حوار مع “نساء سورية” حول واقع المرأة السورية

“النساء شقائق الرجال” كلمة أطلقها رسول الله، تعليما منه  لرجال هذه الأمة، حتى لايعودوا  إلى اضطهاد النساء كما كان ساريا في الجاهلية. لكن، وبعد أربعة عشر قرنا، تعود إلى الكثير من ( ذكورنا ) هذه الجاهلية العمياء، فلا يمضي يوم قبل أن تسمع أو ترى صنفا من أصناف  تسلط نصف المجتمع الذكوري على نصفه الآخر. وحرصا منا في  “ثروة”  على إيصال معاناة نساء سوريا، كطيف أساسي ومهم مهمل في سوريا  إلى الرأي العام، ومحاولة نشر ثقافة العدل والمساواة، قمنا بالتحدث إلى ( مرصد نساء سوريا )، وهو مجموعة متطوعات  مؤمنات بحقهن، يعملن لتحسين وضع المرأة في سوريا، والوصول به إلى الحالة الطبيعية، التي ينبغي أن تكون عليها العلاقة بين الرجال والنساء. ولقد تكرمت علي العزيزة طرفة كحيل بالإجابة على بعض أسئلتي، ولعل بعضها استفزها، مع أنها  لا تعبر عن وجهة نظري، ولكن أردناها مقابلة جريئة، تطرح كل الأسئلة العالقة،  وكانت ضيفتي صاحبة رأي شجاع وأفكار جريئة أيضا.

 

حبذا لو تعرفونا أكثر عليكم. ما هي المهام والنشاطات التي تقومون بها؟ وهل تتبعون أي منظمة عالمية؟

 

“نساء سورية”، مجموعة من الشباب والصبايا في سورية، مستقلون تماما عن أي حزب أو منظمة أو جهة خارجية كانت أو داخلية، ويعملون بشكل تطوعي بالمعنى الدقيق للكلمة، أي يخصصون وقتهم في عمل دون أي مقابل من أي نوع.

 

عموما، نحن نعمل على إثارة الحوار حول القضايا المجتمعية المختلفة (باستثناء السياسة والعقائد)، ولكن أهم جوانب عملنا هو قضايا المرأة. ونحن نعتمد مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان كأساس في عملنا. وتشكل مناهضة العنف ضد المرأة، والتمييز ضدها بكافة أشكاله، محورا أساسيا من عملنا.

 

من بين الأعمال الهامة التي قمنا بها، إطلاقنا “الحملة الوطنية المناهضة لجرائم الشرف” في أيلول 2005، وهي ما زالت مستمرة حتى الآن. وقد حققنا من خلالها سحبا للغطاء الديني الذي كان يمرر هذه الجرائم. وجمعنا نحو 10000 توقيع مناهض، ونشرنا أكثر من 300 مقالة ودراسة، وقمنا بأكثر من 20 ندوة مختلفة حول نفس القضية.. وما زلنا نعمل في هذا الموضوع لأننا نعتقد أنه يحتاج إلى وقت طويل لينجز تقدما ملموسا.

 

وكنا أطلقنا حوارا وطنيا حول قانون الجمعيات الحالي، والذي نسميه “قانون تدمير الجمعيات” نظرا للقيود الكثيرة جدا التي تجعل عمل الجمعيات مستحيلا. وتمكن هذا الحوار من إنجاز دراسات عدة حول هذا الموضوع، وكذلك خلص إلى مشروعي قانون بديل تقدم بهما المجتمع المدني في سورية. إلا أن الجهة المعنية، وهي هنا وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التفت على هذا الموضوع، وهي تعد قانونا سيئا آخر من تحت الطاولة.

 

 

وكذلك نشارك في كل النشاطات التي تعمل على مناهضة التمييز ضد المرأة في سورية، وعلى مناهضة العنف والتمييز ضد الأطفال. ولدينا عمل هام جدا في مجال المعوقين، وكذلك لدينا اهتمام بقضايا الشباب.

 

لنبدأ بالسؤال الاستنكاري الذي يوجهه الرجل عادة، ويقول إن المرأة السورية وصلت إلى مرتبة وزيرة ونائبة بالبرلمان،  فلماذا دائما نساء سوريا ( بحبّو  النق )؟ ماذا يريدون أكثر؟

 

نساء سورية (ما بحبو النق)! صحيح أن المرأة السورية وصلت إلى مرتبة وزيرة أو نائبة في البرلمان، وأيضا حصّلت درجات علمية عالية، لكنننا ما زلنا نرى الفتيات يتزوجن في سن 15 عاما! ويتم إخراجهن من المدارس سواء ليقمن بخدمة الأسرة في المنزل أو الحقل، أو لتزويجهن.

 

واحدة من أهم المشاكل في سورية هي مشكلة القوانين. القوانين السورية (خاصة قانون العقوبات السوري وقانون الأحوال الشخصية وقانون الجنسية..) لا ينصف المرأة، بل ويخرجها من دائرة المواطنة، لأنه يوقع عليها تمييزا لا يصح في حال اعتبارها إنسانة ومواطنة!

 

خذ مثلا “جرائم الشرف”. في كل يوم هناك جريمة جديدة في مكان ما. ومع ذلك القانون يخرج القاتل في مدة تتراوح بين 3 أشهر إلى 3 سنوات.. مع وسامَ شرفٍ من قبيلته وعشيرته، التي تضم عادة رجالا مسؤولين في الدولة!

 

ما تريده نساء سورية، ليس أن يصلن إلى أعلى المراتب أو أدناها. ما نريده هو أن نكون إنسانات متساويات في الإنسانية مع الرجال، ومواطنات متساويات في المواطنة مع الرجال. وحين يتم ذلك مع تكافؤ الفرص الحقيقي (أي المبني منذ الولادة، وليس الذي يأتي في مراحل متأخرة)، ليست مشكلة أن لا تصل أية امرأة إلى منصب عال أو غير عال. لأنها حينئذ تكون وصلت أو لم تصل بكفاءتها وليس لأي اعتبار آخر.

 

ثم من قال إن النساء في سورية وصلن إلى أعلى المراتب؟ هل تعيين امرأة في منصب نائبة لرئيس الجمهورية (وأرجو منك عدم إجراء تصحيح لغوي على كلمة “نائبة” لأن هذا التصحيح هو بحد ذاته شكلا آخر للتمييز تحت ذرائع لغوية واهية)، هل يعني ذلك وصول “المرأة في سورية” إلى أعلى المستويات؟ وهل يعني وجود وزيرة أو وزيرتين ذلك؟ كم امرأة في سورية تصل إلى منصبها بكفاءتها دون تمييز ضدها؟ كم مديرة عامة لشركات القطاع العام أو الخاص موجودة في سورية؟ كم امرأة في مفاصل صنع القرار بكافة مستوياته؟

 

 

ثم لا تنسى أن قضية المرأة ليست قضية مناصب. بل هي قضية حقوق أولاً. أقصد أن تصل المرأة السورية إلى أعلى منصب وهي خاضعة لنزوة الرجل في طلاقها كيفما شاء، دون أي اعتبار، لا لإرادتها ولا لما قدمته خلال حياتها الزوجية، فهذا لا يعني أنها حققت شيئا مهما..

 

هذا أيضا جزء من التمييز ضد المرأة. سؤالك يعبر جيدا عن التمييز الذي نرفضه. وترجمة سؤالك تعني: ألا يكفي أننا نهبكن كرسيا أو اثنين إلى جانبنا؟ وكأن هذا حق للرجال يتكرمون بتقديم بعضا منه للنساء!

 

وبالمناسبة: إذا وجدت لديك الوقت الكافي قم بدراسة صغيرة حول من يكرر الكلام أكثر في موضوع واحد: الرجال أم النساء؟ لكن لا تنسى أن تشمل اليوم كله في الحسبان، أي وقت العمل ووقت التسلية ووقت المنزل.. إلخ.. وليس فقط وقت المنزل. ومن ثم أخبرني لماذا الرجال هم من ينقون في الواقع، ويتهمون النساء “بالنق”؟ المعذرة منك، هذا جزء من التمييز ضد المرأة في الثقافة العامة.

 

 

 

من المعروف أن المرأة السورية لا تستطيع منح جنسيتها إلى أولادها أو زوجها. إلى أين وصل قانون الجنسية، وماهي المعوقات التي تمنعه؟

 

 

لا أحد يتحدث في سورية عن منح المرأة السورية جنسيتها لزوجها. فهذا يدخل ضمن مفهوم “التجنيس” وهو موضوع مختلف عن حق الجنسية للأبناء والذي يشكل أيضا تمييزا في مواطنية المرأة.

 

 

قدمت مشاريع عديدة إلى مجلس الشعب لتعديل هذا القانون بإضافة كلمتين فقط: “أو والدة سورية” لتصير الفقرة أ من المادة 3 من قانون الجنسية على هذا الشكل: من ولد في القطر أو خارجه من والد عربي سوري أو من والدة عربية سورية. (وهذا عمل هام قامت به بشكل رئيسي رابطة النساء السوريات، وشاركنا في هذا العمل كما شارك غيرنا). لكن الحكومة السورية ما زالت تضع القانون في الدرج دون أن تفعل شيئا لأجله.

 

 

الحكومة السورية، تتذرع بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين ومشكلة الأكراد المجردين من الجنسية. مشكلة اللاجئين الفلسطينين غير واردة، لأن توضيحا وصل إلى الحكومة السورية من الأمم المتحدة أن أبناء الفلسطيني هم في قيود اللاجئين ما لم يقوموا بإسقاط جنسيتهم الفلسطينية، بغض النظر عن أية جنسية أخرى قد يحملونها.

 

 

أما مشكلة الأكراد فهي مشكلة سياسية لا علاقة لها بمطالباتنا، لأن ما نعتمده في عملنا هو مفهوم المواطنة القائمة على دولة اسمها سورية، وليس على قومية أو عرق أو دين. فنحن غير معنيين بالقضية إلا من وجه واحد: عندما تكون امرأة لديها جنسية سورية، وتزوجت من شخص ليس لديه جنسية سورية، سواء كان فلسطينيا أو كرديا مجردا من الجنسية أو عراقيا أو باكستانيا أو فرنسيا.. إلخ، من حق أولاد هذه المرأة أن يحصلوا على جنسية أمهم. إذا لم تكن هذه المرأة حاصلة على الجنسية السورية، فهذا خارج نطاق هذا المشروع.

 

   ماذا عن قانون الأحوال الشخصية؟

 

 

قانون الأحوال الشخصية على حاله. وهو قانون يجسد النظرة الذكورية بامتياز. فكل الحقوق هي بيد الرجل سواء كان زوجا أو أبا أو عما أو جدا.. والمرأة السورية حسب هذا القانون تبقى قاصرة إلى الأبد. فهي لا تستطيع أن تزوج نفسها دون إذن ولي أمرها مهما بلغت من العمر والشهادات والمناصب! وهي لا تحوز على أي ثقة في إدارتها لحياة أبنائها المالية، بغض النظر عن أي اعتبار! وحقها في إحداث الطلاق مشروط بشروط بالغة الصعوبة، بينما يمكن للرجل أن يطلق شفاها! وفي حالة الطلاق، من حق الزوج ملكية المسكن كاملة مع كل ما فيه، ما لم يكن مسجلا أصلا في الدوائر العقارية باسمها! وما زال الزواج المبكر مسموحا في هذا القانون! وعشرات البنود التمييزية الأخرى.

 

إلا أننا لم نطرحه ككل على البحث بعد. فهو قانون معقد، ويحتاج إلى وقت طويل وعمل جزئي كثير حتى نستطيع التقدم خطوات جيدة نحو مساواة المرأة بالرجل فيه.

 

نلاحظ أن حركة القبيسيات في سوريا تأخذ بعض الحرية في الحركة. هل تشكل عائقا أمامكم، وهل عندكم مشكلة مع التيار الديني في سوري؟ا

 

ليست المشكلة في القبيسيات بحد ذاتهن. نحن نعتقد بحق جميع المواطنين والمواطنات في إيجاد الأشكال المناسبة للتعبير عن أفكارهن وتطويرها والعمل بها، طالما كان ذلك ضمن الوسائل السلمية، وينبذ العنف. لكن المشكلة، أن المزيد من الحرية تعطى لهذه التنظيمات الدينية في الوقت الذي تعاني فيه الحركة النسائية من الإقصاء والتهميش والحل ورفض الترخيص ومنع النشاطات والتضييق بكافة أشكاله كل يوم! هذا ما يجعل القضية هامة.

 

لو لم يكن الأمر كذلك، ما المشكلة في حركة القبيسيات؟ لا شيء. لأن كل ما يطرحنه يمكن نقاشه وتفنيده والرد عليه علنا، في حال لم تتخذ الحكومة المواقف المنحازة التي تتخذها الآن.

 

مع ذلك يجب أن لا ننسى أن الكثير من رجال الدين (مثلا: مفتي الجمهورية د. أحمد حسون، د. محمد حبش، د. محمد حسين شحادة.. ) عبروا بوضوح عن رفضهم التمييز ضد المرأة باسم الدين. وأكدوا أن جرائم الشرف، مثلا، هي جرائم من الدرجة الأولى، وأن ضرب النساء بأي شكل كان يطعن في صلب وجوهر الدين. أقصد، أنه يجب أن نرى الصورة بالوجهين، ودون تمييز، حتى نرى حقيقة ما عليه واقعنا.

 

كيف تقيمون أداء كل من: الهيئة السورية للأسرة، الاتحاد النسائي ووزارة الشوؤن الاجتماعية والعمل؟

 

الهيئة السورية لشؤون الأسرة، شكلت شريكا هاما لنا وللمجتمع المدني عموما في سورية طوال سنين ثلاثة قادتها فيها د. منى غانم، والعديد من الكوادر الواعي والنشيطة من النساء والرجال الذين كانوا يعملون فيها. أما اليوم، فقد تم القضاء على هذه الهيئة، وتحولت إلى مؤسسة أخرى من مؤسسات النظرة الذكورية المعادية لقضايا المرأة التي تسود في الحكومة السورية. وهي كانت منظمة لاحتفال باسم اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة أطلقت فيه تصريحات تنفي وجود العنف في سورية! بل وتدعي أنه إذا احتفلنا في سورية بهذا اليوم، فذلك من باب الترف الفكري! لأنه ليس هناك عنف ضد النساء في سورية!

 

الاتحاد النسائي، هو منظمة تابعة بكل المعاني للحكومة. وبالتالي، فهو لا يخرج عن إطارها بأي شكل. واليوم، الاتحاد النسائي هو مكان ملائم للوصول إلى المناصب وامتيازات المناصب. ولا يقدم أي عمل حقيقي للنهوض بواقع المرأة السورية، حتى بمعنى الخدمات الحياتية المباشرة لا يقدم شيئا. وما يقوله عن نشاطه ليس إلا حبرا على ورق. إلى درجة أن إحدى السيدات في قيادته عبرت علنا عن أن إثارة موضوع جرائم الشرف هو لغايات تقبع وراء من أثارها، مستدلة بذلك أنه لم تصلهم شكوى حول الموضوع! والسيدة سعاد بكور عبرت قبل أيام عن قناعتها أنه لا يوجد عنف ضد المرأة في سورية! وحتى إن وجد فهو لا يتعدى “العنف اللفظي”! هذا هو الاتحاد النسائي اليوم.

 

أما بالنسبة للوزارة، فيكفي أن أقول لك إن الاسم الذي نعتمده في الموقع لهذه الوزارة هو: “وزارة التدمير المجتمعي والبطالة”.

 

هل توجد هناك إحصائيات لجرائم الشرف في سوريا أو تقييم لدرجة انتشارها مقارنة بالدول العربية الأخرى، وكيف تقيمون دور الحكومة والمؤسسات الدينية في وجه هذه الثقافة؟

 

لا، لا توجد إحصائيات دقيقة. لأن الجهة الوحيدة القادرة على إنجاز مثل هذا الإحصاء هي وزارتي العدل والداخلية. والوزارتان لم تقوما بمثل هذه الدراسة، علنا على الأقل، ولا تسمحان لأحد بالوصول إلى الملفات الحقيقية للقضايا ليجرى مثل هذا الإحصاء.

 

وقد قدمنا عرضا مفتوحا على صفحات “مرصد نساء سورية” أننا مستعدون للقيام بهذا العمل تطوعيا، وبالتزام قانوني مطلق أن لا نقوم بنشر أو تعميم أو تداول أية معلومة خارج النتائج التي نصل إليها في إحصائنا. لكن لا أحد اهتم بذلك.

 

لكن لدينا مؤشرات تقول أن العدد يتراوح بين 200 على 300 امرأة سنويا.

 

دور الحكومة حاسم في هذا الموضوع. لأن الإعلام الأوسع هو في يد الحكومة (التلفزيون بشكل رئيسي، وثلاث صحف هي من الأكثر توزيعا في سورية، إضافة إلى ثلاث إذاعات، ووسائل التواصل عبر اتحادات الطلاب والشبيبة والنسائي وغيرها..). ولذلك نحن الآن نعدها مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه الجرائم. ليس فقط لأنها تعرقل تغيير القانون (المواد 548 و192 من قانون العقوبات السوري) إنما أيضا لأنها تمتنع عن أي نشاط في هذا المجال، وتعرقل أغلب النشاطات التي يقوم بها الآخرون.

 

أما المؤسسات الدينية، فهي تقف مباشرة في موقف التأييد لهذه الجرائم عبر صمتها المطبق،  باستثناء بعض رجال الدين (وقد ذكرنا بعضهم سابقا) الذين يعملون بجهد وكد حقيقيين لرفع هذا الظلم الواقع باسم الدين من قبل رجال دين تسيطر عليهم مفاهيم الذكورة، ولا مانع عندهم أن ينسفوا جوهر الأديان كلها للحفاظ على سلطاتهم. ومن الغريب أن 90 % من خطب وأحاديث رجال الدين تصب جمعيها في الحديث عن المرأة!

 

مع ذلك، نحن نعمل ونأمل على تغيير موقف الحكومة والمؤسسات الدينية باتجاه اعتماد مفاهيم المواطنة الأساسية في قضايا المرأة، ومن بينها قضية “جرائم الشرف”، ونحن نعتقد أن هذه المفاهيم لا تتعارض نهائيا مع حقيقة الأديان والعقائد السامية.

 

يلحظ المهتم بشوؤن المرأة فشل المرأة العربية بالعمل السياسي. ولناخذ الكويت وعمان كمثالين. ففي الكويت، تراجعت نسبة تمثيل المرأة في البرلمان عن السنوات الماضية. وفي عمان اختارت المرأة العمانية الرجل ليمثلها في البرلمان بدلا من  المرأة. الا يعكس ذلك فشلا ذريعا للمرأة العربية في المجال السياسي؟

 

هذا طبيعي. لأن دخول المرأة في العمل السياسي لم يؤسس أصلا على مواطنيتها. بل فقط على حاجة هذه الحكومات لتزيين وجهها ببعض النساء. وهذه هي المفارقة التي تحدثنا عنها سابقا.

 

في سورية أيضا الوضع نفسه. وقد علق مجهول في صحيفة رسمية في سورية على نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة بما معناه أن المجتمع قد فشل في قضية المرأة.

 

بالنسبة لنا، هذا تضليل عن الواقع. فهناك الكثير من القضايا التي تدخل في هذا الموضوع. لكن سنكتفي بالقسم الذي يدخل في نطاق عملنا: كيف ستعطي ثقتك لامرأة تمثلك في البرلمان وهي محرومة من سلطتها على أطفالها؟ وكيف ستفعل ذلك وهي مجرد جارية ترمى خارج بيت الزوجية بجملة واحدة؟ وتحرم من أطفالها؟ ويجري الزواج عليها مرة تلو أخرى دون حق اعتراض؟ وتجبر على إنجاب العدد الذي يريده الرجال؟ إلخ..

 

حتى تتمكن المرأة من الوصول بشكل صحيح إلى المشاركة في العمل السياسي، لا بد أولا من الاعتراف بها كمواطنة. وهذا الاعتراف ليس جملة في دستور، أو في بيان صحفي أو كلمة في مؤتمر. هذا الاعتراف يعني المساواة التامة في الحقوق والواجبات، ووجود قوانين ومؤسسات وهيئات ومنظمات تحمي وتؤكد الترجمة الواقعية لهذه المساواة. حينذاك، لنرى إن كانت المرأة ستفشل في الانتخابات البرلمانية أو في غيرها أم لا؟

 

أما أن ندعي أنها فشلت فيها الآن، وهي غارقة في التمييز ضدها واضطهادها وتهميشها وانتقاص مواطنيتها، فهذا أيضا ليس سوى شكلا آخرَ من التمييز ضدها، الذي يمارسه رجال السياسة ورجال الإعلام. فهم لا يريدون الاعتراف أنهم يعملون كل شيء على مدار أربعة وعشرين ساعة لتهميش النساء. وطبعا لن يعترفوا أن التمييز القانوني والثقافي والواقعي ضدهن هو المسؤول، لأن ذلك سيعني أنهم هم المسؤولون.

 

أجريت منذ عدة أيام إحصائية في دولة عربية، أوضحت أن نسبة 41 بالمئة من النساء يؤيدن العنف ضد المرأة. برأيكم، ماسبب انتشار ثقافة العنف في المجتمعات العربية  حتى في أوساط النساء، وكيف السبل إلى تغيير هذه الأفكار نحو الافضل؟

 

صحيح أن كلمة “ثقافة” تستخدم كثيرا في هذا المجال. ونحن نستخدمها أيضا، لكن على سبيل المجاز فقط. لأن العنف ليس ثقافة، العنف هو انحطاط أخلاقي مهما كان شكله وهدفه.

 

وعلى امتداد الدول العربية، قد لا تجد امرأة واحدة لم تعاني من شكل ما من أشكال العنف. بدءا من التحرش في الشارع، عبر الاستغلال في العمل، وانتهاء بجرائم الشرف.

 

مع ذلك، في ظل “ثقافة” تروج على مدار الساعة عبر الفضائيات والصحف ومنابر الجوامع تقول إن الخطيئة هي في النساء، والغواية هي في النساء، والمكيدة هي في النساء، والانحراف هو في النساء…. إلخ.. ماذا تتوقع في ظل هذه الثقافة؟ النساء هنا هن ضحايا مستويات متعددة من العنف، أهمها هو أنها تجبر على لعب دور معاد كليا لمصالحها الحقيقية. تجبر عبر ثقافة كاسحة، قد لا تجد في بعض البلدان حتى خرم إبرة من نور.

 

إذا كنا نريد تغيير هذا الواقع فعلا، فلا بد من سلسلة طويلة من الاجراءات. أولها أن تتوقف الحكومات عن لعب دور عراب العنف والاضطهاد، وأن تخصص ما يكفي في برامجها الاقتصادية لصالح النساء، وأن توجه إعلامها لدعم قضاياهن، وأن ترفع يدها عن المجتمع المدني ليؤدي دوره في هذا المجال..

 

ولا بد أن تتغير عقلية رجال الدين في المؤسسات الدينية، خاصة الكبيرة منها، باتجاه التوقف عن تحميل المرأة كل الشرور، وأن يناهضوا كافة أشكال العنف والتمييز ضدها، وأن يعتمدوا الحجة والعقل في البحث والنقاش بدلا من التخوين والتكفير..

 

ويجب أن أقول أيضا، إنه يجب على المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان عامة، وبحقوق المرأة خاصة، أن تتوقف أيضا عن ممارسة فسادها الخاص. ليس من النادر أن ترى المدافعين عن حقوق الإنسان يضطهدون المرأة ليس فقط في مؤسساتهم، بل أيضا في بيوتهم وحياتهم العادية. وهذه المنظمات عموما تفتقد للمبادرة وللديمقراطية والشفافية.

 

باختصار، أمامنا طريق طويل جدا.. نأمل أن نستطيع أن نمشي عليه بضعة خطوات. فقضية المرأة، هي قضية مئات آلاف السنين من الثقافة والممارسة، وليس لدينا وهم أنها ستحل في بضعة سنين.

 

 

شكرا للأخت طرفة كحيل  عضوة فريق عمل “نساء سورية”

 ——————————————————-

نشرت في موقع ثروة في 2/1/2008

 
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق