حوار مع ريجيس دوبري Régis Debray

تكمُن قضية السياسي، في جوهرها المتمّثل في الرابط الاجتماعي والحياة المشتركة، في صميم أعمال ريجيس ديبراي منذ صدور كتابه القيّم “نقد العقل السياسي” (غاليمار 1981). لقد قاده تفكيره حول السياسي إلى الاهتمام عن كثب بالحدث الديني، عِلما أنّ أطروحته المركزية تبيّن أنّ كلّ مجتمع يتأسّس حول مبدأ غير مرئيّ، يوحِّد بين أفراده. أمّا كتابه الأخير “اللحظة الأخوّية” (Le Moment fraternité) فهو في نفس الوقت حوصلةٌ جيّدة لأعماله السابقة حول قداسة السياسي و تفكير مُلهم حول حدود ” الدين المدني لحقوق الإنسان” ومفهوم الأخوّة، الضارب جذوره في الحداثة كما في القدم على السواء. من المحتمل أن لا يوافق المرء رأي الميديولوجي بخصوص مجمل أطروحاته أو أن تكون له رؤية أكثر تفاؤلا من رؤيته، غير أن المهتمّ بمستقبل مجتمعاتنا سوف يطالع باهتمام هذا الكتاب الجيّد، المُحْرج في بعض الأوقات، لكن المنير دائما. تنفرد مجلة “عالم الأديان” بهذا الشرح النصي وهذا الحوار مع المؤلف. (فريدريك لو نوار)

{{[*تستهلون كتابكم بفكرة ثاقبة حول المقدّس. فلماذا يحتاج كل مجتمع، حسب رأيكم، إلى مقدّس؟*]}}

لأنّ ما يوحِّدنا يتجاوزنا- في الأفضل كما في الأسوإ. ما هو الشيء الذي يستطيع أن يحوّل جمعا من “الأنايات” إلى “نحن” فريدة ؟ كيف يمكن لنا أن نكوّن جمْعا وما الذي يسمح لشخصية معنوية أن لا تندثر مع الأشخاص الذين تتجسّد فيهم ويكونون جزءا منها؟ ذاك هو السؤال الذي ما فتِئْتُ أطرحه، منذ ثلاثين سنة. لا تأتي اللـُّحمة بسهولة، لأنّ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان كما يقال. ومع هذا، فنحن نعاين وجود مجامع وأمم وقبائل ونوادي وفرق ومحافل وكنائس. فما الذي يجعل من قِطع متفرّقة، بُنية ً هندسية مستقرة ودائمة؟ يبدو لي أنه السموّ أو التعالي، المتموقع خارج المعطى الحيني. فلكي يوجد انتماءٌ، لا بدّ أن تكون هناك نقطة امّحاء، ثقـْبٌ بنـّاء، فراغ قممي، قد يكون أحد الأجداد أو الآباء، نصّ، حدث، أسطورة، أمل. نقطة الهروب هذه، المؤمِّنة للتماسك والدوام، هي ما يعبّر عنه بالمقدّس. إنّي أرى فيها حاجة لا تتغيّر لأشكال تعبير غاية في التنوّع، لأنّ كلّ مجموعة إنسانية تنتج قداسياتها الخاصة: فليس نفس الشيء أن نتجمَّع تحت أقدام نصب أثينا، أو نصب المسيح أو تمثال لنكولن أو لينين.

{{[*هذا يعني أن اللاعقلانية ستظل دوما متواجدة في حياة البشر المشتركة… فهل تتمنـّوْن أن نتوصّل إلى التخلـّص من هذا اللامرئي الذي يؤسس للمقدّس ؟*]}}

كتقيٍّ مؤمن بالمادية، آملت طويلا في إمكانية الاستغناء عنه (أي اللامرئي)، بأن نجعل من الإنسان أبًا للإنسان وبأن نختزل كلّ مصير مشترك في تسيير ذاتيّ طفيف. غير أنّي حملت نفسي على الاقتناع بـ(ضرورة) وجود يوم في الأسبوع يخصّص لعمل شيء آخر، شيء مخالف لما نفعله عادة في سائر الأعمال والأيام. ذلك أني لم أعرف قط مجتمعا أو أمّة لم يكن لها، في منطقة عيشها، موقعا حسّاسا يبلور ذاكرة أو أملا، لذا تراني أتناول هذا اللغز بمعاينة ما هو مرئيّ، بوصف ما هو مشترك بين تلك “الأماكن” الرمزية التي يمكن أن تكون معلما تذكاريا أو حائطا أو ضريحا أو ناؤوسا. فهي، في آن واحد، نقاط تجميع وفضاءات لتقييد الناس وتفريقهم. إنّ ما يخوِّل لنا العيش المشترك، هو أيضا ما يضعنا على حِدة بالنسبة للآخرين الذين ليسوا من طائفتنا. هذه هي اللعبة المزدوجة للمقدّس.

{{[*إنّ رسالة المسيح الطريفة، وهو قائل للسامرية – « ليس على هذا الجبل، ولا في بيت المقدس، يجب عبادة الإله، بل في الفكر وفي الحقيقة»(يوحنا،4) – تتمثل بالضبط في الخروج من هذا المنطق التقديسي الذي يسيّج داخل فضاء وتربة وطائفة. أليس خطأ المسيحية يكمن في كونها عادت إلى قدسيّة تطوِّق (الإنسان)…أفلا خلاص خارج الكنيسة؟*]}}

إن ما تقدمونه كخطإ، وإذن كضلال، أراه ضرورةً، مؤسفةً لا محالة، لكنها حتمية. التاريخ العمليّ للروحانية المسيحية هو درس من دروس الطبيعة. فالمسيح أعطى أحسن تعبير لما هو مبتغى ومأمول، وتاريخ المسيحية سلك نهج الرجوع إلى الممكن. رجوع من طوبى اللاهوتية إلى أنتروبولوجيا – هي على الأرجح مغيظة – بالنظر إلى الوعد الكبير. كان المسيح قد جاء ليعلمنا أنه لم تعد لنا حاجة إلى معبد كي نصليِّ، فالله ليس له مكان محدّد وهو يوجد في كلّ مكان في قلب كلّ بشر. لكن، ماذا جرى بمجرد أن مات؟ إن أتباعه صنعوا له مقدّسا – إن صحّ التعبير – من وراء ظهره. لقد كذّب السلوك الواقعيّ للطائفة الرسالة المتفرّدة التي كانت سبب مولدها (كطائفة). فأقرّ الأتباع الشعائر الدينية، لكن في كنيسة، وتحت إمرة شخص مميّز، أي رجل دين.

[*{{ألا يوجد هناك توتـّر في جميع الحضارات بين الدين المؤسّساتي (المؤسّسات الدينية) الذي يسعى إلى حصر المقدّس وبين التيارات الصوفية (أو الرمزية) التي تسعى لتعميمه وانتشاره؟}}*]

يبدو هذا التوتّر فعلا غير قابل للتجاوز. فالروحيّ يريد الإبحار بعيدا والدينيّ يعيد إلى مرفأ (المقدّس). الصوفيون يحدثون الثقبة، وأتباعهم، من ورائهم، يقيمون الجدران ويشيّدون أسوارا عقائدية، قانونية وجغرافية. هذه هي اللعبة التي نجدها في اليهودية والمسيحية والإسلام. هناك الصوفي وهناك الإمام. هناك “القس بيار” l’abbé Pierre وهناك الكاردينال. الشائك في الأمر، هو استحضار الاثنين معا في آن واحد.

[*{{تتجسّد القداسة الحديثة – أي الديانة الغربية كما تقولون – في حقوق الإنسان، وتشكل دينا مدنيّا، تظهرون حياله موقفا نقديّا إلى حدّ ما. أفلا يكون المثل الأعلى لحقوق الإنسان، مع هذا، ضروريا لبناء عالم قابل للحياة، عالم سلميّ؟}}*]
إننا نجد في ديننا المدنيّ الجديد – دين اللامؤمنين – نفس المعارضة الحميمة التي نجدها – في المسيحية – بين الإيحاء الأصليّ والتشكّل المؤسّساتي النهائي، أو، إن فضّلتم ذلك، بين خطابات الغبطة (عِظات الجبل) والحروب الصليبية المُبيدة. وبقدر ما لا يحقّ لنا أن نُسقط على المسيحية جرائم النصارى ولا على فلسفة الأنوار جرائم الشيوعية، فإنه ليس من العدل أن نعزوَ ذنوب الغرب إلى حقوق الإنسان التي يعلن الانتساب إليها. لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ في الكسب التاريخي لحقوق الفرد فتحا إنسانيّا هائلا (لحصون الاستبداد). أمّا المثير للسخط، فهو أن نرى مطمحا بشريا بلا ضفاف يضفي الشرعية ويخدم ركاب نظامَ حُكْم مُطبق، هو خليط من السخرية والظلم والآراء المتحيّزة. إني أطالب، بصفتي لائكيا صالحا، فصلا واضحا بين الروحانيّ والزمنيّ، وبين المُثل الناظمة والمعدِّلة وجهاز الدولة. وإلا فإنّ النزعة الإنسانية سوف تقودنا إلى كهنوتيّة جديدة. فهناك، عند الغربيين، عقدة تفوّق وكبرياء ضاربة في العمق، إلى درجة أصبحت فيها حقوق الإنسان نظاما مغلقا على نفسه، لا يعترف بالآخر ويشكل حاجزا حقيقيا أمام كل عملية انزياح (عن الذات). إنّ الاعتداد الأخلاقي بالذات يصلـّب من مجال وعينا الذي لم يعد نرجسية حضارية فحسب، بل أصبح انطواءً على النفس، وإنكارًا للأخوّة. أمّا الأكثر بلبلة، فهي تلك اللامبالاة الشديدة، التي يبديها المواطن الغربي المتوسّط تجاه الآخر بصفته آخر

[*{{الفكر- الذي من المفروض أن يكون فكر إدماج – أصبح حسب رأيكم، فكرا للإقصاء…}}*]
المعضلة تتمثل في كونه لا يرى نفسه هكذا. ذلك أن خصوصياتنا تتغلّف بقناع الشمولية. هذا مألوف، تجيبونني، ” لا تقتل نفسا”، “لا تشته زوجة ذي القربى”، “احترم الغير”. نعم ، كلّ هذا جميل! لكن من هو هذا الغير الذي تأمرنا حقوق الإنسان، على غرار الكتاب المقدّس، باحترامه؟ إنّه ليس ذلك الرجل الذي يسكن في الجهة الأخرى من الجبل. إنه الشريك في الدين، الأخ أو ابن العمّ. يجب أن نتذكّر دائما حقوق الفرد، وهي حقوق لا تتقادم، وأن لا ننسى أبدا أنّ مجموعة بشرية ما لا تسيَّر أو تساس كما يسيّر شخص مُفرد. الفرد، في هذه المضامين، لا تؤول له الكلمة الأخيرة أبدا. وقد يأتي يوم، بعد قرن أو قرنين، نتعجّب فيه من “عبادتنا للإنسان المؤلـّه”، لنرى في إيمان اليوم، الضيّق على نحو ما، آثار زمن الوهم، حيث كان الإنسان يعتبر نفسه مركز العالم، وأنه طليق اليدين ومنفصل عن الطبيعة والكائن الحيّ. هذا الانفصال أو اللاترابط الموهوم قد يثير فينا عندئذ ابتسامة السخرية ونحن نتكلم عن حقوق الكائن الحي وعن واجبات الإنسان تجاه العالم.

[*{{يكمن مفهوم الأخوّة في قلب مؤلفكم الأخير. فلأيّ غرض يبدو لكم اليوم هذا المفهوم ملائما بوجه خاص؟}}*]

لأنه يقع كبته، بصورة مأسوية، كل مرّة يأخذ الاقتصاد فيها الغلبة ويصبح المال سيّد الموقف. وللتوضيح، إنه يشكل في نظري شغلا أو تمرينا أو رياضة أكثر من أن يكون مفهوما. إني أتكلم بالطبع عن الأخُوّات المنتقاة. فالأخوّة هي عكس العلاقة البيولوجية بين الأشقاء. والذي حيّرني أيضا هو سبب هذا التناسي أو الكبت وهذا الشغور الحالي في التركة. فالأخوّة، التي كانت غير قابلة للتخيّل في العصور القديمة، في إطار مجتمع اللامساواة، غدت ممكنة مع الديانات التوحيدية وقابلة للتدبّر مع المسيحية التي وضعتها موضع التطبيق داخل الأخَويّات الرهبانية. وقد أدرجت الثورة الفرنسية هذا المعطى الروحاني في عالم السياسة. لا أعتقد أن ثمّة ثقافات كثيرة سبق لها أن تمثلت أخوّة خارج علاقات الدم المرتبطة بالعشيرة أو بالدين. ترتبط الأخوّة عندنا بفكرة الأمة، أي بطائفة من الناس متساوين أمام القانون، مهما كان أصلهم العرقيّ. فالوطن هو في ذات الوقت الوطن/الأم والوطن/ الفحل. وعندما نتأمل في التاريخ الفرنسي بروز هذا المبدأ، نلاحظ أنه مرتبط بصعود الرومانسية المسيحية في أواسط القرن التاسع عشر، في سنة 1848 بالتحديد، حيث كان المسيح يلقـّب بكادح الناصرة le prolétaire de Nazareth وينظر إليه كمناهض للبابا ولأصحاب الامتيازات. غير أن أوّل ظهور سياسي لمفهوم الأخوّة المسيحية أو الماسونية يحيلنا إلى هذه الأمّ التي نحن أبناؤها جميعا والتي من واجبنا حمايتها، إنها الوطن الذي أصبح في خطر إبان معركة “فالمي” سنة 1792. فهناك ما يشبه الطبيعة المزدوجة للأخوّة، فهي في نفس الوقت دينية وحربية، السيف من جهة والمرشّة من أخرى. إنها على كل حال ليست أبدا لطيفة. وهذا ما يفسِّر استبعادها في الغرب وبالخصوص في أوروبا التي أصبحت لا تستسيغ الحرب ولا طقوس التماهي بالإيمان.

[*{{لا يبدو هذا المفهوم مستبعدا ومنسيا إلى هذا الحد… فنيكولا ساركوزي وسيغولان روال – إذا ما اقتصرنا على هذين السياسيين – قد أقدما خلال اجتماعات عمومية، في عديد المناسبات، على تمجيد الأخوّة…}}*]

رئيس الدولة؟ تدهشانني كثيرا. إنه تكلم عن حقوق الإنسان. فالأخوّة لا تنتمي إلى الثقافة الأنجلوسكسونية. أما سيغولان روايال، فقد شعرتْ بانجذاب خفيّ نحوها، لكن أخشى أنها لم تستوعب إلى حدّ الآن ما يوجد في الأخوّات الفعلية من شراسة واستلزام. وهو عكس النعنعة.

[*{{من ناحية أخرى، أفلا يكون التضامن هو الترجمة الأكثر حداثة للأخوّة؟}}*]
تماما بالضبط. التضامن هو أخوّة مطهّرة من دلالاتها الإنجيلية ومن أبعادها الخلاصيّة والعاميّة والمحاربة. إنها أخوّة مبرجزة، مبقرطة ومخصيّة، إلا أنها أخوّة عمليّة. و لقد استطاعت الجمهورية الثالثة – هكذا- أن تمرّر في القانون ما كان يعتبر حلما سنة 1848. ونِعْم الأمر هذا! لكن، لنرجع إلى مصدرها العميق، ولنوقظه. لست أطالب بحالة أخوّة رسمية، بل بلحظات نعيشها من الأخوّة، أو بالأحرى بحالة مجتمعية تجعل مثل هذه اللحظات ممكنة. فنحن قد بلغنا درجة متقدمة من وقاحة الاستثارة والمنافسة والتشرذم والأنانية، تجعلنا جميعا في حاجة إلى استنشاق هواء (نقيّ)! وفي حاجة إلى استعادة شعور الـ”نحن” الجمعيّة، تجاوزا لـ”أنايانا” الذاتية. إنها ليست مسألة بقاء روحي فحسب، بل كذلك بقاء طبيعي.

[*
{{حسب قراءتنا لكم، لا تستطيع هذه الأخوّة أن تـُعاش إلا ضمن حدود المقدّس، أي على شكل أخويّات محلية ومتحاذية. ومع ذلك، فالكثير منا يطمح بقوّة إلى أخوّة إنسانية كونية. ألا يشكّل علم البيئة مثلا في نظركم «دينا مدنيّا جديدا» من شأنه، أمام خطر تدمير كوكب الأرض، أن يدفع البشر نحو »الوعي بوحدة المصير الأرضي« كما يسمّي ذلك إدغار موران في كتابه ” الأرض – وطننا” [Terre-Patrie (Seuil, 1996)]؟}}*]
لا توجد هناك أخوّة في نظري دون الاعتراف ببُنوّة طوعية وثقافية. إنه فنّ استنباط عائلة لا علاقة لها بسلسلة النسب. فكرة ” الأرض وطننا” هي فكرة جميلة جدا وتجلب الإعجاب. لكن، يبدو لي أنه ينقصها شيء من الإتمام كي تكون عمليّة، ومعذرة عن هذه المفارقة. التضامن البيئي عقلاني بامتياز، فنحن جميعا قابلون للانجراح ومعرّضون للكوارث ومسؤولون عن المستقبل. لكن هل تستطيع طائفة انجراحية أن تصبح طائفة عاطفية؟ والأخطار البيئية، التي تمثّل أخطارا حقيقية، هل تستطيع أن تنتج قصة حبّ؟ ربّما كان الطابق العلويّ في (بناء) الجنس البشريّ بصدد التشييد، غير أنّ ذلك لن يمنع، إلى حدّ الآن ولمدة طويلة، حدوث المجازر في الطابق السفلي. ففي غياب قصة مشتركة، تمثّل كلمات الأسطورة، لا توجد هناك حمية طائفية ولا تعال محسوس ومتقاسَم. لا أرى ماذا يمكن للأرض أن تحكي لنا ولا بأية لغة سوف تفعل ذلك. إنها تجيد التحدّث مع المتخصصين في فيزياء الأرض (الجيوفيزيا) ومع الكيميائيين، بينما رجل الشارع يحتاج إلى شعراء. أجد في الواقع صعوبة في ربط الأرض الكبيرة بالأرض الصغيرة، ربط كوكب الأرض بأرض الوطن. علم الأنساب بعلم الأساطير. هل يمكن أن تصبح الأرض أسطوريّة؟ هل يمكن أن تسحرني؟ هل تستطيع أن تهمس في أذني؟ هل يمكن أن أغدو ساحرا أو عرّافا من جديد؟ إننا لا ندمِّرُ إلا ما نعوِّضُ. إذا ما أردتم وضع حدّ للأناشيد الوطنية أو لمقاطع نشيد الأممية، فما عليكم إلا أن تؤلّفوا نشيدا عالميا نقوم بإنشاده سويّا. فهل ستكتبونه باللغة الإنجليزية أم باللغة الصينية؟ لا أحد يفهم “الاسبرنتو” (l’esperanto). كما ترون، عيبي هو أني لست طوبويا، مع نفوري من المحافظين. لقد علمني تاريخ الثورات بالفعل أن “كل مكان” ليس بمكان، وأن الإنسان لا يستطيع أن يستغني عن المكان. المسيح كان طوبويّا مدهشا، غير أن المسيحيين، قرن من بعده، أحسّوا بالحاجة إلى آثارهم ومخلفاتهم الصغيرة وإلى نقطة التقاء. من الأفضل أن تكونوا على علم مسبق بهذا الأمر: إنكم عندما تنسوْن الحاجة إلى القداسة، فإنّ هذه الأخيرة تأخذكم من الخلف وتذبحكم بلا كلمات. لنواجه إذن الأمور وجها لوجه، ولسوف ننجح في تجاوز الصعوبات بطريقة أفضل قليلا.

{{نشر الحوار بمجلة “عالم الأديان” Le Monde des Religions””

عدد 34 بتاريخ مارس- أفريل 2009}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This