حوار مع عبد السلام بنعبد العالي… في التملّك

التملك، لغةً، من المصادر التي تحيل على أسماء المعاني ،(1) أي على المفاهيم، كالعلم والحق والخير والجمال …. والفعل منه تملَّكَ(2)، بتشديد عين الفعل، وهو فعل متعد، لا يفيد معنى معيَّناً إلا مع مفعوله. المعنى في هذه الحال هو وحدة الفاعل والمفعول، أي وحدة الذات والموضوع، التي لا قيام للمعنى من دونها؛ وحدة ناجمة عن العلاقة / العلاقات الضرورية، لا تلغي الفروق والحدود، بل إن كل فرق أو حد، في الجملة ذاتها، يرقى إلى تعارض، وكل تعارض يرقى، أو يمكن أن يرقى، إلى ديالكتيك، كأي وحدة بين مختلفين ومتعارضين، هي جملة حية، لا وحدة تنجم عن التعسف والاعتباط أو عن الرغبة والهوى، هي سديمية واختلاط، كالتي ينشدها القوميون العرب.

لا مفر من هذا الديالكتيك، الحاكم على الفكر، لأنه حكم الواقع ومنطق الوجود. عملية التملك، بجميع معانيها، بما فيها تملك الفكر المكوَّن، تعني أن “الإنسان “برَّا”، حسب تعبير الأخ عبد السلام بنعبد العالي، ولكنها تعني في الوقت نفسه أن العالم جُوَّا، داخل الوعي. المقولة تضع نقيضها. ولذلك عرف كارل ماركس عالم الإنسان بأنه الإنسان مموضعاً، من دون أن “يقلب” ديالكتيك هيغل هذه المرة. هل ثمة (برَّا) بلا (جوَّا)، هل ثمة برانية بلا جوانية؟ أليست عملية التملك، بما هي حملة أو تجريدة يقوم بها الرأس على الواقع، سواء كان واقعاً مادياً أم أخلاقياً، أو بما هي عملية خروج الوعي من ذاته، ومن ذاتيته، محكومة بجوانية الإنسان / الفرد العارف. السؤال: كيف نصل إلى هذه الجوانية ونتعرفها، كما هي، لكي يصير الحوار معها ممكنا ومثمراً؟

الإنسان “برًّا” مموضعاً، والعالم “جوًّا” مذوَّتاً. بعبارة أخرى، الإنسان (برَّا) مموضعاً في مملكته، أي في عالمه، والإنسان (جوَّا) مغتنياً بما تملَّك، وليس غنياً عنه. الإنسان جوَّانية قابلة للظهور والتعين أو التموضع. نحن في أمس الحاجة إلى الحوار مع ذواتنا المؤسسة في الآخرين وبهم، مع جوَّانية الفرد، مع عقله وضميره الأخلاقي بالتلازم الضروري.

مداخلات الأخ عبد السلام بنعبد العالي، تطرح مشكلات راهنة، على درجة عالية من الأهمية والخطورة، تتعلق بزاوية، بل زواياً النظر إلى العالم، ومنه إلى الإنسان، وبالعكس. وفي مقدمها مسائل المعرفة والوعي والفكر. من ذلك قوله: “الوعي لا داخل له، ليس الوعي إلا ما فيه (من) خارج، إنه سلسلة من الانفجارات ترمي بنا من ورائها في غبار العالم الجاف(3)”. المقصود، إذا كنت قد فهمت العبارة جيداً، أن الوعي هو الوجود (الخارجي أو القائم خارج الذات) مدركاً على نحو ما. ولكن ألا يدرك الإنسان أنه يدرك، ويعرف أنه يعرف، ويعلم أنه يعلم؟ ألا يفكُر فكره، ويفكر الفكر، ويضع نظريات للمعرفة؟

الوعي هو الوجود (الخارجي) مدركاً على نحو ما، هو تجريدة أو حملة يقوم بها الرأس على العالم، من أجل تعرُّفه، أي من أجل تملكه، والاتحاد معه، وإنشاء صورته في الذهن، بقوة المعرفة. قولنا “على نحو ما” يعني أن هناك صوراً للعالم بقدر ما في العالم من أفراد أصحاء، وغير أصحاء أيضاً، وهذا باب شيق لم يفتح على مصراعيه بعد (لعل شرط الصحة هنا شرط افتراضي يشبه ما يسمى الشروط النظامية في التجارب المخبرية). ويعني، من جهة أخرى، أن نقد الوعي الذاتي يتقدم على أي نقد. لعل المشكلة، بل المعضلة، التي يشير إليها الأخ بنعبد العالي ضمناً، أن الوعي السائد عندنا لا خارج له، فليس سوى ما فيه من داخل؛ وعي هو عين ذاته، لا حدود ولا فروق، ولا اختلاف ولا تعارض، بل نقاء وتجانس وأصالة وكمال، لأنه نتاج معرفة يقينية وتلقينية. هنا، المعرفة تذكُّر والفكر اجترار. والتذكر ليس بالمعني الأفلاطوني، بل بالمعنى الذي يعبر عنه خطباء المساجد والوعاظ والدعاة والكهنة والقادة السياسيون والأيديولوجيون من كل نوع وصنف حين يذكرون مستمعيهم في كل مناسبة بما يعرفه المستمعون، أي بما كانوا قد تلقنوه، فلا المتكلم يكل، ولا السامع يمل، ونهر الحياة يجري.

لا أدري إذا كان الوعي “ظاهرة فيزيائية”، أم “ظاهرة بيولوجية غذائية” أم طقساً رمزياً، كالمناولة، في المسيحية. قبل ذلك، لا أعتقد أن الوعي ظاهرة، إلا حينما يصير موضوعاً للمعرفة وموضوعاً للنقد، أي موضوعاً للفكر؛ فالفكر نقد، على النحو الذي بيَّنه عبد السلام بنعبد العالي(4). الظاهرة كينونة تحمل نفيها في داخلها، وما نفيها سوى مستقبلها، كالوعي الديني والوعي القومي والوعي الأيديولوجي والوعي الواقعي .. إلخ.

أجل، التملك، تملك الأفكار، تلفظ، والتذويت موضعة، والملكية فقدان” ولكن من دون أن نغفل العكس: التلفظ تملك والموضعة تذويت والفقدان ملكية. “لا بناء هنا إلا بعد حفر، ولا اتصال إلا بعد انفصال، ولا إعجاب إلا بعد تعجب. لن يغدو تملك الأفكار، والحالة هذه، مجرد امتداح بريء يستعرض ما أنجزه “المفكرون العظام”، وإنما هو عمليات مشاغبة وتشويش ما تنفك تخلق أزمات بين الفكر وبين ما يعرض له وما يعرض عليه” بتعبير بنعبد العالي.

(1) – المعاني ليست نهائية والذوات كذلك. المعنى النهائي يحيل على الفرد (المفرد) المتناهي فحسب. هنا تكمن أزمة الفكر القومي العربي والفكر الإسلامي، بوصف كل منهما وعياً نهائياً، إذا جاز أن يوصف الفكر بمثل هذه الصفات.

(2) – كل صيغة من تقاليب مادة ملك (م ل ك) تحيل على معنى مخصوص. فالفعل ملك غير ملَّك، وغير تملك، وغير امتلك، وغير تمالك وغير استملك .. إلخ. اللغة والمنطق صنوان، بل إن المنطق هو منطق اللغة، منطق الواقع.

(3) – عبد السلام بنعبد العالي، في “التملك الفكري”، موقع الأوان 2007،

(4) – راجع مقالة عبد السلام بنعبد العالي، “في النقد” المنشورة على موقع الأوان، المصدر السابق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق