حوار مع جاد الكريم الجباعي: المعرفة حرب وتقويض

توخيت مما وسمته بـ”حروب المعاني” دعوتنا، نحن الذين ما فتئنا نطرق مسألة ” المعرفة والسلطة” في إطار فكر يقوم على ثنائيات الذات والموضوع، الفكر والواقع، الإيديولوجيا والحقيقة، دعوَتنا إلى الانفتاح على طرح مغاير، لا يلغي بالضرورة الطرح الوظيفي، إلا أنه يفسح المجال كي ننظر لعلاقة المعرفة بالسلطة، لا كعلاقة “تخارج”، وإنما من حيث إن علائق القوة تشكل نسيج المعرفة وسداها.

تعني هذه الدعوة، من بين ما تعنيه، فتح الطرح الماركسي نفسه على طرح آخر هو الطرح الجينيالوجي الذي يمكن أن نضم حوله أسماء نيتشه ودولوز وفوكو، خصوصا وأن هذا الأخير سبق له أن أثبت نقاط التقاء متعددة بين نيتشه وماركس فيما يخص هذا الباب.

تمهيدا لتوضيح هذا الموقف الذي يطرح مسألة المعرفة منذ البداية ضمن علائق قوة، ربما وجب علينا التمييز بين نظرتين: الأولى ترى أن قيام المعرفة إثبات تدريجي لحقائق، وأنها عملية نمو وتراكم وبناء، أما الثانية فتنظر إلى المعرفة على أنها عملية تقويضية تراجعية، وأنها قضاء على أخطاء وفضح لأوهام.

الرؤية الأولى تنطلق من الفراغ نحو الامتلاء، ومن درجة صفر المعنى نحو بناء المعاني، أما الثانية فمن فيض المعنى نحو التشذيب والتهذيب. إذا استعرنا عبارة الأخ الجباعي (تعقيب على عبد السلام بنعبد العالي: قوة المعرفة .. وحروب المعاني)، فلن تعود المعرفة كما قال “ذهابا ومذهبا في المجهول”، و إنما “ذهابا في المعلوم”. لنتذكر عبارة باشلار”إن المعرفة لا تنطلق من الجهالة كما ينطلق النور من الظلمة”. هذه النظرة تعتبر أن “بناء” المعاني حفر وتراجع و تقويض وتفكيك، وهي ترى أن التفكير قطيعة وانفصال و”بعث لفراغات”، وأن كل تأويل هو دائما تأويل مضاد، كل تأويل دحض وتفنيد. وهي لا تقول بالواقع الخام. الواقع في منظورها دوما ملون. من هنا فليس التأويل رجوعا بالأمور إلى معانيها “الأولى”، معانيها الأصلية الحقيقية الجوهرية، وإنما هو إثبات أولويات وأسبقيات، إثبات علائق تفاوت، علائق اختلاف. المنطق المتحكم هنا ليس منطق الهوية والتطابق، وإنما منطق التعارض والتفاضل.

ما أبعدنا إذن عن منطق الحصر والتحديد، منطق الميتافيزيقا. فنحن هنا أمام تأويل لا يمكن أن يكون إلا لامتناهيا. هناك تأويل لانهائي لأن التأويل لا ينصب على علامة عزلاء تعطي نفسها بشكل انفعالي، وإنما على تأويل آخر يحاول أن يفرض نفسه بشكل فعال. فالعلامة لا تتحدد منطقيا، ولا يكفي لتعريفها حدها المنطقي. إنها تنطوي على فائض معنى، أي أنها لا تُعطى حتى لنفسها، وبالأحرى لغيرها. هناك تأويل عنيف، لأن العالم لا يعرض علينا وجهه إلا على هيئة قناع، ولأن الواقع كتلة من الألوان والنعوت والمعاني. هنا يغدو “منطق المعنى” هو منطق الواقع. لأن الواقع ينحل إلى حركة التأويل ذاتها. يقول نيتشه، الذي سبق له أن أكد مرارا أن السؤال الجينيالوجي هو السؤال عمن يوجد وراء هذا التأويل أو ذاك، يقول متجاوزا ذاته كعادته: “ليس من حقنا أن نتساءل: من ذلك الذي يؤول؟ إن التأويل ذاته، من حيث هو شكل لإرادة القوة هو الذي يوجد”. ليست علاقتنا بعالم المعاني إذن علاقة ذات بموضوع، ما دمنا “في المعنى” إن صح التعبير. فنحن دوما غارقون في بحر المعاني، في خضمها وحروبها.

لن تعود مسألة المعنى إذن متوقفة على تحديد مواطن الحقيقة، بل إن مفهوم الحقيقة ذاته سيتخذ معنى مغايرا ليغدو مجموع الطرق والعمليات التي يتم بفضلها إنتاج العبارات وتوزيعها وتداولها. صحيح أن الحقيقة ستظل مرتبطة بأنظمة السلطة التي تولدها لكنها سترتبط أيضا بمفعولات السلطة التي تتولد عنها. حينئذ سيصبح لكل “عصر” نظام معين للحقيقة، وسياسة للمعرفة، أعني اقتصادا سياسيا للمعرفة، أي تدبيرا لها، وأنواعا من الخطابات يقبلها على أنها خطاب الحقيقة، وآليات ومنابر تسمح بتمييز الصواب من الخطأ، وتقنيات وطرق للتوصل إلى الحقيقة، ووضعية معينة لأولئك الذين يوكل إليهم قول ما يعمل كحقيقة. ليس هذا بطبيعة الحال تبخيسا من قيمة الحقيقة “العلمية”، و إنما هو تنبيه إلى أن هناك أنظمة مغايرة للخطاب، وأن الحقيقة “العلمية” لم تكن دوما نموذج الحقيقة ولا معيارا لها، وأنها لم تتمكن من فرض ذاتها إلا عبر صراعات ونضالات وحروب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق