حوار مع باسكال لامي Pascal Lamy حول أزمة الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية

{{يعتبر باسكال لامي، المدير العام لمنظمة التجارة العالمية والعضو في الحزب الاشتراكي الفرنسي، أن اليسار يجب أن يعطي أكثر أهمية لنقد الرأسمالية، بما في ذلك بالخصوص تحليل حدودها وقيودها الأنثروبولوجية.}}

{{[*كيف تفّسرون التقهقر شبه العامّ للديمقراطية الاجتماعية في انتخابات البرلمان الأوروبي في حزيران / يونيو الفارط؟*]}}

يشكّل هذا الفشل مفارقة في زمن الأزمة، غير أنه أمر لا جدال فيه. وذلك لسببين. فبالرغم من جهد التفكير الذي أطلقه الحزب الاشتراكي الأوروبي، فإنّ تحليله لرأسمالية السوق لم يكن معمّقا بما فيه الكفاية ولا مسموعا، لانعدام تبنّي الأحزاب الوطنية لهذا التحليل وترويجها له. ثمّ إنّه قيل – طيلة سنوات عديدة – أنّ الاشتراكيين الفرنسيين كانوا هم الأشدّ مرضا بأوروبا. فلم يكْفِ أنهم لم يُشفوا بعد، بل إن ضعفهم الإيديولوجي امتد إلى الاشتراكيين الأوروبيين الآخرين أيضا.

{{[*المفارقة هي أن الديمقراطيين الاجتماعيين كان لديهم، ولأوّل مرّة، بيانٌ مشتركٌ…*]}}

نعم! لكن ذلك كان عملا تمّ من أعلى إلى أسفل، و لم يكن محمولا من قبل الأطراف المختلفة. يبدو الحزب الاشتراكي الأوروبي مفهوما جميلا، لكنه مجرّد إلى حدّ الآن من الواقعية السياسية. وخير دليل على ذلك أنّه لا يقبل الانخراطات المباشرة. وتتكوّن المجموعة الاشتراكية في البرلمان الأوربي من تصافف مجموعات وطنية لا يبدي لها – حقا – أيّ من الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني وحزب العمال البريطاني اهتماما يذكر. أمّا بالنسبة للحزب الاشتراكيّ الفرنسي، فالأمر مرتبط في صلبه بالأفراد. والنتيجة أن لا وجود لتجانس أيديولوجي داخل الحزب الاشتراكي الأوروبي.

{{[*شكّلت أوروبا طويلا، حسب رأيكم، مجال التوافق الديمقراطي الاجتماعي. فهل يكون فشل الاشتراكيين ترجمة لضعف الاتحاد الأوروبي؟*]}}

المشكل أعمق من ذلك بكثير. فهو يحيل إلى القيم والتحليل، و لكن أيضا إلى الأدوات والسياسات التكتيكية التي يراد تنفيذها. ففي مجال القيم، يجب على اليسار العالمي تحديث نقده لرأسمالية السوق. فالشروط التي تطرح بها المسألة الاجتماعية – التي لا تزال هي القضية المركزية بالنسبة لليسار – قد تغيّرت بصورة أساسية نتيجة للعولمة: أي إنّ الفضاء الذي يجب أن تبسط وتعالج فيه (هذه المسألة) هو الفضاء العالمي. بطبيعة الحال، لا يزال المستوى المحلّي والوطني حاضرا، كما يدلّ على ذلك نجاح اليسار في البرازيل أو الهند، غير أنّ الإصرار على عدم الانطلاق من تحليل شامل للصعيد العالمي يؤدّي إلى طريق مسدود.

إضافة إلى ذلك أصبحت الفضاءات الإيديولوجية التي تتحدّد في صلبها المقاربة اليسارية أكثر تعقيدا. فالمحور المتداول هو الذي يذهب من (قطب) الحرية إلى (قطب) المساواة. اليسار يعطي الأفضلية لتحقيق المساواة، وهو مفهوم أكثر جماعية، بينما اليمين يفضل الحرية، التي هي أكثر فردية. لقد انضاف إلى هذا المحور التقليدي محور ثان: تجاري/مجاني (أي يذهب من قطب السوق الحرّة إلى قطب المجانية). ثمّ انبثق محور ثالث: اقتصادي/ أناسي (يذهب من قطب الاقتصاد إلى قطب الانثروبولوجيا). فهل السعادة، بتعبير آخر، مرتبطة بتوزيع الثروات؟ وما هي الحدود الأنثروبولوجية التي يسلطها الضغط الاستهلاكي على وضع الأفراد؟ يجب على اليسار أن يفكّر في حدود رأسمالية السوق، بصيغ أكثر تطويرا ونقدية في نفس الوقت. وطالما أنه لم يقم بهذا العمل التجديدي للمفاهيم، فإنّه سوف يمرّ بجانب جزء هامّ من الواقع الاجتماعي الحديث، وسيبقى صوته غير مسموع.

[*{{والايكولوجيا؟}}*]

من الواضح أنها مصدر انشغال كبير، محدّد من الآن فصاعدا بصورة جيّدة. وفي حين يمثّل التنافس المفهوم الأساسيّ لدى اليمين، على غرار التضامن عند اليسار، أعتقد أن البيئة هي بعد من أبعاد التضامن.

[*
{{كيف يمكن التفكير في التضامن على الصعيد العالمي؟}}*]

من الواضح أنها المشكلة الأساسية. وحلّها ينطوي على تغيير ثقافي كبير، لأنّ أدوات التضامن هي بالضرورة أدوات للتنظيم والإكراه الجماعي، وهو ما يطرح على الفور مسألة الشرعية: فحتى الآن، كانت الأدوات الجماعية الشرعية الوحيدة هي تلك التي تنجم عن العمليات الديمقراطية التي يكون فضاء الأمة هو فضاؤها المفضل. وتبقى هذه الأدوات بالتالي أركان استقرار على صعيد الدولة الوطنية. يجب علينا أن نشرع في البحث عن ديمقراطية عالمية قادرة على شرعنة تضامن عالمي.

{{[*
زيادة عن القيم، ما هي الأدوات والأساليب التكتيكية التي يتعيّن اعتمادها؟*]}}

هناك نوعان من الأدوات الممكنة لتطوير التضامن: إعادة توزيع الثروة وتعديل اقتصاد السوق. اعتقد أن قبول هذا التعديل يتم غالبا بأكثر سهولة، وذلك رغم أنّي في موقع بمنظمة التجارة العالمية، يسمح لي بمعرفة أنّ إرساء قواعده يفترض مفاوضات أكثر تعقيدا في بعض الأحيان من تلك التي تستدعيها آليات إعادة التوزيع.

أما في ما يتعلق بالتكتيك، فذاك هو السؤال الأبدي: هل يجب تشجيع تجميع اليسار، حتى من غير تأكيد على أرضية مشتركة له، أم يجب بالأحرى تفضيل تجديد محتواه الإيديولوجي. لقد انحاز اليسار الفرنسي دائما – من ميتران إلى جوسبان – إلى الخيار الأوّل. وأعتقد أننا بهذا نكون قد وضعنا العربة أمام الحصان، غير أني في ما يتعلق بهذه النقطة أجد نفسي ضمن الأقلية داخل الحزب الاشتراكي، وذلك منذ فترة طويلة.

{{[*ما هو تحليلكم للوضع داخل الحزب الاشتراكي؟*] }}

الحزب الاشتراكي الفرنسي هو سجين مؤسساته وثقافته البرلمانية. وهو ليس في وئام مع النظام الرئاسي وقدسيّة السلطة. وهو آهل بنوّاب محليين من طراز رفيع يقومون بحقّ بعملهم الإداري و التسييري ويعلمون أن الرقية السياسية لا تُشفي من داء الخنازير. إني أفهم ضيق الحزب الاشتراكي بالمؤسّسات، ولكننا لن نتراجع مع الأسف، عن انتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع العامّ. لذا يجب علينا أن نقبل بذلك ونتكيّف معه. غير أنّ هذا ليس هو العائق الوحيد. يجب على هذا الحزب أن يقترح أرضية إيديولوجية حقيقية. لا يمكن اختصار ذلك في ثلاث جمل، إنه عمل فكري هائل. غير أن الحزب الاشتراكي أصبح بيروقراطية سياسية كبيرة، تخصّص 80 % من مواردها لاشتغالها الداخلي.

{{[*كيف يمكن حمله على العمل من جديد؟*]}}

انه في حاجة إلى زعيم، أي إلى مرشح (أو مرشحة) إلى الاليزيه. لكلّ حزب سياسي ثلاث وظائف: تطوير أرضية تصلح لتولي الحكم أو معارضته، العمل على بروز قائد أو زعيم، وأخيرا إدارة التعبئة الجماهيرية وتيسير النقاش العامّ. انظروا إلى ما يحدث بالولايات المتحدة. فالحزب الديمقراطي استعان لا محالة بمصادر خارجية من مؤسّسات الفكر والرأي لبلورة برنامجه، ثم قام بعد ذلك باستبطان هذا العمل، لكنه كان يعرف كيف يختار المرشّح أو المرشّحة ويفرض “الحدث” والمشهد الفرجوي على وسائل الإعلام. أمّا في فرنسا، فالحزب الاشتراكي لا يتقن أيّا من هذه الوظائف.

{{[*هل يمكن للحزب الاشتراكي أن يذوي أو يموت مثل الحزب الراديكالي أو الفرع الفرنسي للأممية العمالية SFIO قبله؟*]}}

لا أقول أن ذلك جائز أو مرغوب فيه، بل أقول إنه ممكن.

{{[*يعتقد البعض أنّ اليسار الأوروبي لم يعد يساريا بما فيه الكفاية ؟*]}}

صحيح أنّ اليسار خصخص ورفع القيود (عن النشاط الاقتصادي)، لكن كان ذلك لوضع حدّ لتجمعات ضخمة أصبحت غير مجدية. فمن الذي يتمنّى اليوم بقاء رينو مؤسّسة عمومية؟ وفي المقابل، لم يفكّر اليسار بما فيه الكفاية في الأشكال الجديدة للتضامن، بما في ذلك التعليم حيث يكمن لبّ المعركة ضدّ عدم المساواة في جميع أرجاء العالم.

{{[*ما رأيك في المأزق الذي يجد الاتحاد الأوروبي نفسه فيه؟*]}}

الاتحاد الأوروبي متقدم بفارق كبير، مقارنة مع غيره من محاولات الاندماج الإقليمي، مثل “ألينا” (تجمع بلدان أمريكا الشمالية)، “ميركوسور” (تجمع بلدان أمريكا اللاتينية) و”الاسيان”(تجمع بلدان جنوب شرق آسيا). لقد كان قادرا على تحقيق القفزة التكنولوجية التي أدت لقيام سلطة أو نفوذ ما فوق وطني، غير أنه لا يزال فاقدا للشرعية ما فوق الوطنية. لعدة عقود، كنا نفرك الصوان المؤسساتي من غير أن نحصل على النار الديمقراطية. يشكل ذلك مشكلا بالنسبة لأوروبا ولكن أيضا بالنسبة لقارات أخرى، وسوف تصطدم هذه الأخيرة بهذا السقف الديمقراطي إذا ما فشل مشروع أوروبا السياسي. غير أنني لا اعتقد أن هذا غير قابل للتدارك. فنحن بحاجة إلى فهم أفضل لقضايا الهوية والانتماء والثقافة والحضارة التي أهملت إلى حد الآن. عندنا الكثير من رجالات القانون والاقتصاد وليس ما يكفي من خبراء الأناسة وعلم الاجتماع.

{{[*يعتقد ميشيل روكار أن الأوروبيين صوّتوا لفائدة اليمين لأنهم تخلوا عن الإثراء بواسطة العمل وأصبحوا يعتمدون على مداخيل رؤوس أموالهم.*]}}

كلا! هذه قدرية! لقد صوّت الناخبون لفائدة اليمين لأنهم قلقون على مصيرهم، و لأن اليمين أعلن انه سوف يحميهم على نحو أفضل، كما أنه لم يتردد في استعارة العديد من الأدوات (السياسية) المتداولة عند اليسار. ولكن العامل الرئيسي هو عدم وجود بديل يقوم على نقد النظام الرأسمالي وتجاوزه. وأعتقد أنه يوجد في السوق الرأسمالية حالات جوهرية ومتأصلة من عدم المساواة يجب الاعتراض عليها جذريا. قلة من الغربيين يقومون بذلك و أمارتيا صن Amartya Sen يعمل في هذا الاتجاه. وهذا ليس مستغربا.

على سلم محور( الاقتصاد/ الأناسة )، يكون الفكر الهندي أو الصيني – في ما يتعلق بتحقيق السعادة – أقل مادية وضيقا من الفكر الغربي. وبالمثل، يتمتع الأفارقة بتصوّر للجماعات البشرية وللعلاقة مع الطبيعة أكثر ثراء ولباقة من ذلك التصور الذي لدينا. ولهذا السبب يجب علينا أن نفكر خارج الحدود الايكولوجية للرأسمالية – التي باتت اليوم معروفة عندنا- في الحدود الأنثروبولوجية لرأسمالية السوق. فهذه الأخيرة أصبحت تضع الكثير من الضغوط على الفرد، بصورة أساسية.

{{[*هل تشكل اللجنة التي بعثها نيكولا ساركوزي و التي تضم ستيغليتز وصن وتتعلق ببلورة معايير أخرى للقيم تختلف عن الناتج المحلي الإجمالي، أمرا جيّدا؟*]}}

من الواضح أن المحاسبة القومية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية قد تم تجاوزها. لقد اشتغل جاك ديلور وآخرون قبل ثلاثين عاما من ذلك على المؤشرات الاجتماعية. ولكن، لن يكون من السهل تحديد محتوى للسعادة القومية الإجمالية أو إدخال الاضطراب على الآلية الإحصائية العالمية.

{{[*
كيف تردون الفعل على هذا الجدل القائم حول المكافئات المالية؟*]}}

تشكل العلاوات والملاذات الضريبية عناصر هامة، لكنها ليست أساسية. المشاكل الحقيقية للتعديل الاقتصادي تكمن في مكان آخر ، والخطر يكمن في أن الانتعاشة الاقتصادية الوليد ةقد توفر تسكينا رخوا يسمح بالتملص من مناقشة المسألة. تتمثل القضية الحقيقية في وجوب إخضاع الصناعة المالية لقواعد عالمية مُلزمة. لقد دافعتُ في أعمدة جريدتكم على تنظيم عالمي “صلب” للقطاع المالي، أي (بعث) صيغة أو طراز من “منظمة عالمية للمالية” كما كتبتم ذلك آنذاك. هنا يكمن الرهان الأساسي، وهو يطرح مشكلتين مهمتين : تتمثل الأولى في أنه يجب التغلب على جماعات الضغط القوية، والنقاش الأميركي يبين كيف أن بروميثيوس Prométhée ، على الرغم من نواياه الطيبة، لا يزال مكبّلا. أمّا الثانية فهي تتمثل في أن الدول قد فوّضت بعدُ جزءا من نفوذها – في ما يتعلق بالمسائل المالية – إلى سلطات مستقلة: ألا وهي البنوك المركزية. فمن ينبغي عليه التفاوض إذن حول القواعد ومراقبة تنفيذها والتحكيم في النزاعات؟ هل هي الدول؟ أم المصارف المركزية؟

{{[*هل لهذه الأزمة آثار إيجابية؟*]}}

لقد سمحت هذه الأزمة على الأقل بإنشاء مجموعة العشرين(G20) وهو ما يعد خطوة هامة في الحكامة العالمية. يجب علينا الآن أن ننظر في العلاقات التي تربط بين:الثالوث مجموعة العشرين – المنظمات الدولية المتخصصة – الأمم المتحدة. الأولى تمارس القيادة، و المذكورة ثانيا تملك التخصص، بينما تتمتع الثالثة بالشرعية. يجب علينا إعادة تنظيم هذا المثلث والقبول بأن تصبح الأمم المتحدة بمثابة برلمان للعالم تكون أعماله مهيأة من قِبل مجلس اقتصادي واجتماعي (Ecosoc) يتم تجديد مظهره بكل جدية.

{{[*
عشرون عاما بعد سقوط جدار برلين، ألا تقّدم الصين وروسيا نماذج مضادّة رهيبة تقابل بها الفرضية القائلة بأنّ التجارة والديمقراطية تتواءمان بالضرورة؟*]}}

عموما، ييسّر تقدم المبادلات التجارية ترويج الديمقراطية وينجح الانفتاح الاقتصادي في التغلب على الفقر، أكثر ممّا هو العكس. بيد أنه ليس هناك شيء يأتي تلقائيا وتأثير الظروف المحلية والإقليمية لا تقلّ أهمية عن الظروف العالمية. التفسير الخاطئ الذي يرتكبه “المناهضون للعولمة”، هو أنهم لا يدركون أنّ البلدان النامية هي التي تسعى اليوم إلى توسيع الانفتاح التجاري للمبادلات.

[* باسكال لامي Pascal Lamy*] : {{ المدير التنفيذي لمنظمة التجارة العالمية منذ عام 2005 ويبلغ من العمر 62 عاما. ينتمي للحزب الاشتراكي الفرنسي منذ عام 1969 وكان أحد المقربين من جاك ديلور، بوزارة الاقتصاد والمالية (1981)، ثم برئاسة المفوضية الأوروبية (1984). شغل خطة المدير العام لبنك كريدي ليونيه (1994) ثم المفوض الأوروبي للتجارة بين 1999 و2004. ومن بين مؤلفاته، بالخصوص، الديمقراطية- العالم: من أجل حكم عالمي رشيد(Seuil, 2004) .}}

{{نشر الحديث بصحيفة “لومند” ضمن ملف يتناول أزمة الديمقراطية الاجتماعية بأوروبا بتاريخ 27 أغسطس/أوت 2009.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق