حوار مع ياسين الحاج صالح : الثقافة بين السياسة والسياسي

في مقال ينم عن صدق معاناة و صدق تفكير يضع الأخ ياسين الحاج صالح نفسه، ويضعنا معه أمام اختيارين لا ثالث لهما: فإما أن نواصل اختيار السياسة، التي يبدو أنها لم تؤد بالمثقف، ولا تؤدي به إلا إلى الطريق المسدود، ما دام”تأثيره عليها محدودا جدا أو معدوما”، أو نختار الثقافة، التي هي “أهم من السياسة وأرفع منها مقاما و أخطر شأنا”. و الظّاهر أننا، في رأي الأخ ياسين، إن كنا قد”خسرنا اليقين بإخفاق مذاهبنا، لكن ربما بدأنا كسب الثقافة، التفكير الحر والقلق”.

لكي لا أبدو كما لو أنني أحن من جديد إلى تلك المذاهب، لن أسأل الأخ ياسين: وهل يمكن للثقافة أن تفارق السياسة؟ إنما أدعوه إلى فتح أبواب الاختيار و عدم حصره بين الثقافة و السياسة، للتمييز مع رولان بارط بين السياسة والسياسي Le politique: السياسي مستوى من مستويات كل تشكيلة اجتماعية، و هو قوام التاريخ والفكر، وكل ما يعمل وما يقال: “انه البعد الأساسي للواقع”. أما السياسة فهي المستوى الذي يتحول فيه السياسي إلى حنكة ومهارة، و يتحول فيه النقد إلى ترديد للشعارات، وروح المبادرة إلى امتثال لأوامر، ومحاولة تغيير الواقع إلى “أخذ الواقع بعين الاعتبار”.

ما معنى أن يشعر المثقف والحالة هذه بخيبة الأمل إزاء السياسة؟ معناه أنه يحس أن روح النقد، التي هي رأسماله الأساس، لا تعود مجدية أمام خطابات “تتطبع” و”تتخشب”، وأمام واقع عنيد لا يأبه به. غير أننا لا ينبغي أن نستنتج من ذلك أنه لا يبقى عليه إلا أن يتنكر للبعد السياسي للواقع. إذ أن خيبة الأمل إزاء السياسة من شأنها أن تقوّي الإيمان بأهمية السياسي، وتفتح دروبا ملتوية وطرقا لامباشرة كي تفعل الثقافة في السياسة.

لكي لا نبتعد عن المفكر الذي سقناه في البداية لنتذكر ما يقوله بارط عن اللغة، حينما يجزم أن نضاله كمثقف لا يمكن أن ينصب إلا على اللغة. فاللغة بالنسبة إليه سم وترياق. اللغة هي سبب نفوره من النضال السياسي المباشر. لأنها معقل الدوكسا والتقليد والاجترار. لكنها في الوقت ذاته، هي وسيلته، كمثقف، لمقاومة السلطات، وهي مجال نضاله. “مراوغة اللغة” هي وسيلة المثقف للاحتجاج على السياسة إيمانا بالسياسي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This