حوار مع عادل حدجامي، كيف نفهم المجتمع المغربي؟/ حاوره لحسن أوريغ

كان لا بد في البداية أن نسائل ضيفنا الأستاذ حدجامي عادل عن مفهوم القيم،  التي ليست سوى مجموع القواعد التي يحتكم إليها البشر في سلوكهم العملي و الذوقي، كما أن القيم في نظر ضيفنا هي ما يجعل الإنسان مختلفا عن غيره من الكائنات، لأنه يمتلك تصورا عن معنى الخير و الشر و الجمال و القبح، في حين أن باقي الكائنات لا تعرف هذه المعاني. وقد قادنا الحوار مع الأستاذ الباحث أيضا إلى التطرق لعلاقة المجتمع المغربي بالقيم، و هل هناك تحول في هذه العلاقة، و ما مظاهره؟ كما سار بنا النقاش إلى أبعد من ذلك، خاصة عندما سألنا عادل حدجامي عن المكون الديني في ثنائية القيم – المجتمع، و في هذا الصدد قال حدجامي : "الدين مصدر أساسي من مصادر القيم، غير أن الدين لا يشكل الأساس الوحيد الذي تنبني عليه القيم ، إذ المصدر يبقى هو العقل"

ولمعرفة جزئيات هذه القضايا ندعوكم إلى قراءة الحوار الذي ننشره على مدى يومين.

 ما القيم؟

إذا أردنا أن نعطي تعريفا مختصرا و شبه مدرسي عن القيم، سنقول بأنها مجموع القواعد         و المبادئ التي يحتكم إليها البشر في سلوكهم، سواء في ما هو عملي كما هو الحال في العلاقات الاجتماعية و السياسية، أو فيما هو ذوقي كما هو الحال في الأحكام الجمالية و الفنية، فكما أن هناك "قيما أخلاقية"، فهناك "قيم جمالية". الشق الأول يندرج فيما يمكن أن نسميه بمبحث الأخلاق (إيتيقا)، أما الثاني فيندرج في مبحث الجمال (إستطيقا). بهذا المعنى تكون القيم أساس الثقافة الإنسانية، إذ لا وجود لثقافة أو تجمع بشري مهما كان بسيطا لا يحتكم إلى قيم سلوكية وجمالية، حتى و لو اختلفت هذه القيم و تعددت. بهذا المعنى أيضا تكون ميزة البشر على غيرهم من الكائنات هي امتلاكهم لقيم، فليس الفرق بين البشر و الحيوان هو الذكاء، لأن الأبحاث الإيتولوجية تبين أن هناك حيوانات أذكى من أخرى، بل الفرق أن الإنسان يمتلك قيما، أي يمتلك تصورا ما عن  الخير و الشر و الجمال و القبح، في حين أن باقي الكائنات لا تعرف هذه المعاني.

 ما تحليلكم لعلاقة القيم بالدين أساسا؟ ومن يؤثر في الآخر؟

الدين في عمقه هو نظام من القيم، و لهذا ففي كل الثقافات، الدين هو مصدر أساسي من مصادر القيم، وهذه المصدرية  تتقوى بقدر ما يكون المجتمع متدينا أكثر، كما هو الحال في ثقافتنا، وهذا الأمر – كون الدين مصدرا للقيم – لا نقاش فيه، ولكن ما ينبغي أن ننتبه إليه هو أن الدين ليس المصدر الوحيد للقيم، بل و ليس حتى المصدر الأول، لأن المصدر الأول هو "العقل"، و لهذا فالناس يختلفون في معتقداتهم الدينية، بل و يتقاتلون أحيانا، و لكنهم يتفقون في مجموعة من القيم، فالقتل شر عند كل الثقافات، والتعذيب شر، كذلك الكذب والسرقة مثلا، لماذا ؟ لأن هذه المبادئ (احترام الحياة، الصدق، الأمانة…) مصدرها العقل، و العقل مشترك بين كل الناس. على أن هناك إشكالات أخرى كثيرة يثيرها هذا الأمر، من مثل هل تكون القيم الدينية الخاصة دائما متوافقة مع القيم العقلية المشتركة بين كل الناسّ ؟ و إذا أخذنا الدين الإسلامي مثلا، فهذا الإشكال مطروح، ووعاه الفقهاء المتنورون في بحثهم حول مسألة "المقاصد"، فمن مقاصد الشريعة "حفظ العقل"، لكن طبعا هذا يتعارض مع جناح آخر في الإسلام متشدد يولي الأهمية "للطقوسي" و المحلي و الأناني، على حساب مبادئ العقل الكلية، و هذا ما نلحظه مثلا عند الجماعات الإرهابية التي في سبيل تحصيل مكاسب ذاتية (فوز أفرادها بالجنة مثلا) تبيح قتل الأبرياء، فكثير من مراجع الحركات الإرهابية ينظّر لقتل الناس إذا كان فيه نصرة للدين، رغم أن القيم العقلية الكونية لا تجيز ذلك إطلاقا، وهذا يبين التعارض الذي يحصل بين مرجعية الدين و العقل في التأسيس للقيم. في إسرائيل مثلا هناك حركات باسم الدين اليهودي تبرر قتل أطفال العرب لأن في ذلك قطعا لخلفهم الممكن مستقبلا، و في الأحداث الدامية التي عرفتها الجزائر في العقد الماضي، كان الإرهابيون عندما يدخلون قرية ليلا، أول من يبدؤون بذبحه هو الأطفال، استنادا على تأويلات دينية لهم تقول بأن قتل الأطفال عتق لهم من الكفر الذي سيتربون فيه، ولأن الطفل لن يحاسب حين يقتل في سبيل الله، هذا حتى و لو اتفق كل البشر عقلا على أن قتل الأطفال أبشع جريمة ممكنة.
عموما، ما ينبغي الانتباه إليه هو أن الدين مصدر أساسي في القيم، و لكنه ليس الوحيد، بل        يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى سلوك همجي معارض لقيم العقل الأساسية، كما يحصل عند المتشددين في كل الديانات، ما لم نعصمه بالمقاصد العقلية المشتركة بين الناس.

  هل يمكن لنا الحديث عن انبثاق قيم جديدة داخل المجتمع المغربي؟ ما مظاهرها؟ ما تجلياتها؟ ما خصوصياتها؟

هذا السؤال يجرنا نحو ما هو اجتماعي و سوسيولوجي، و يخرجنا من البعد النظري. هناك تحولات عميقة في المجتمع المغربي، وهي تحولات لا نعيها لأننا نعايشها و ننفعل بها آنيا،  ولكنها تحولات هائلة و تحصل في مدة زمانية قصيرة جدا، قياسا إلى تاريخ هذا المجتمع. بطبيعة الحال الأسباب تاريخية موضوعية يصعب تحديدها، و لكن لننتبه أن ما حصل من تحولات في المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، لن نجد له مثيلا في مجموع تاريخ هذا المجتمع، ففي ظرف بضعة عقود تحول المغرب جذريا من مجتمع قروي بدوي، إلى مجتمع ديناميته الأساسية تأتيه من المدن؛ و من مجتمع يحيا على التأريخ بالمجاعات و الأوبئة، إلى مجتمع يتحدث عن تأهيل المواطن لعالم "التواصل و الإعلام"؛ و من مجتمع يعتقد مواطنوه أن ملكهم يظهر في القمر، إلى مجتمع يرسم صحافيوه رسوما كاريكاتورية عن شخصيات سامية. هذه التحولات لا يمكن التقليل من قيمتها، وحدثت في ظرف زمني قصير جدا، رغم أن دوافع هذا التحول ليست ذاتية، ورغم أن مجتمعات كثيرة في نفس مستوانا عرفت نفس التحولات. غير أن قوة هذا التحول و سرعته الخاطفة انعكس بشكل مباشر على القيم، بل إن أهم مرصد يمكن أن نفهم من خلاله  تحولات هذا المجتمع، هي تحولاته القيمية.


يصعب كثيرا الحديث عن المظاهر والتجليات دون الدخول في التفاصيل، و دون تمييز الاقتصادي فيها من الأخلاقي و الثقافي، فهذا الأمر يحتاج جهدا مؤسسيا، كما يصعب أن نتحدث عن منطق هذه التحولات و دلالاتها هكذا، فهذا الأمر يحتاج عملا أنثروبولوجيا و سوسيولوجيا  عميقا، ولكن يمكن مبدئيا أن نقدم بعض الأمثلة التي تعكس الأمر.


لننظر مثلا في التحول الذي مس مفهوم الأسرة و العلاقة معها، لننظر في التحول الذي مس علاقة الأبناء بالآباء، فالابن الذي كان "امتدادا" لوالده، و "ضمانته" الاجتماعية و الاقتصادية عند العجز، صار "مشروعا" يكون الأب فيه هو المطالب بكل شيء، دون العكس، تحولنا من الابن المكبل بصورة الطاعة و الرضى أو السخط الابوي، إلى صورة الابن الذي ينال كل شيء و لا ننتظر منه أي شيء، وهذا انقلاب في مفهوم الأبوة و البنوة و السلطة، فالآباء الحقيقيون اليوم هم الأبناء؛ هم من يحددون اختيارات الأسرة و يفرضونها، و هذا أمر كان منذ فترة وجيزة أقرب إلى  "الخيال العلمي" منه إلى الواقع.


يمكننا أن نتأمل أيضا التحول الذي مس علاقة الفرد بالجماعة في هذا المجتمع، فالمجتمع المغربي يتحول بسرعة نحو قيم فردانية ذاتية، الفرد معها يكون متمركزا على ذاته، و ليس جزءا من نظام أو وحدة أعم هي القبيلة أو الأسرة أو العشيرة أو حتى الحزب؛ فهناك تمركز ما فتئ يزداد للأفراد حول أنفسهم، و هذا التمركز له نتائج سياسية و اجتماعية مباشرة، فلا أظن اليوم أن كثيرا من الشباب مستعد للانخراط في "مشروع" مجتمعي أو سياسي "جماعي"، والعزوف المسجل عن الانتخابات و كل ما هو سياسي في السنوات الأخيرة هو من مظاهر هذا الأمر. و هذا النفور من كل ما هو "جماعي" و مشترك خطير في نظري، لأنه تهديد بتفكيك المجتمع، إذ متى يولد المجتمع؟ حين يقرر مجموعة من الأفراد أن "يخرجوا" من فردانيتهم وأنانيتهم الطبيعية لأجل تشكيل كيان صناعي اختياري هو "المجتمع"، و متى يبدأ في التراجع ؟ حين تقل هذه الرغبة أو تضعف، و هذا ما صار واضحا اليوم.


 ليس معنى هذا أن الأمور كانت مثالية في السابق، و لكن معناه أنه في العقود السابقة كانت هناك عناصر تشد لحمة المجتمع،  وتضمن تماسكه، عرى عميقة و دائمة مثل  الدين و العقيدة واللغة و عرى "مرحلية" مثل "مشروع" إخراج المستعمر إبان الاستعمار، أو "مشروع" بناء مجتمع "عادل" كما كان الشأن في الحراك السياسي في الستينيات و السبعينيات. أما اليوم، فأخشى أن لا شيء يشد الناس إلى بعضهم و هذه خاصية عالمية في الحقيقة و تمس كل المجتمعات التي انخرطت في نظام الاستهلاك، و لكنها في مجتمعات ما تزال تتهجى حروف الحداثة، تكون نتائجها أقوى و أخطر. عندما نتذكر كيف كان بعض المغاربة في عهد الحماية يتخلون عن كثير من المكتسبات ويعودون للوطن، وعندما نرى اليوم صور شباب آخر "يكفر" بكل شيء و يفضل أن يلاقي "الروكان" من أن يلتقي "الماروكان" في مضيق جبل طارق، لا يمكن ألا نسجل التحول، تحول البلد "المؤمثل" الفردوسي، إلى سجن و جحيم ينبغي الهرب منه.

في سياق أكثر حميمية، يمكن أن ننتبه للتحول الذي مس أيضا العلاقة مع الجسد، و هذا "مؤشر" مهم جدا. الجسد و أشكال التعامل معه هي "تيرمومتر" حقيقي لفهم التحولات القيمية في مجتمع ما، بهذا الخصوص يمكن أن نقول بأن في المغرب اليوم هناك ديناميتان اثنتان، تعكسان نظامين من القيم، تتقاسمان حياة الناس : دينامية "التحرر" ذات النفس الاستهلاكي و الاستعراضي، والتي تبدو في المظاهر التي يتعاطى لها الشباب خصوصا، من مثل ظواهر "الإيمو"، و ما سمي لفترة ب "عبدة الشيطان" و ما إليها، و هي ظواهر جديدة، على الأقل من حيث مستوى إعلان "حرية اختياراتها الجنسية"، ويكفي أن تلج "الفيس بوك" لترى ملايين الشباب المغاربة يوميا يمارسون هذه النزعة التعروية الاحتفائية بالجسد و المادة و المتعة؛ لكن من جهة أخرى هناك دينامية معاكسة لا تقوم على الإيمان بحرية الاختيار و المتعة، بل على الذنب و الخوف والاحتفاء بالموت و القبر، ومن نتائجها الميل إلى التقوقع على الذات و احتقار الجسد و تغطيته. وفي نظري لم تمر فترة في تاريخ المغرب كان فيها الحجاب منتشرا بهذا الشكل  فنصف تلميذاتنا و طالباتنا اليوم محجبات، بل ومنقبات، و الأمر ما يفتأ يزداد، لأسباب عديدة، أهمها اكتساح الآلة الإعلامية الدينية لمعيش المغاربة و تزايد ثقافة "الذنب". قد يقول قائل إن هذا ليس جديدا، و أن المجتمع قد عرف فيما قبل ظواهر مشابهة مثل "الهيبيزم"، كما أن كل نساء المغرب القديم محجبات، و لكن هذا الاعتراض ليس قويا، لأن "الهيبيزم" كان حركة "جماعية"  تضع لها أهدافا مثالية ذات حمولة "قيمية" و "سياسية" مثل "مارسوا الحب و لا تمارسوا الحرب"، أو هذا على الأقل ما كان يعتقده أصحابها، و هذا أمر لا وجود له في الحركات الجديدة التي هي حركات متمركزة حول الذات، كما لا يمكن أن نقول بأن الحجاب كان فيما قبل، لأن ذلك لم يكن "حجابا"، بل كان اللباس "الرسمي"  العادي للنساء في ذلك الزمان، فهو لا يحمل أي دلالة سياسية أو قيمية، في حين أن الحجاب المعاصر ليس نموذجا للباس العادي، بل هو تبنّ لتصور ما غير "رسمي" عن الجسد و العلاقة مع الأخر و العالم أي هو خروج عن اللباس العادي.

ما ينبغي الانتباه إليه أيضا هو أن هاتان الديناميتان متكاملتان في  العمق، لأن المسافة بين التحرر المطلق و التشدد المطلق قصيرة دائما و المعابر بينهما مفتوحة، لهذا فالشباب المتحرر يكون دائما صيدا سهلا للمتشددين. و لعل من الأمور الدالة هنا أن الجمهور العربي و المغربي الذي يستهلك قنوات الأغاني المسماة "هابطة"، هو  تقريبا نفسه مستهلك القنوات المسماة دينية، المسألة متعلقة بتوازنات نفسية، فمن يفعل شيئا يعتقد أنه سيء (التحرر) يحتاج دائما إلى أن يستهجنه نظريا ويلعنه حتى يضمن توازنه النفسي، و الكل يتكامل في مجتمع الاستهلاك، لأن الإحساس بالذنب والرغبة في التحرر منه، هي واحدة من ديناميات الاستهلاك الكبرى. و بطبيعة الحال أنا لست هنا بصدد تقديم "تقويم" أخلاقي للأمور، أو أن أقول هذا حسن وهذا قبيح، ولكني أحاول أن أكشف  فقط  الخلفيات، و أن أبين أن ما يظهر من تحرر و تقدم، هو في الحقيقة هش و سطحي.

 كيف يمكن التمييز بين القيم داخل المجتمع المغربي؟


عناصر الجواب عن هذا السؤال موجودة في الجواب السابق، و لكني أريد أن أضيف عنصرا آخر.
إذا ما سلمنا بما تقدم في الجواب السابق، أي أن هناك ديناميتان كبيرتان متضادتان تتقاسمان هذا المجتمع، دينامية التشدد و الذنب و دينامية "الذاتية" و اللامسؤولية، فسندرك بأن الفئة الأضعف اليوم هي ما يمكن أن نسميه ب "الاختيار الوسطي"، تماما كما أن الفئة الأضعف من الناحية الفكرية هي ما يمكن أن نسميه بالعقلانية والنقدية. الأمر يظهر في بعض الأشياء العملية المباشرة، عندما أخرج أنا و زوجتي لنشتري بعض ملابسها لا نجد أي شيء مناسب، فإما نجد ملابس مكشوفة تماما، ملابس تقدم تصورا "سوقيا" vulgaire عن معنى الأناقة و العلاقة بالجسد و إما الحجابات و الألبسة الطويلة التي تغلف و تخفي و تنفي، و من أراد اختيارا بين الاثنين ما عليه إلا أن يخيط الملابس بنفسه عند الخياطين، لأن إمكانات الاختيار شبه منعدمة، فإما و إما.
هذه المفارقات تشير إلى الانقسام العميق الذي يحكم المجتمع، و كأن الاختيار مطروح بين الطاعون و الكوليرا، إما أن تنمذج جسدك على مقياس الانحلال و إما العكس، لهذا فأنا شخصيا أعتقد أن الفئة المضطهدة اليوم هي من يبحث عن التوازن و الوسطية في كل شيء، مجتمعنا صار يجر إلى الأطراف، و الحال أن الأطراف تفرق، في حين أن  الأوساط هي ما يلم و يلحم ويشد و يضمن الاستمرار.


في هذا السياق ينبغي أن ندافع، في نظري، عن كل ما هو وسطي، لأن الأمر أعقد من أن يكون مجرد شكليات، فالشكل دائما انعكاس لمضمون ما. و هكذا فالحديث عن إسلام مغربي مثلا      أو عن قيم مواطنة مغربية أو عن تربية مغربية كله إيجابي في رأيي الخاص، و ينبغي تقويته   و الدفاع عنه ضد إسلام صحراوي بدوي و ضد قيم الاستعمال و الاستهلاك، وليس في ذلك أي تناقض، لأن الاثنين (ثقافة الاستهلاك و ثقافة البداوة) متكاملان في العمق كما قلت سابقا، لهذا فربما أكثر البلدان صحرواية و بدوية في إسلامها، هي أكثر البلدان تغلغلا في قيم الاستهلاك والتبضيع.


و بخصوص مسألة اللباس دائما، و لكي أضرب مثالا عن هذا التكامل في العمق بين التشدد والتحلل و عن المسافة القصيرة بينهما كما ذكرت سابقا، لننتبه مثلا إلى الظاهرة التي يسميها الشباب اليوم ب "عمرو خالد لابس عمرو ذياب"، و هم يستعملونها للإشارة إلى  بعض الفتيات اللواتي يلبسن الحجاب فوق الرأس، ثم يرتدين في الجزء السفلي سراويل ضيقة و كاشفة، بل وداعرة أحيانا، وهذه الظاهرة لوحدها في نظري، مع ما رافقها من "حركة تصحيحية" للحجاب قادها المدافعون عنه في الأنترنيت و المواقع الاجتماعية، "منجم" حقيقي يكشف كل المفارقات    و التقابلات النفسية و القيمية التي ذكرنا، تقابلات و مفارقات تصل به أحيانا إلى نوع من "السكيزوفرينيا" المعمّمة.

 لماذا يعيش المجتمع المغربي صراعا، بل حربا على المستوى القيم؟

هناك صراع أكيد، و هو ما ينعكس كما بيّنت  في مظاهر حياتنا اليومية. لكن حتى نعطي للأمر بعدا غير "حكائي" أو "شخصي" و حتى  نربط الأمور بما هو سياسي و مؤسسي، لننظر مثلا في السجال الذي ما فتئ يتجدد بين بعض الأحزاب المحافظة و بعض الجمعيات و المؤسسات المدنية اليوم، بل لنتذكر ما حدث منذ فترة وجيزة بخصوص مدونة الأسرة، و كيف كاد أن ينكسر المجتمع انكسارا من أجل قضايا "قيمية" في العمق، ولولا وجود صمامات أمان وسطية في المغرب حينها، و على رأسها الملكية، ما كنا نعرف أين سينتهي الأمر. وفكرة الصراع والاختلاف حول مشاريع مجتمعية هي إيجابية في العمق و ضرورية، بل لا تقدم للمجتمع بدونها، و لكن هذا الصراع ينبغي أن يكون محكوما بضوابط أساسية، أولها ألا يكون "حربا"،    و ألا يعتبر العنف أحد آلياته و إلا صار العقد الاجتماعي مهددا، و هو ما حصل في الأحداث المؤسفة التي عرفها المغرب في بداية العقد و ما يزال مهددا بها في كل حين. ثم ألا يكون هذا الصراع إقصائيا، و ألا يستأسد فيه طرف بقوة خارجية ما لتقوية ذاته، فكلنا نحيا تحت سقف نفس السماء و التقوّي بالخارج على الداخل مدخل للتفرقة، و لنا في لبنان عبرة و نموذج. هنا  وتقوية لروح الوسطية التي ذكرت سابقا، أود أن أشير و أكرر أنه لا ينبغي لنا كمغاربة أن نقبل بصراع حول نماذج قيمية "مستوردة"، فكما أن لا أحد منا يريد أن يصير مجرد ذيل فرنكوفيلي، فلا أحد منا ينبغي أن يقبل، باسم شعارات الأخوة و العروبة و الإسلام  الموهومة، أن نصير مجرد  ذيل لبادية ما في الشرق. الصراع موجود و مطلوب، لكنه ينبغي أن يكون باسم "الثقافة الوطنية المغربية" و من أجلها لا أن يكون امتدادا لصراعات اجتماعية غير مغربية، بأياد وأسماء مغربية. لا بد أن ننبه إلى ضرورة التركيز على كل ما هو مغربي، و على قيم المواطنة و التعايش و الاستقلال. و الأمر ليس نزعة شعبوية أو عاطفية سطحية، أو حتى شوفينية، بل هو مسألة عملية مصلحية تهمنا جميعا، فليس لنا نحن كمغاربة إلا هذا البلد، شئنا أم أبينا، و ثقافة "الكفر" بالوطن و لعن كل ما هو مغربي ينبغي التصدي لها. أنظر مثلا إلى أمر دال و خطير، منذ مدة صدرت عن وزارة التربية الوطنية مذكرة تلزم التلاميذ بتحية العلم في كل صباح، و في كل مؤسسات المملكة، أؤكد لك أن أغلب مؤسسات المغرب لا تفعل ذلك، لأنها عاجزة، فلا أحد من التلاميذ مستعد لقراءة تحية العلم، وهذا أمر خطير و يدل على تحول عميق في معنى الانتماء إلى الوطن، و عندما يحكي لي بعض الأصدقاء ممن اشتغل في التدريس ببعض الدول العربية عن "قدسية" تحية العلم هناك في المدارس صباحا، أشعر بأسف عميق.


 ما أريد أن أنبه إليه هنا هو أنه رغم التباعد الذي قد يبدو لهذه الأمور عن بعضها، فإن هناك ترابطا بينها في العمق لهذا فلا يمكن أن نفصل ما ذكرناه سابقا (سيادة قيم الفردانية المطلقة وتفكك الروابط الاجتماعية المحلية وتصادم الديناميات المتطرفة) عن هيمنة شبح مشاريع اجتماعية مستوردة على المغرب.

  كيف تؤثر القيم على التطور والتنمية داخل المجتمع المغربي؟


في التصور العادي تبدو الاختيارات القيمية و كأنها غير حاملة لأي قوة مادية وكأنها شكلية محض، و أن الأهم هو الاقتصادي و العملي، لكن هذا الموقف ينسى بأنه هو نفسه ينبني على تصور "قيمي" في العمق،  وهو أقبح تصور قيمي ممكن، لأنه ينبني على إهمال و كل  ما هو غير "ملموس". و الحقيقة أن القيم، و ضمنها القيم السياسية و الأخلاقية و الاجتماعية، هي أكثر الاشياء حسية و مباشرة، و لهذا فالقيم إن لم تهتم بها، فهي ستهتم بك، و بأبشع شيء يكون، تماما كما في السياسة. بهذا المعنى يكون التعليم و التربية و نشر الوعي و محاربة مظاهر الظلام والاستلاب و العنف، هي عصب كل تنمية ممكنة، فالأمر ليس كما يصور بعض التكنوقراط من كون التعليم و الثقافة و التربية مجالات "غير منتجة"، فلا وجود لطرح أكثر سذاجة من هذا. التعليم و التربية أخطر استثمار ممكن، لأنه اشتغال على الإنسان الذي به و معه و له تتحرك وتنتج الآلة الاقتصادية و المالية و إلا مس الظلام و الاستلاب هذه الآلة نفسها، وهو ما نراه اليوم واضحا، فأكثر خسائر المغرب الاقتصادية تأتيه اليوم من يسمى إجمالا ب "الفساد"، أي من الاختلاسات و التزوير و نهب المال العام و الإخلال بالمسؤولية و التهرب الضريبي وغيرها من المظاهر . ما العلة في  كل ذلك؟


قيمية وأخلاقية أكيد، لهذا ينبغي الكف عن الفصل بين "المادي" المنتج و "القيمي" غير المنتج، فمثل هذه التمييزات الساذجة تنتج الكوارث، و لحسن الحظ هناك وعي جزئي لدى بعض الجهات بهذا الأمر، خصوصا بعد ما عشناه من مآسي إرهابية و مع بعض التهديدات التي نعيش على إيقاعها اليوم .

 لماذا لا يستطيع المجتمع الانخراط كلية في بنية واحدة من القيم؟ 


من الطبيعي، بل لعله من المطلوب، لحيوية المجتمع و استمراريته أن تتعدد فيه المرجعيات القيمية و أن تختلف فيه الحساسيات السياسية و الثقافية، فلا وجود لمجتمع يعرف وحدة المرجعية، و إلا سقطنا في أشد أشكال الديكتاتورية فتكا، وحتى في البلدان المتقدمة سياسيا ومعرفيا، هناك تعدد في المرجعيات، بل هي تمتد لتشمل حتى قيما متطرفة كما هو الحال في اليمين المتطرف، لكن ما ينبغي أن نلح عليه هو أن هذا الاختلاف ينبغي أن يكون محكوما بصمامات أمان كما قلنا، وأن يكون سقفها هو الانخراط في الوطن و الولاء له، و هذا الأمر هو ما يبدو لي اليوم غير متحقق تماما، فالمجتمع المغربي مثلا من المطلوب فيه أن تتعدد مرجعياته القيمية، و لكن ما لا يمكن أن يقبل هو أن نسعى كما قلت ل "تهريب" الوطن نحو نموذج آخر ما. و المشكلة المطروحة علينا اليوم، في نظري، هي أن هذا الأمر سيزداد و يتقوى مع تكاثر وسائل التواصل و اتساع الهوة بين الأفراد و تراجع قوة المجال العمومي و الفعل السياسي، ففي المغرب هناك من يحيا معنا "جغرافيا" فقط، أما قيميا و إنسانيا فهو يحيا في وطن "افتراضي"، مع مواطنين افتراضيين عبر الانترنيت و غيرها، فأطفالنا مثلا يقيمون في الفيسبوك أكثر مما يقيمون في أسرهم، وهذا ما نشاهده عيانا في أوساطنا، و أنا اعتقد أنه لو أجريت إحصاءات ميدانية حول ما يعرفه الشباب الصاعد اليوم عن بلاده و تاريخها و شخصياتها و قيمها، فسنحصل على نتائج مخيفة و مهولة، و هذا لا يبشر بخير.


أخشى ما يمكن أن يخشاه المرء هو أن يزداد المجتمع انقساما، لأنه عندما تنتفي الروابط بين الأفراد، و التي هي من طبيعة قيمية أساسا و ليست مادية : "المواطنة"، "الاحترام"، "الاعتراف"،"الوفاء"،"العيش المشترك"، يكون المجتمع مهددا بالانهيار. لا أريد أن يأخذ كلامي بعدا كارثيا، ولكن حتى لا يصير الواقع كارثيا، وجب الانتباه لكل هذا و استحضاره دائما، فالمغرب بلد هش عموما، دخله الخام السنوي لا يبلغ واحد من عشرين من الدخل الخام لجاره الشمالي، و هو محاصر شرقا بجار أرعن مستأسد بفائض عملته الصعبة، و مهدد في الجنوب بحرب قد تندلع في أي لحظة، فكثيرا ما ينسى المغاربة أن زهاء ربع مليون جندي مرابط في فيافي الجنوب  ليل نهار لضمان وحدته و سيادته؛ قوة المغرب كانت دائما  تأتيه  من  تماسكه و وحدته الداخلية التي تضمنها مؤسساته، ولكن هذه المؤسسات في تراجع، بل بعضها يوشك على الإفلاس كما هو الحال في المدرسة العمومية و التي هي العمود الفقري لكل  مجتمع، و يكفي أن تسأل عن المستويات القياسية التي بلغها الغش في الامتحانات الثانوية و الجامعية، وحتى في كلية الطب و معاهد القضاء و الأطر، حتى تدرك ذلك، هناك تطبيع مهول مع ثقافة الغش و الخلاص الفردي واللامبالاة (cynisme) و هناك كفر بالوطنية و الأخلاق ما يفتأ يتزايد، و هذه أمور لا يمكن أبدا ألاّ نوليها ما تستحق من اهتمام، فالمجتمعات محتاجة دائما لأشياء تجمع عليها حتى تظل حية و إلا فهي المشاعة الأولى و التهديد بالعودة لحرب الجميع ضد الجميع.

 

عن جريدة "الأحداث المغربية"
 الثلاثاء 13 يوليو، و الأربعاء 14 يوليو 2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق