حوار مع محمد آلتان، ممثل تيار الجمهورية الثانية في تركيا: الانتقال من الأتاتوركية إلى الديمقراطية – نشة دوزل

حوار مع الدكتور محمد آلتان، حول موضوع انتخاب رئيس للجمهورية، أجري قبل إعلان ترشيح عبد الله غل مجدداً لرئاسة الجمهورية…

{{لماذا محمد آلتان؟}}

في معرض تبريره لهزيمة حزبه في الانتخابات العامة، أشار دينيز بايكال، رئيس حزب الشعب الجمهوري، إلى تيار الجمهورية الثانية، ونفوذه في الصحافة والمجتمع. وإذا كان تحليل بايكال هذا للانتخابات، لم يحمله أحد على محمل الجد، لكن وضعه للتيار المذكور في هذا الموقع من توازن القوى في المشهد السياسي التركي، لفت أنظار الجميع. ترى كيف تمكنت فكرة الجمهورية الثانية من الحفاظ على حضورها، وباتت تعدّ عاملاً مرجّحاً في تحليل الانتخابات، في بلد مملوء بالمحرمات، مع أن مجرد اسمها يثير الاعتراضات؟ وكيف يزيد عدد مؤيديها، وتتحوّل إلى بديل سياسي، وتتعرض من جهة أخرى لانتقادات كبيرة؟ ما هي، إذن، فكرة الجمهورية الثانية، وما الذي اقترحته؟ ما هي الاقتراحات التي بسببها عدّها بايكال من أسباب هزيمة حزبه؟ تحدثنا مع الأب الروحي لهذه الحركة الفكرية، الأستاذ الدكتور محمد آلتان، عضو الهيئة التعليمية في كلية الاقتصاد في جامعة اسطنبول. وفي ما يلي نص الحوار…

–أنت مبتكر مصطلح الجمهورية الثانية. منذ اللحظة التي طرحته فيها على الرأي العام، أثار الكثير من النقد والكثير من التأييد، لكنه لم يفقد الاهتمام به في الرأي العام إلى اليوم. وآخر ما تعرض له، هو استخدام بايكال له بوصفه أحد مبررات إخفاق حزبه في الانتخابات. ترى بم تفسر هذا الاهتمام المتواصل بهذا المصطلح؟

–الجمهورية الثانية تعني الانتقال من جمهورية كمالية إلى جمهورية ديموقراطية. ويشكل ذلك موضوع السجال الرئيسي في تركيا، وخط الزلازل الذي يخترقها. لقد ولدت الجمهورية، ككل التحولات الاجتماعية، عبر مخاض أليم. عاشت طفولتها، وكان يتوقع لها أن تنمو وتنضج. لكن الجمهورية الكمالية لا تريد أن تكبر وتنضج، بل تريد البقاء في الماضي، أي في عمر الطفولة. لأن الكماليين يريدون الحفاظ على موقعهم المسيطر وخروجهم على المعايير، داخل النظام الحالي. لا يريدون العيش في ظل القانون. هذا العجز عن النمو والنضج يؤدي، بالطبع، إلى خلق مجتمع ودولة كسيحين.

–ما هو الفارق بين الجمهوريتين الأولى والثانية؟

–تعني الجمهورية الأولى دولةً ومجتمعاً تمت صياغتهما بما يتفق ومصالح البيروقراطية العسكرية والمدنية ومنافعها الريعية. في حين تعني الجمهورية الثانية بناء دولة تكون في خدمة المجتمع. الطبقة الحاكمة في الجمهورية الأولى هي البيروقراطية العسكرية والمدنية؛ في حين أن المجتمع أو الشعب هو الذي يفترض أن يسود في الجمهورية الثانية. تقدم الكمالية كإيديولوجيا، للبيروقراطية العسكرية – المدنية، قدرةً مذهلة وشروطاً مؤاتية لإدامة سيطرتها على الحياة السياسية والاقتصادية. أما الجمهورية الثانية، فتقترح الديموقراطية وحكم القانون، بديلاً من الإيديولوجيا الكمالية. ذلك أنه من شأن الديموقراطية وحكم القانون وحدهما، احتواء هذا التنوع الواسع في البلاد. الكمالية، في التطبيق العملي، هي المبادىء الستة، وليست الديموقراطية بينها. وحيث غابت الديموقراطية غاب المجتمع. غابت سيادة المجتمع.

–مصطفى كمال هو الذي بنى الجمهورية الأولى، في أعقاب حرب التحرير الوطني. أي أن جنرالاً بناها. وتم حكمها من قبل رجل واحد وحزب واحد بمفردهما. الرئيس الثاني للجمهورية كان أيضاً جنرالاً من أبطال الحرب الوطنية نفسها. لسنوات طويلة واصل، هو الآخر، حكم الرجل الواحد. هل من السهولة بمكان، انتقال بنية أرسى أسسها جيش انتصر في الحرب وقادته من الجنرالات، إلى ديموقراطية بالمعنى الذي ذكرتم؟

–بل هو أمر صعب. ولهذا السبب إنما أتحدث عن جمهورية ثانية. علينا هنا أن نوسع من نطاق السؤال ونعمّقه. نقول “جنرالات الإمبراطورية العثمانية الذين كسبوا الحرب”. لقد دخلنا تلك الحرب في العام 1914، وكانت مساحة الإمبراطورية تبلغ حينذاك خمسة ملايين كم مربع. انخفضت هذه المساحة، عند توقيعنا لمعاهدة لوزان، إلى 775 ألف كم مربع. فضلاً عن ذلك، إن تجاهل دور إنكلترا وسياستها ومصالحها، في فترة قيام الجمهورية، يساوي تجاهل الدور الأميركي فيما يحدث اليوم في الشرق الأوسط.

–ماذا كان الدور الإنكليزي؟

–علينا مناقشة الأمور، مع الأخذ في الحسبان سياسات القوة المسيطرة في العالم في ذلك الوقت، أي إنكلترا. إن أحد أسباب سقوط الإمبراطورية العثمانية إنما يتمثل في مصالح هذه القوة العظمى في زمانها. لقد تخلت إنكلترا عن الإمبراطورية بعدما ضمنت طريق الحرير، فلم تعارض قيام الجمهورية التركية، بل وافقت عليه. يضاف إلى ذلك، أن قيادة الأركان العامة في الجيش العثماني، كانت قد خططت مسبقاً، مع دخول الحرب في 1914، لما يجب القيام به إذا تعرضت البلاد للاحتلال الأجنبي. هذه أمور لا نتحدث عنها أبداً. طمست إلى حد كبير بالقياس إلى المعلومات المتعلقة بدخول الحرب… أما إذا نظرنا إلى الأمر من منظار معاهدة سيفر، فنحن نتحدث عن جمهورية أقيمت على أرض مكتسبة. نحن أمام دولة تشكّلت من الجماعات التي “عجزت عن المغادرة”. أما الجماعات التي تمكنت من الانفصال عن الدولة العثمانية، فقد فعلت ذلك وغادرت مبكراً.

–كيف تم تأسيس دولة الجمهورية التركية؟

–يحدثنا فالح رفقي عن ذلك بالتفصيل في كتابه: “تشانكايا” (اسم القصر الرئاسي في أنقرة). يقول مصطفى كمال: “علينا أن نجمع الجماعات التي لم تغادر حول الهوية التركية”؛ ويبني منهم دولةً. انتبهي… لا يتعلق الأمر، هنا، ببناء الأمة – الدولة. يتم أولاً بناء دولة تحت قيادة الباشوات (الجنرالات)، ومن ثم يتم تشكيل أمة. بكلمات أخرى، لم تقم الأمة بتأسيس دولتها، بل عملت دولة على بناء أمة لها. قام مصطفى كمال، إذن، ببناء “دولة – أمة” تمحورت حول الهوية التركية. في حين أن التطور الكلاسيكي في باقي مناطق العالم…

–كيف يكون بناء الأمة – الدولة؟

–في البداية تعي إثنية أو عرق من الأعراق بذاتها كأمة، فتكتسب وجوداً سياسياً وتبني دولتها. أما عندنا فقد حدث العكس. ولهذا السبب لدينا الكثير من المصطلحات التي لا تقع موقعها الصحيح. فما لدينا هو “دولة – أمة” وليس “أمة – دولة”. لهذا السبب لم نجد طريقةً لحل المشكلة الكردية. ثمة أكثر من ثلاثين من الجماعات الإثنية التي لم تتمكن من الانفصال عن الإمبراطورية العثمانية، فبقيت في الأناضول، ونُسبت بمجموعها إلى الهوية التركية. إننا نتحدث عن عملية تتريك.

–أي نوع من الإصلاحات تتطلب عملية الانتقال إلى الديموقراطية، بوجود الكوادر الحالية على رأس الدولة؟

–في تركيا دولتان. ثمة كوادر رصينة داخل جميع المؤسسات، بما فيها العسكرية، تعرف العالم، وتدرك أن الأمور لا يمكنها أن تستمر على ما هي عليه، وأننا سنواجه كوارث كبيرة إذا ظلت صورة تركيا كما هي اليوم. أي أنه لدينا، من جهة أولى، هذه الكوادر الواعية والواثقة بنفسها، ومن جهة ثانية، فئات بعقلية الاتحاد والترقي، تسعى إلى الحفاظ على خروجها على القواعد والمعايير بوساطة تقديس الدولة. يدور اليوم بين هاتين المجموعتين صراع كبير داخل جهاز الدولة. إذا تم الجمع بين مطالب الشعب المتعلقة بالحرية والنمو، بقوة دفع كوادر التغيير داخل الدولة، ودمجها في مشروع الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فسوف يكون من شأن ذلك تسريع عملية التحول الديموقراطي. ذلك أن تركيا لا تمر اليوم بأزمة سياسية، بل بأزمة تاريخية.

–ماذا تعني بالأزمة التاريخية؟

–ثمة عدم توافق بين بنية البيروقراطية العسكرية – المدنية للجمهورية، من جهة، والبنية المتطورة للجمهورية ذاتها الراغبة في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، من جهة ثانية. في هذه النقطة تظهر الأزمة التاريخية. من غير الممكن أن تتعايش بنية تنحو منحى الاندماج الاقتصادي في العالم، وتدخل في مفاوضات عضوية الاتحاد الأوروبي، مع بنية يطلق فيها العسكر إنذاراً للحكومة، ويفشل البرلمان في انتخاب رئيس للجمهورية. أتمنى أن يتم حل هذا الانقطاع في إطار الأصول الديموقراطية، وإلا سوف ندفع ثمناً باهظاً. ذلك أن هذا الانقطاع سوف يتحقق بشكل من الأشكال. ليس بوسع تركيا أن تمشي بعكس اتجاه العالم. من يريدون أن يجربوا هذا سوف يتسببون بأوضاع مأساوية للغاية في تركيا. هذه الأزمة التاريخية أخذت تتسارع مع بدء وعينا للعالم، أي مع قرارات 24 يناير (الإصلاحات الهادفة إلى تلبية معايير الاتحاد الأوروبي)، وتسارعت أكثر مع إقرار الاتحاد الجمركي ومسيرة عضوية الاتحاد الأوروبي.

–لماذا إذن لا يقوم السياسيون بتغيير هذا النظام وهذا الدستور العسكري؟

–كل هؤلاء السياسيين هم نتاج النظام العسكري… ليس من الإنصاف في شيء وصف مؤسسة، عجزت عن محاكمة انقلابيي 12 سبتمبر 1980، بل إنها لم تعبر أصلاً عن طلب مماثل، وعاجزة عن تغيير القوانين العسكرية، وغير قادرة على مناقشة مؤسسة قضائية برأسين، بل لا تتجرأ اليوم على محاسبة إنذار السابع والعشرين من أبريل، بأنها مؤسسة سياسية. إذا كان السياسيون يريدون ديموقراطية حقيقية، فإن أول ما عليهم القيام به، هو تغيير النظام السياسي، وذلك بإقرار دستور مدني وإلغاء الدعائم القانونية لذهنية العسكر. بهذه الطريقة يمكن فتح الطريق أمام تقدم البلاد. والحال أن هم هؤلاء السياسيين، لا يتعدى احتلال الكرسي بقدر ما يسمح لهم به العسكر. إنهم يشعرون بالذعر خشية أن تؤدي التحولات إلى احتدام الصراع الداخلي. في حين أن تركيا قد تغيّرت بالفعل، في الجوهر، في مسيرة عضوية الاتحاد الأوروبي.

–ما الذي تغيّر؟

–ثمة عنصران في البنية الاجتماعية – الاقتصادية في تركيا، أخذا بالتحلل، عنيت بهما الفلاحين والحرفيين. فمن جهة، تغادر البطالة المقنعة في القطاع الزراعي مجال الزراعة، ومن جهة ثانية، يتحلل القطاع الحرفي الذي يكتفي بالشراء من هنا والبيع هناك، ولا ينتج أية قيمة مضافة. إن تركيا آخذة في القطع تدريجياً مع مرحلة التعيّش على موارد الدولة، والاقتسام السياسي لها؛ وتتجه باطراد إلى حالة من الحداثة حيث لن يقف على قدميه من يعجز عن المنافسة وإنتاج القيمة المضافة. الحرفي (أو التاجر الصغير)، مثلاً، يرى أن الأمور لا تتقدم كما ينبغي إذا استمر في العمل وفقاً للأساليب التي ورثها عن أبيه وجده. عندئذ يتوسل الأساليب الحديثة ليتوافق مع الأوضاع الجديدة. المشكلة الرئيسية التي تواجه تركيا اليوم، تتمثل في كيفية تخفيف الآلام عن أولئك الذين لا يستطيعون الوقوف على أقدامهم، في مسار التحديث، وفي التخطيط على مستوى الاقتصاد الكلي، لمساعدتهم في إيجاد عمل. ذلك لأن تركيا في مسيرتها الأوروبية، تشهد، للمرة الأولى منذ الدولة البيزنطية، تحولاً في نمط الإنتاج. الصناعة تتعرض لتحول بنيوي. إن البنية التحتية لهذه التحولات، إذا شئنا لها أن تتم بصورة منسقة وآمنة وقابلة للتوقع، وأن تتحقق بما يحفظ الاستقرار والدوام، إنما هي الديموقراطية. البلاد بحاجة إلى الديموقراطية وسيادة القانون.

ثمة من يزعمون بأن تركيا سوف تتفكك وتنحدر في هاوية حكم الشريعة الإسلامية، إذا انتقلت إلى نظام ديموقراطي. وإذا أخذنا في الحسبان نسبة الناخبين الذين صوتوا لحزب الشعب الجمهوري، فإن عشرين في المئة من الشعب التركي تساوره هذه المخاوف. لا بد من تفسير منطقي لهذا. ترى إلامَ تستند هذه القناعة؟

–لا يصبح الفقير علمانياً بسهولة. ليس لك أن تتوقعي الإيمان بالعلمانية من شخص لا يتمتع بقدرة عالية على الاستهلاك. هذا هو السبب في أن الصراع بين فقراء المجتمع ومرفهيه، يدور على ثنائية العلمانية/حكم الشريعة. ما هي مصلحتك في العلمانية إذا كنت تعيشين في البؤس في مزارع “سيرت”؟ فقط أولئك المتمتعون بقدرة شرائية عالية وثقافة الحياة الحرة، يصبحون علمانيين. على المجتمع أن يغتني أولاً ليتمتع بنعم العلمانية. على أولئك الذين يريدون العلمانية بإخلاص، أن يبحثوا عن سبل إثراء المجتمع التركي. هذا ما تنبغي مناقشته أولاً. إن الاكتفاء بالحديث عن العلمانية، قبل السعي إلى تحقيق شروط الإثراء، يعني استخدام العلمانية كوسيلة سياسية لتحقيق المنافع. علينا طبعاً أن نرى أيضاً دور الأخطاء الخطيرة التي ارتكبها حزب العدالة والتنمية، في تكريس مخاوف العلمانيين المفتعلة.

–ما هي تلك الأخطاء؟

–ارتكب حزب العدالة والتنمية أخطاء بنتيجة خلطه بين المحافظة والديموقراطية. في حين أن النزعة المحافظة تختلف عن الديموقراطية. فإذا أخذت بفرض قيم قاعدتك الاجتماعية على المجتمع، تحت يافطة الدمقرطة، فلن يكون هذا دمقرطةً أو تطبيعاً، بل محافظة قمعية بصريح العبارة. ليس بوسع حزب العدالة والتنمية أن يتقدم بسرعة، ما لم يأخذ في الحسبان، بجدية، مخاوف نساء الطبقة الوسطى المدينية. هؤلاء النساء هن حامل اجتماعي. إن لدى الناس خوفا جديا من سيطرة القيم المحافظة على حياتهم. لقد شعر الجميع بالهلع، في أعقاب انتخابات العام 2002، خوفاً من مجيء حزب إسلامي إلى سدة الحكم. لكن حزب العدالة والتنمية انخرط بإخلاص في مسيرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وقام بإصلاحات هامة جداً، فتبين لنساء الطبقة الوسطى المدينية أن مخاوفهن لم تكن في محلها، وقمن بتأييد حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية. لكن الحزب تباطأ، بعد ذلك، في مسيرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأعطى إشارات غريبة من شأنها إثارة ذعر نساء الطبقة الوسطى. والواقع أن من شاركوا في مظاهرات الجمهوريين العلمانيين، هم العلويون ونساء الطبقة الوسطى. على حزب العدالة والتنمية أن يحلل هذا الواقع تحليلاً صحيحاً. فقد بقي على مسافة من المجموعتين المذكورتين.

–تمر تركيا بأزمة انتخابات رئاسية. ثمة تناقض حاد بين من يرشحهم الجيش لهذا المنصب ومن يرشحهم الشعب. ترى ما سبب إضفاء الجيش هذه الأهمية الكبيرة على منصب الرئاسة؟

–لدينا هنا بيروقراطية عسكرية – مدنية، ظلت متشبثة بطفولة الجمهورية، وترغب في إدامة خروجها على القواعد. إنها لا تريد وصول شخص إلى سدة الرئاسة يمكنه أن يعاقب من يقومون بأعمال منافية للقواعد والقانون، وأن يفعّل الديموقراطية. لا تريد فتح الباب أمام هذا الاحتمال. لا يريدون لشخص من خارج نخبة الدولة أن يحصل على سلطة من هذا النوع. إن الصراع الدائر حول منصب الرئاسة هو، في حقيقته، صراع بين تمكين شخص من شأنه أن يضبط سلوك البيروقراطية العسكرية – المدنية، من الوصول إلى قمة جهاز الدولة، وبين الحيلولة دون ذلك. يريد العسكر أن يحتل القصر الرئاسي شخص يسكت على الإخلال بالقانون. إذا كنت ممن يقولون إن سلوك العسكر اللاديموقراطي هو أمر واقع، لذلك علينا أن نتوافق؛ وإذا كنت تخشى من تطوير معارضة صريحة أو ضمنية ضد العسكر؛ فسوف ينتصر إنذار السابع والعشرين من أبريل، ويبقى الباب مشرعاً أمام التدخلات الدائمة للعسكر في الحياة السياسية. في حين أن الشعب قد وجه، في الثاني والعشرين من يوليو، رسالة واضحة إلى العسكر، طلب فيها منه ألا يتدخل في شؤون السياسة. على هذه الرسالة أن تتحقق. لقد أظهرت نتائج الانتخابات، بوضوح، أن الشعب يريد إزالة آثار التدخلات العسكرية.

–يواصل حزب الشعب الجمهوري سياسة التوتير، على الرغم من هزيمته في الانتخابات. ترى ما هدفه من وراء ذلك؟

–يعلق هذا الحزب آماله على توتير الأجواء، لأنه لا يملك صورة عما يريده للبلاد، وليست لديه الطاقة لصياغة صورة مماثلة. إنه يقوم بدور الناطق باسم الجيش. لو حدث واختلطت بيانات صادرة عن قيادة الأركان مع بيانات صادرة عن قيادة الحزب، فلن يميز أحد بينهما.

–لقد تفوّق حزب العدالة والتنمية، إلى حد بعيد، على حزب المجتمع الديموقراطي، في جنوب شرقي البلاد. فإذا تذكرنا أن هذا الأخير قد أعلن أن قاعدته الاجتماعية هي نفسها قاعدة حزب العمال الكردستاني، إلامَ تعزون هذا التفوق الانتخابي؟

–لقد تراجع حزب المجتمع الديموقراطي أمام حزب العدالة والتنمية، لأن السياسيين الأكراد بدأوا يمارسون سياسة المناصب. بدلاً من الاهتمام بشعبهم، لا يهتمون بغير السلطة. ثمة، في منطقة جنوب شرق الأناضول، مشكلة فقر كبيرة. لم أسمع جملةً واحدة، على لسان السياسيين الأكراد، فيما يتعلق بتنمية منطقتهم. أضف إلى ذلك، أن حزب المجتمع الديموقراطي في السلطة، على مستوى الإدارة المحلية؛ لكنه لم يستخدم إمكانياته كسلطة محلية لمصلحة شعبه، في تحقيق الرفاه الاقتصادي أو التنمية. لقد اكتفى بخطاب سياسي يطمح إلى السلطة. في حين أطلق حزب العدالة والتنمية، في المنطقة، حركة تنمية اقتصادية. طبق مشروعين (بلدس وكويدس)، أوصل، في إطاريهما، الماء والطرق لكثير من القرى المحرومة منهما. إن من لم يراقبوا هذه السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يعجزون عن فهم هذا النجاح الانتخابي الكبير لحزب العدالة والتنمية في المنطقة المذكورة.

–هل تركيا جاهزة، في رأيك، للتحول الديموقراطي؟

–إن تركيا تتغير وتتحول منذ وقت طويل. مع قرارات الرابع والعشرين من يناير، دخلنا مرحلة تحرير البلاد من حكم البيروقراطية. وعلى كل حال، حيثما اشتغلت آليات السوق الحرة، انتهى حكم البيروقراطية للدولة المعنية. وفي تركيا، لدينا سوق معولمة، من جهة، ونظام وصاية عسكرية، من جهة ثانية. لا بد من تصفية أحد الطرفين. هذا هو السبب في أن الأزمة التي تمر بها تركيا، هي أزمة تاريخية. ليس على وجه الأرض جيش مسيّس إلى هذا الحد. يقول العسكر إنهم سيحكمون المجتمع أيضاً، وهذا ادعاء مغال. فضلاً عن أنهم، أصلاً، يحكمون بصورة رديئة.

–ثمة في هذا البلد سياسيون أيضاً. ألا يشاركون في الحكم؟

–لكن العسكر هم الذين بنوا، والسياسيون لا يغيّرون هذا البناء. إنهم مدنيو العسكر. ليس لدينا سياسيون بالمعنى الحقيقي للكلمة. ليس لدينا، في البرلمان المنتخب حديثاً، سياسي واحد أعلن موقفاً معارضاً لإنذار الجيش في 27 أبريل. والآن يتحدثون، بلا حياء، عن ضرورة التوافق. حسناً، ليمتنع عبد الله غل عن ترشيح نفسه إلى منصب الرئاسة. ولكن ليظهر بالمقابل، برلماني واحد، كرمى لله، ويعلن أن إنذار 27 أبريل لا يتوافق مع النظام الديموقراطي. إن ما سيحكم على إجراءات الحكومة المقبلة لحزب العدالة والتنمية، هو قدرتها على تغيير هذا النظام السياسي، بدستوره وقانوني الأحزاب والانتخابات والنظام الداخلي للمجلس، أو فشلها في ذلك. بغير هذه التغييرات لن يصبح هذا البرلمان برلمان الشعب. وفي غياب برلمان يمثل الشعب، تنهار عملية انتخاب رئيس للجمهورية برسالة إلكترونية صاغها ذو بزة عسكرية. ترى هل سيتخذ حزب العدالة والتنمية موقفاً مناصراً للديموقراطية، فيقوم بتغيير النظام السياسي، أم أنه سيكتفي، كحال تورغوت أوزال في فترة حكمه الثانية، بإدارة الوضع القائم؟ سنعرف الإجابة خلال وقت قصير جداً.

أجرت الحوار: نشة دوزل ونُشر في صحيفة الراديكال اليومية بتاريخ 13 /8 / 2007

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق