطية، إن الأمم المتحدة لم تكن، لا حين ظهورها ولا في مسيرتها حتى الآن، تحقيقا للفكرة الكانطية. كانت لكانط فكرة تتمثل في اتحاد لشعوب أو لدول حرة يقوم على أن نبذ الحرب من جانب واحد سيؤدي بشكل إيجابي إلى جمهورية عالمية يتم فيها تجاوزحقوق الدول إلى حقوق كونية. والحقيقة ِأن ثمة رجعا بعيدا لهذه الفكرة في الوثائق التأسيسية للأمم المتحدة. لكن نشاطها أثناء الحرب الباردة كان موجّها، بالفعل، من أجل تنفيذ المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين. إنّ حقّ الفيتو المقتصر على القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية كان حدّا لا يمكن إنقاذه. وربما في العالم ثنائي القطبية الذي انبثق عن تلك الحرب والخارج باثنين من الأحلاف العسكرية (حلف شمال الأطلنطي وحلف وراسو) متواجهين بشكل دائم، لم يكن من الممكن انتظار ما هو أكثر.

إنّ ما يجعل من سخرية كارل كراوس أمر راهنا، وهذا ما أشرت إليه سابقا، أنه بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكيك حلف وارسو، تتم العودة مرة أخرى لاستخدام اسم كانط عبثا. بدلا من تمكين الجمعية العامة وتعزيز إصلاح مجلس الأمن على خطى اتحاد للشعوب وللدول الحرة فإنّ ما تمّ فعله في العالم ثنائي القطب الناشئ وفي ظل هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، كان إخضاع الأمم المتحدة لمصالح حلف شمال الأطلنطي، وهذا ما كان بالغ الوضوح في حرب الخليج وازداد أكثر عام 1999 خلال النزاع في كوسوفو. يتفق معظم الخبراء في مجال القانون الدولي أن ثمة انتكاسة ليس فقط فيما يمكن أن يكون قانونا كونيا بل كذلك فيما يخص المقارنة بالوثائق التأسيسية للأمم المتحدة. الفارق الوحيد الملحوظ في هذا الاتفاق هو أنه في حين يود بعض الخبراء ببساطة أن تحترم الروح التأسيسية (بدلا من توسيع حلف شمال الأطلنطي)، يرى البعض الآخر أن كل الظروف مهيأة أمام الإصلاح الديمقراطي لهذه المنظمة. والأخيرون، في تقديري، هم الأقرب إلى النهج الكانطي.

أية نصوص فلسفية يمكن أن تسلط عليها الضوء باعتبارها كلاسيكيات في التفكير البيئي؟

إذا كنا نفهم كلمة فلسفة بالمعنى الواسع (وبالمعنى الكانطي كذلك)، بمعني أنها ليست فلسفة أكاديمية ومنهجية، بل كتفلسف، فإننا يمكن أن نبدأ بمجموعة من كتابات جون موير (1838-1914) حول حماية الطبيعة، وان نواصل مع كتابات بودولينسكي حول إدارة الطاقة، ثم بعد ذلك، بالطبع ننتقل إلى ألدو ليبولد. بين الكلاسيكيين المعاصرين يمكن أن أشير إلى: “حدود النمو” (التقرير الأول لنادي روما)، و”بيان للبقاء على قيد الحياة” في، وبعض الأعمال الأخرى لـ باري كومونر “The Ecologist”

( وخاصة “الدائرة المغلقة”، و”نقص الطاقة والسلام مع كوكب الأرض)، وأخيرا، وفي معنى أكثر صرامة لكلمة فلسفة، “الشروط اللازمة لبقاء الجنس البشري” لـ إرينج فيتشر، و”مبدأ المسئولية” لـ هانز يوناس.

ما موقفك من مستقبل كوكب الأرض ومستقبل الجنس البشري، هل أنت متشائم أم متفائل، أم كلاهما معا؟

إن كلمات تفاؤل وتشاؤم تستحدم عادة للتعبير عن الحال المزاجية للشخص، وعندما تستخدم في معرض الفلسفة أو التفلسف فإننا يجب أن نتعامل معها بحذر. إن معظم المفكرين المصنفين كمتشائمين أنثروبولوجيين إنما يعطونني حافزا كي أواصل المقاومة. هذا ما حدث لي وأنا أقرأ ميكافيللي وجارثيان وليوباردي وشوبنهاور وفيبر وأينشتاين وكامو، وفي الآونة الأخيرة ألكسندر زينوفيتش. عندما كنت شابا جعلت من كلمة جرامشي إنجيلا لي : “تشاؤم الذكاء وتفاؤل الإرادة”.

والآن حيث لم أعد شابا أعتبر نفسي ماركسيا ليوبارديا. هذا ما اكتشفته وأنا أقرأ جون برجر. بشكل ما فإن الطبيعة قد “هجرتنا”، هي التي هجرتنا. لكن ما ندعوه بالطبيعة أو بالشرط الإنساني فإنه من المرونة بحيث لا يصلح لعمل تكهنات، ولا متشائمين أو متفائلين. إذا كان علينا الاكنفاء بالخبرة التاريخية فإنه يجب القول إن الإنسان العاقل العاقل تعلم معظم الأشياء الهامة عن طريق الصدمة، منذ قرون ونحن نحاول عقلنة هذا الأمر. إنّ المنهج العلميّ هو الذي يقترب أكثر من Shock معرفة متوازنة ومعتدلة تجاه الطبيعة والإنسان. ولذلك فهو بحاجة إلى كمامة كذلك.

بالإضافة إلى هذا، لا يمكننا استبعاد ِأن ينتج عن هذا نوع من الطفرة الأنثروبولوجية. ما ندعوه بالضمير لا يمكن أن يظل كما هو عندما نستطيع أن نرى مباشرة مآسي العالم. إذا كان خبر زلزال عام 1755 في لشبونة قد زعزع قناعات فولتير حول الشر والتعاسة، إذن فكيف سيتطور الضمير في ظرف، كظرفنا، والذي لا يقتصر فقط على عولمة الاقتصاد بل كذلك الشعور بالتعاسة.

(ترجمة عن الإسبانية)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق