حوار مع ياسين الحاج صالح: في السلطة الدينية والسلطة السياسية

يذهب كثيرون إلى الاعتقاد بعدم وجود “سلطة دينية” في الإسلام، بوجه عام، ويميل آخرون إلى الاعتقاد بعدم وجود مثل هذه السلطة في الإسلام السني خاصة. لكن الصديق، الدكتور ياسين الحاج صالح، يقرر أن ثمة سلطة دينية في عالم الإسلام السني، لكنها “متناثرة بشدة؛ وأن “الإصلاح الديني” الإسلامي المحتمل يتمثل في توحيدها ومركزتها ومأسستها؛ (ما) يساعد مجتمعاتنا على التشكل والتوازن، ويسهل عملية الدمقرطة، وهو بعدُ “لحظة” في عملية علمنة لا نرى مجالا للقفز فوقها”. ويرى، من ثم، “إن ضعف السلطة الدينية وتبعثرها، لا قوتها أو وحدتها، هو العقبة الكؤود دون عقلنة حياتنا الاجتماعية والسياسية والدينية وترتيب العلاقة بين الديني والسياسي في بلداننا على الفصل والاستقلال، أي دون العلمنة” ( “تأملات في السلطة الدينية والسلطة السياسية ومعنى العلمنة”، موقع السؤال الإلكتروني والاقتباسات الواردة في البحث من المقال نفسه.).

من المسلم به أن ثمة سلطة مستمدة من الدين، في كل زمان ومكان؛ و”عالم الإسلام السني” ليس استثناء؛ لأن الدين مصدر من مصادر السلطة، بوجه عام، ومن مصادر السلطة السياسية، بوجه خاص، شأنه شأن الكتابة والمعرفة والثقافة والعلم والقوة والمال والملكية الخاصة …. إلخ. تمارس هذه السلطة مؤسسة راسخة نميل إلى تسميتها مؤسسة “الدين الوضعي”، التي ينضوي في إطارها الكهنة والمشايخ والأئمة والخطباء والفقهاء والمجتهدون والمفتون ووعاظ السلاطين و”المتمجدون” بمجد المستبدين، بتعبير عبد الرحمن الكواكبي، فضلاً عن مؤسسة الأوقاف وغيرها. ومن الضروري، ما دمنا نسعى إلى تحرير فكرنا من قيود الأيديولوجية و”الرأي العام” و”الحس السليم” و”الفهم المشترك”، أن نفحص مصطلح “السلطة الدينية”، الذي فرض نفسه علينا ردحاً طويلاً من الزمن، فنرده إلى السلطة المستمدة من الدين، بوصفه مصدراً من مصادر السلطة، لا سلطة في ذاته؛ وإلى سلطة المؤسسات الدينية، أو مؤسسات “الدين الوضعي”؛ السلطة، التي كانت ضرورية، على مر التاريخ، لتبرير كل ما يحتاج إلى تبرير وتقنيع كل ما يحتاج إلى قناع؛ فنميز الدين “السراطي”، بتعبير صادق العظم، من مؤسسة الدين الوضعي، بل من “الدين الوضعي”، التاريخي، فلا نحمل الدين السراطي أوزار المؤسسات الدينية وخطاياها، ونحرر، من ثم، مفهوم السلطة من أي حكم مسبق، ولا سيما تعيينها بالدين؛ فمن دون ذلك، أي من دون تحرير مفهوم السلطة من أي حكم مسبق ومن أي قيمة معيارية، لا نستطيع فهم السلطة وتعيين مصادرها وآليات تكونها وعوامل فعاليتها وآليات اشتغالها وأسباب كونها مستبدة وغاشمة أو عادلة ورشيدة، بدءاً من سلطة الأب على أولاده، بل على أسرته، وصولاً إلى السلطة السياسية.

فإن سلطة المؤسسات الدينية، المستمدة من الدين، هي، في المقام الأول، سلطة على عقول المؤمنين وضمائرهم؛ ولذلك كانت حاجة المستبدين إليها، ولا تزال، حاجة ماسة لتأسيس مشروعيتهم. وليس بوسع أي بحث موضوعي أن يفصل سلطة المؤسسات الدينية عن الاستبداد، بوصفه بنية ونظاماً؛ لأنه من غير الممكن أن يكون هناك استبداد من دون السيطرة على العقول والضمائر؛ إذ كيف يكون استبداد والناس أحرار، والحرية هي، أولاً، حرية الفكر والضمير وحرية الرأي والتعبير؟!. الاستبداد هو حامي حمى “الدين الوضعي”، والمؤسسة الدينية هي الحارس الأمين للاستبداد؛ ولذلك، ربما، اتخذت المعارضة السياسية، في التاريخ العربي الإسلامي، حتى أواسط القرن التاسع عشر، طابع الانشقاق المذهبي، أو طابعاً مذهبياً، ولا يزال بعضها كذلك حتى يومنا. فعلى من يريد قيام “سلطة دينية موحدة وممركزة وقوية” تناهض الاستبداد المحدث، وتحد من “فرعنته” أن يفكر في انشقاق مذهبي جديد (عصري) في “عالم الإسلام السني”, وهذا ليس من قبيل الهرطقة والابتداع. فالوهابية على سبيل المثال، حركة إصلاح ديني حديثة، قامت على مبدأ تكفير كل من لا يرى رأيها ويأخذ بسنتها، وأرادت نفسها مذهباً جديداً هو “الدين القويم”، وما زال الناس يسمونها الحركة الوهابية والمذهب الوهابي؛ ولكنها لم تشأ، ولم تستطع، الاستقلال عن الاستبداد، وهي من أكثر المرجعيات السنية تماسكاً وصلابة ومركزية وسطوة، في بيئتها، وتسعى إلى منافسة المرجعيات الأخرى في غير مكان، وتبذل أموالاً طائلة في سبيل “الوعظ والإرشاد”.

ليس الدين ما أضفى طابع القدسية والعصمة على الفقهاء والمفتين، الذين شرَّعوا للاستبداد وللمستبدين، بل الاستبداد نفسه والمستبدون أنفسهم، واللافت أن المشرِّع كان أدنى منزلة من المشرَّع له، بل كان خادمه وتابعه وطوع بنانه. المؤمنون متساوون في الإيمان، الذي لا يقبل القياس. والتفاضل بين الفقيه والمؤمن أو بين المفتي والمؤمن تفاضل في درجة العلم فحسب، لا في الإيمان والتقوى، والعلم يكتسب؛ ورب مؤمنين أعلم من الفقهاء والمفتين والمجتهدين والمراجع وأكثر استقامة.

لعل أساس ارتباك الخطاب العلماني وعجزه عن إعادة بناء العلاقة بين الدين والسياسة على مبدأ استقلال كل منهما في مجاله وميدانه، يكمن في استبطان معظم العلمانيين منطق المؤسسات الدينية، التي تتماهي بالدين، ومنطق الجماعات الإسلامية التي تتماهى هي الأخرى بالدين، والاعتراف بصحة ادعائها أنها وحدها من يمثل الدين (الإسلام) وينطق باسمه، أي عدم تمييز الدين من المؤسسات الدينية الوضعية وسلطتها على عقول المؤمنين وضمائرهم. ويكمن من جانب آخر في الإيحاء بأن العلمانية نقيض الدين، لا نقيض سلطة المؤسسة الدينية. الله لم يكن في يوم من الأيام سبب شقاء الناس وبؤسهم وقهرهم ودوس كرامتهم، بل وزراؤه والناطقون باسمه والحاكمون باسمه. الثورة الجذرية التي حققها مارتن لوثر في العالم المسيحي، كانت إسقاط اعتبار الإكليروس، ونقل الكنيسة من خارج الفرد، المؤمن، إلى داخله ضميراً فردياً ووازعاً أخلاقياً، على غرار الإسلام الأصلي؛ إذ “كنيسة” المسلم ومرجعيته الأصلية هي عقله وقلبه وضميره (استفت قلبك). ولكن الأمور لم تجر على هذا النحو، بفضل “السلطة الدينية”، التي لا يمكن فصل تاريخ نشوئها وتطورها عن تاريخ الاستبداد، وعن حاجة المستبدين إليها، وعن تاريخ تديين السياسة وتسييس الدين. بفضل هذه السلطة (غير الشرعية، بجميع المعاني) التي يريد بعضنا أن يوحدها ويمركزها ويمؤسسها ويقويها، لتصير ضد نفسها وضد أسباب وجودها، وضد مصالحها وامتيازاتها، صار الاستبداد مألوفاً وشرعياً جيلاً بعد جيل. و”تديين السياسة” كان مطَّرداً في تجارب جميع “الشعوب”، بما فيها التجربة الإسلامية؛ وهو أصل تسييس الدين، بحكم التقليد والاقتداء بالسلف “الصالح”، لا كما افترض الصديق ياسين؛ فهل كان ممكناً فصل شخصية الصحابي المؤمن أبو بكر الصديق، مثلاً، عن شخصية الخليفة، الحاكم، رأس السلطة السياسية، الذي قاتل من امتنعوا عن أداء الزكاة؟ ألم يكن حكمه وحروبه من قبيل تديين السياسة.

ولما كان الدين عاطفة ذاتية وإيماناً شخصياً وضميراً فردياً واجتماعياً ووازعاً أخلاقياً.. فسلطته من قبيل سلطة الإنسان / الفرد على ذاته، تتجلى في ممارسته في صيغة الواجب الديني، الأخلاقي، وهذا ما نعنيه حين نقول: إن الدين مبدأ معرفة ومبدأ حرية ومبدأ محبة ورحمة ومبدأ مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، وحين نقول: الدين هو حسن المعاملة ومكارم الأخلاق؛ فلا نحمل الدين أوزار الاستبداد والمستبدين. ومن ثم، فإن أي “سلطة دينية” خارجية، مفروضة على الفرد أو على الجماعة من خارجه ومن خارجها، هي بالأحرى سلطة ذات على موضوع، يصير معها المؤمن والمؤمنين مجرد موضوع هامد وتابع ومسلوب الإرادة، أي إنها سلطة شخص أو مؤسسة أو نظام اجتماعي أو حكومة… أو “دولة”، تُمارَس على المؤمن وعلى المؤمنين باسم الدين، فهي من ثم سلطة مستمدة من الدين، بوصفه أحد مصادر السلطة، لا بوصفه سلطة في ذاته، فالدين ليس كذلك.

إن فساد الدين يبدأ من اللحظة التي يتحول فيها إلى سلطة في ذاته، تنفي مفهوم الإيمان، أو إلى أداة لسلطة أخرى. فالسلطة هي السلطة. تنبع من كل شيء، فتكون واحدة من سلطتين: إما سلطة ذات على موضوع، أي سلطة هيمنة واستتباع وإكراه وإرغام واستبداد متفاوتة الشدة ومختلفة المظاهر، ومزينة بالورود في كثير من الأحيان، وإما سلطة الذات على ذاتها، وهي مظهر من مظاهر الحرية، على صعيد الفرد والجماعة والمجتمع والأمة. “السلطة الدينية”، كالسلطة السياسية، يمكن أن تكون هذه أو تلك، وهما عندنا، حتى اليوم، سلطتا استتباع وإكراه وإرغام واستبداد، في سلطة واحدة. ولذلك كان الاستبداد السياسي ملازماً للاستبداد الديني، يغذيه ويتغذى منه. وكانت المؤسسة الدينية ظهيراً للسلطة السياسية، تمنحها مشروعية أخلاقية وتسوغ سياساتها وتقنع مصالح أهلها. ولا يمكن أن تكون “السلطة الدينية” من قبيل سلطة الذات على ذاتها، إلا حينما تستقل بذاتها عن السلطة السياسية وتنفك عن الاستبداد، وتكف عن كونها سلطة خارجية، وهذا غير ممكن مع وجود الاستبداد ودوامه؛ فالاستبداد هو من أنشأ “السلطة الدينية” سلطةً خارجيةً، كانت، ولا تزال، ضالعة في إثارة الحروب والنزاعات وزرع بذور الحقد والكراهية، لا العكس؛ فوجودها ودوامها سلطةً خارجيةً مقترنان بوجوده ومتوقفان عليه.

وما دام حديث الصديق ياسين عن “عالم الإسلام السني”، وهو عالم فسيح ومتنوع، فمن البديهي أن تكون السلطة، المستمدة من الدين، متناثرة ومتفاوتة القوة، بحسب طبيعة الحكم في كل بلد إسلامي (سني) على حدة، وبحسب علاقة المؤسسة الدينية بالسلطة السياسية، (المملكة العربية السعودية وتركيا مثالان مهمان)، وبحسب موقعها في بينية الاستبداد، إذا كانت هذه السلطة مستبدة، كما هي الحال عندنا. فليس من سبيل إلى توحيدها ومركزتها، على الرغم من المساعي التي بذلت والتي تبذل في سبيل هذا المطلب (التنظيم العالمي للأخوان المسلمين، مثلاً). لذلك يحسن تحديد مجال الفرضية في دولة بعينها أو في بلد بعينه، كسورية أو العراق أو مصر…، وإلا فإن الفرضية تفقد شروط إمكانية التحقق من نسبة صحتها أو عدم صحتها. لذلك يبدو من غير المنطقي وغير المعقول، أي من غير الواقعي، ربط عملية عقلنة المجتمعات، التي تدين أكثريتها بالإسلام السني، وعلمنتها ودمقرطتها بتوحيد “السلطة الدينية” في “عالم الإسلام السني”، ما يجعل عقلنة هذا المجتمع أو ذاك وعلمنته ودمقرطته من قبيل المستحيل. فهل من المعقول رهن عقلنة المجتمع السوري، مثلاً، بتوحيد السلطة الدينية، في العالم الإسلامي السني برمته، ومركزتها ومأسستها وقوتها؟!

إنه لمن المعروف والمؤكد أن الأنظمة الاستبدادية، ولا سيما أنظمة الاستبداد المحدث، الشمولية أو التسلطية، تحتكر جميع مصادر السلطة وجميع مصادر الثروة وجميع مصادر القوة، بما فيها الدين، وهذه علامة فارقة، بين النمط الشمولي عندنا وبين الشمولية السوفياتية السابقة ونظائرها. ومن ثم فإن السلطة المستمدة من الدين موحدة، على هذا الصعيد وممركزة وممأسسة، بما في ذلك سلطة الجماعات “الجهادية”، كجماعة “أبو القعقاع”، في سورية، التي تقوم على فلسفة “التحالف بين الإيمان والأمن”، أي بين الإيمان والمخابرات، كما جاء على لسان أميرها أو زعيمها، في مقابلة تلفزيونية على قناة “العربية”، وغيرها من الجماعات. وثمة جملة من الوقائع لسنا في معرض التفصيل فيها تؤكد ما نذهب إليه. أما على صعيد المعارضة “الإسلامية” المنظمة، وغير المنظمة ففرضية الدكتور ياسين صحيحة إلى حد بعيد. ما يجعل السلطات المستبدة مطمئنة إلى ظهيرها “الإسلامي” القوي والموحد والممركز والمؤسسي. ومن المؤكد أن هذه الوضعية الشمولية لا يمكن أن تساعد المجتمعات على التشكل والتوازن، ولا تسهل، من ثم، عملية دمقرطتها، على الرغم من توحيد “السلطة الدينية” ومركزتها ومأسستها.

على أن الوحدة، التي أشرنا إليها، وحدة هشة وملغَّمة، بحكم الطابع الأمني للسلطة “السياسية”، أي بحكم القمع، الذي غدا لحمة النسيج المجتمعي، ولحمة أي وحدة أو مؤسسة. ومن هذه الزاوية أيضاً يتعذر تحقيق فرضية الحاج صالح، بل لعل نقيضها بات راجحاً. وعلى المرء أن يكون ممتناً لهذه السلطة لو أنها تستطيع توحيد أي شيء بغير القمع والإكراه. فللدين الوضعي، في عالم الاستبداد المحدث وظيفة مزدوجة، فهو “سماء الشعب”، بتعبير ماركس، من جهة، وإن تكن سماء واطئة يتألَّه فيها مستبد أضفى عليه وعاظ السلاطين لا صفات الأنبياء فحسب، بل صفات إله يتحكم في مصائر الناس ويقرر أرزاقهم وآجالهم. وهو من جهة أخرى (في المعارضة) واحات شعبية لـ”الحرية”، بل للفرار من عالم الفقر والجوع والقهر والاستبداد إلى عالم وهمي، إلى الدولة الإسلامية والنظام الإسلامي والشريعة الإسلامية وحاكمية الله ..، عالم وهمي ليس سوى عزاء للنفوس من قسوة العالم الفعلي، ومعادل ذاتي للاستبداد. والوظيفتان متكاملتان لا تسهم أي منهما في عملية تشكل المجتمع وتوازنه واستقراره، فالمجتمع لا يتشكل إلا حين يصير القانون الوضعي، الذي يتساوى أمامه جميع المواطنين، لحمة النسيج الاجتماعي وناظم العلاقات الاجتماعية في جميع الميادين. ما يعني أن المسألة الأساسية، في هذه البلدان، مسألة سياسية، على اعتبار السياسية محصلة نهائية لنسبة القوى الاجتماعية / السياسية، ولا تنحل في علاقة السلطة الدينية بالسلطة السياسية.

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس من المنطقي أن نتحدث عن معارضة سياسية في النظم الاستبدادية، بل عن مذاهب، كما كانت الحال دوماً في الماضي، وعن معارضين، كما هي الحال في أنظمة الاستبداد المحدث الشمولية. ومن ثم، فإن “المعارضة الإسلامية” ليست أفضل حالاً من المعارضة “العلمانية” أو شبه العلمانية، وليست مؤهلة موضوعياً وذاتياً لمشروع توحيد “السلطة الدينية” ومركزتها ومأسستها، أو للاندراج في مشروع من هذا النوع، بحكم بنيتها الأيديولوجية، إذا كان الصديق ياسين يراهن على ذلك. واستدراكاً، فإن الجماعات الإرهابية المسلحة، كالطليعة المقاتلة للأخوان المسلمين، التي خبرناها في ثمانينات القرن الماضي، في سورية، أو الجماعات التي نعرفها اليوم، ليست جماعات سياسية بأي معنى من المعاني، لأنها لا تعدو كونها جماعات مناهضة للدولة، لا لسلطة بعينها، ومناهضة لأي نظام اجتماعي وأخلاقي، ولأي صيغة مؤسسية، وهنا يكمن تناقضها الداخلي، وخارجة على أي قانون، سوى قانونها الخاص، الذي يبيح دماء الآخرين وأعراضهم وأموالهم. المسألة اليوم، كما كانت في كل وقت، مسألة الاستبداد السياسي والاستبداد الديني، لا مسألة تناثر “السلطة الدينية” أو وحدتها. والتفكير في إمكان فصل مؤسسة الدين الوضعي عن السلطة الاستبدادية ضرب من الوهم، فالتاريخ لم يقدم لنا ولو مثالاً واحداً على ذلك. ومثله افتراض أن “السلطة الدينية” متناثرة ومشتتة وضعيفة، فكيف تكون كذلك وهي حارسة الاستبداد وأحد مصادر “مشروعيته” تاريخياً؟.

الفرضية المعروفة، أو القراءة المعروفة والشائعة، للتجربة الإسلامية، والتي تقول: “لقد تكوّن الدين والأمة والقيادة (السلطة السياسية) معا”، بخلاف التجربة الغربية، تعزو للدين، وهو هنا الإسلام، ما ليس من شأنه ولا من طبيعته ولا من غاياته، أعني تكوين الأمة وتكوين السلطة السياسية. ونثابر على مقولة السلطة المستمدة من الدين، لنشير إلى أن هذه الفرضية الشائعة، ومن أشاعها هم الإسلاميون والقوميون، في القرن العشرين، أي مع ظهور جماعة الأخوان المسلمين في مصر، وتبلور “نظرية قومية عربية” ذات مضمون عرقي / مذهبي، هي فرضية حديثة العهد، وذات طابع أيديولوجي، وليست نتاج تتبع المسارات التاريخية، التي يصعب تتبعها إلا من خلال تحليل “مآلاتها الراهنة”، لا من خلال الروايات المشكوك في صحتها وصدقها، ولا من خلال التاريخ الوهمي ومنطقه الحلولي، الذي اخترعه القوميون والإسلاميون، تاريخ الفكرة الإسلامية أو الفكرة القومية، أو “تاريخ الروح” وتاريخ الرسالة الخالدة. ولا نريد هنا التوسل بـ”المادية التاريخية” ومقولاتها، بل سنكتفي بالإشارة إلى أن هناك دراسات وتحليلات تاريخية جادة وقراءات مختلفة للتجربة الإسلامية لا تؤيد الفرضية المشار إليها، وليست أقل منها جدارة. ومن ثم فإن البناء على هذه الفرضية يؤدي إلى النتائج ذاتها التي نحاول تحرير العقل من سلطتها.

والدكتور ياسين يقرر أن النشاط الذي خاضه النبي “سيتمخض عن إمبراطورية مترامية الأبعاد تستمد شرعيتها من الرسالة التي أتى بها”، ولم تتمخض عن “إمبراطورية دينية” أو عن سلطة دينية. أي إن “الرسالة” لم تكن، في هذا المجال، سوى أحد مصادر “الشرعية” لسلطة “سياسية” في حاجة إلى شرعية غير “شرعيتها” الفعلية، لأنها غير شرعية أخلاقياً، ولتقنيع مصالح في حاجة إلى قناع، ولا أدل على ذلك من النزاع المتواتر والمتعدد المظاهر والمتفاوت الشدة على السلطة والثروة. ولا يماري أحد، حتى من الإسلاميين، الذين ينسلون “الإسلام” من الواقع ومن التاريخ، كما تنسل الشعرة من العجين، أن تلك الإمبراطورية كانت ملكوت الاستبداد، لا ملكوت الله، وأن النوازع الشخصية الطيبة لهذا الخليفة أو ذاك ليست من سمات بنيتها.

إن سلطة سياسية تستمد مشروعيتها أو بعض مشروعيتها من الدين، لا بد أن تدمج العقيدة في بنيتها، وأن تحدد وظيفتها على نحو واضح وقاطع، كما هي الحال في أيامنا. فليس منطقياً افتراض قيام إمبراطورية إسلامية من دون أن يكون هناك “مؤسسة خاصة تكون مركزا لسلطة دينية وازنة” “ليس في العقيدة ما يحول دون قيامها”. اندماج السلطة السياسية بالدين الوضعي، بوصفه أهم مصادر مشروعيتها، كان متواتراً في التاريخ السياسي لجميع الشعوب، حتى نشوء الدولة الحديثة، لإخفاء المشروعية الواقعية للسلطات المستبدة، أعني مشروعية القوة والغلبة، القوة التي لا تلبث أن تصير حقاً مقدساً يعيِّن واجبات الرعية ويحوِّل خضوعها إلى تبعية، موضوعية، ثم إلى تبعية ذاتية ناتجة من العالم الوهمي، الذي يحل في وعيها الذاتي محل العالم الفعلي. وليس من الواقعي أيضاً افتراض أن العرب أقاموا سلطة إمبراطورية “قبل أن تتميز لديهم دولة واضحة المعالم، ومن دون أن تتبلور لديهم مؤسسة دينية”. يقتضي الأمر هنا تحديد مقومات السلطة الإمبراطورية، وعدم مماهاتها بالدولة. النظم الإمبراطورية جميعاً قامت على مبدأ نهب الخارج ونهب الداخل، الأول يسم مراحل قوتها وازدهارها، والثاني يؤذن بضعفها وتفككها. فهي منظومة نهب وإخضاع واستتباع وإلحاق، على الصعيد العملي، ومنظومة واجبات “دينية، على الصعيد النظري. النظام الإمبراطوري منظومة إلزامات وواجبات غير متساوية، يضفي عليها الدين الوضعي طابعاً أخلاقياً مقدساً يسوغ عدم المساواة، أما الدولة فمنظومة حقوق متساوية.

لا ندري كيف يمكن أن يكون الإسلام “ثمرة التاريخ أكثر منه ثمرة الرسالة، لارتباطه بالتجربة الإسلامية، التي اندمجت فيها الرسالة بالحرب والدولة”، ونستثني من ذلك “التاريخ الإسلامي بعد وفاة النبي على أنه ليس نتاجاً محسوماً لهذه التجربة؛ إذ لو قامت معادلات أخرى لولدت إسلاماً مختلفاً عن إسلامنا من دون أن يكون أقل منه جدارة باسم الإسلام”. ولا ندري بم يختلف التاريخ الإسلامي بعد وفاة النبي عن التجربة الإسلامية “المكونة”. ولا ندري ما إذا كان ممكناً قيام معادلات أخرى مختلفة عن المعادلات التي حكمت التجربة الإسلامية، والتاريخ هو توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى، وأن الحتمي هو ما تحقق بالفعل، ولم يكن ممكناً أن يتحقق غيره. الاحتمالية سمة الواقع الراهن، لا سمة الماضي. فإن القول: لو كان كذا لكان كذا وكذا ضرب من العبث، وضرب من الاستهانة بمنطق الواقع ومنطق التاريخ. ومثل ذلك افتراض قيام “سلطة دينية” موحدة وممركزة وممأسسة، في عالم الإسلام السني، في القرن الحادي والعشرين، ليس في الواقع ما يشير إلى إمكانية قيامها بمعزل عن الاستبداد السياسي، الذي هو أساس وجودها ومبرر بقائها ومبعث قوتها ونفوذها، كما نظن. والأسوأ من ذلك هو تعليق الإصلاح الديني والمشروع العلماني والمشروع الديمقراطي على قيام مثل هذه السلطة. واستطراداً نحن لا نجادل في الصفات التي ينسبها صديقنا للسلطة الإسلامية التي ينشدها، ولا في مضمون هذه السلطة، ولا في جذرية موقفه الديمقراطي العلماني، بل نجادل في منطقية أو عدم منطقية الفرضية، أي في واقعيتها أو عدم واقعيتها. كان يمكن أن نقبل بالفرضية على أنها فرضية واقعية لو أن ثمة بادرة واقعية ما يراهن على نموها وتطورها. وإذا كانت مثل هذه البادرة موجودة ونحن لا نعرفها، لأي سبب من الأسباب، كان عليه أن يشير إليها، وإلا فإن المسألة هي مسألة تخيل وتمن، ولا نظن به هذا الظن. لا أحد يستطيع أن يلوي عنق الإسلام، ولا أحد يستطيع أن يلوي عنق التاريخ، فثمة، في نهاية المطاف مكر العقل ومكر التاريخ، وما أوضاعنا الراهنة سوى مظهر من مظاهر مكر العقل ومكر التاريخ ونتيجة من نتائجهما.

يرى الدكتور ياسين أن “موقع السلطة الدينية في عالم الإسلام السني من السلطة السياسية هو نظير موقع السلطة السياسية من السلطة الدينية في الغرب الكاثوليكي”. ومن ثم فإن «تديين السياسة هو المشكلة هناك، فيما تسييس الدين هو المشكلة لدينا”. لو أمعنا النظر في مقولة تسييس الدين لوجدناها نتيجة من نتائج تديين السياسة، إي إضفاء مشروعية دينية مقدسة عليها، ووضعها فوق أي نقد وأي مساءلة، بل جعلها من المحرم التفكير فيه. ومن ثم فإن تحرير السياسة من الدين هو ذاته تحرير الدين من السياسة، أي استقلال كل من المجالين، الديني والسياسي، عن الآخر. النتيجة التي يريد صديقنا استخلاصها من افتراض اختلاف طابع العلاقة بين الدين والسياسة في التجربة الإسلامية السنية عنه في التجربة المسيحية، لا يمكن الانطلاق منها نحو إصلاح ديني مغاير وعلمنة مغايرة، ولا تعني أن ذلك الاختلاف، في حال وجوده، كان اختلافاً جوهرياً، ولا تعني أيضاً أن علمانية الغرب المسيحي تستنفد في الإصلاح الديني، وهذا هو الأهم. والصديق ياسين يعرف أن الأباطرة الرومان، قبل الإمبراطور قسطنطين، كانوا يستمدون مشروعيتهم من الدين أيضاً، وكل ما فعله قسطنطين كان جعل المسيحية مصدراً لمشروعية حكمه بدلاً من الوثنية، فهو ملك صار على دين شعبه، لتصير الشعوب، فيما بعد، على دين ملوكها. أما أسباب قوة الكنيسة فترجع إلى تجذرها في نفوس المؤمنين وامتزاجها بحياتهم المادية والروحية، على مدى أكثر من ثلاثة قرون، قبل تحولها إلى دين دولة، أي إلى دين وضعي، بخلاف الإسلام.

إن من طبائع الاستبداد بسط سيطرة السلطة المستبدة على جميع مجالات الحياة، ومنها مجال الدين أو مجال الحياة الروحية، التي لا تستنفد في الدين، بل تتعداه إلى الحقل الثقافي برمته، والاستبداد هو الاستبداد في كل زمان ومكان. العلمانية، في الغرب أو في الشرق، لا تنفصل عن سيرورة الخروج من عالم الاستبداد الديني والسياسي، سيرورة تشكل الأمة الحديثة والدولة الوطنية الحديثة. وهي سيرورة بدأت هناك، ولا بد أن تبدأ هنا بقطيعة معرفية وثقافية وأخلاقية مع عالم الاستبداد وعالم السديمية والاختلاط وعالم الأوهام، ولا سيما الأوهام الدينية، التي تعزو إنتاج الحياة وبناء الحضارة إلى الإسلام، لا إلى المسلمين، أو إلى المسيحية، لا إلى المسيحيين، أو إلى القومية العربية ورسالتها الخالدة، لا إلى العرب..، أي إلى الفكرة وسلطتها، لا إلى البشر الذين يحملونها ويحملون غيرها بالضرورة، وهم وحدهم معيار قوة سلطتها، المعنوية والمادية، أو ضعفها. إن ضعف “السلطة الدينية” هو سمة العصر الحديث، والجماعات الأصولية والإرهابية والهويات الحصرية هي الاستثناء، هي الدين الوضعي، المؤسسي، الذي يخوض معركته الأخيرة إلى جانب الاستبداد. فمن المستهجن، وهذه الحال، التفكير في سلطة دينية / مذهبية (للإسلام السني) قوية موحدة وممركزة وممأسسة، لمناهضة الاستبداد.

يريد الدكتور ياسين أن يقرر على أساس المقدمة السابقة أن إشكالية العلمنة لدينا مختلفة عن إشكالية العلمنة في أوروبا ومعاكسة لها. هناك اقتضى الأمر استقلال الدولة أو حمايتها من الدين. وهو ما تحقق بعد حروب وصراعات دموية وانشقاق الكنيسة ذاتها. وتوج في النهاية بمعاهدة وستفاليا 1648 التي دشنت تحول السيادة العليا نحو الدولة، ووضعت مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية بأن قررت أن الناس على دين ملوكهم”. هذا يعني أن الأمر هنا يقتضي استقلال الدين وحمايته من الدولة؛ فهل نتابع هذه اللعبة الذهنية ونقول: بعد صراعات دموية وانشقاق الدولة ذاتها، على نحو ما يجري في العراق واحتمال قيام دولة كوردية علمانية في الشمال، ودولة دينية (إسلامية سنية) في الوسط حتى توحيد السلطة الدينية السنية ومركزتها ومأسستها تمهيداً لصيرورتها كنيسة سنية عالمية مستقلة عن الدولة، ودولة شيعية في الجنوب تتداولها ولاية الفقيه وولاية الأمة حتى قيام دولة الفاتيكان الكاثوليكية الشيعية في النجف الأشرف وتحرير الدولة من سلطان الدين؟ أليست هذه سيرورة معاكسة لسيرورة العلمنة في الغرب المسيحي، على صعيد اللعبة الذهنية فقط؟

يبدو أن هذه اللعبة الذهنية ليست لعبة، بل يمكن أن تحمل مشروعاً للإصلاح الديني المؤسسي على النحو الآتي:

“في مجالنا السياسي الديني، المعول عليه (..) هو استقلال الدين أو حمايته من الدولة، أي الحد من تسييسه والتلاعب به. وكما كان استقلال الدولة اقتضى هناك توحيدها ومأسستها، فإننا لا نرى كيف يمكن أن يستقل الدين لدينا دون توحيد السلطات الدينية ومأسستها، أي انضباطها بقواعد مستقرة، إن من حيث نظامها الداخلي، أو من حيث علاقتها بالسلطة السياسية، أو من حيث علاقتها بجمهور المؤمنين، أو أخيراً من حيث علاقتها بجمهور مسلم متفاوت مراتب الإيمان وصولا إلى مرتبة عدم الإيمان (مما هو قائم ومعلوم في مجتمعاتنا جميعا). ونرى أن عمليات التوحيد والمركزة والمأسسة هي مضمون الإصلاح الديني الإسلامي المحتمل والمرغوب. وهو ما يرتب مقاربة مختلفة لمسألة الإصلاح هذه، يتقدم فيها البعد المؤسسي والتنظيمي على البعد المتعلق بالمضمون، هذا الذي ينشغل بتقريب الاعتقاد الإسلامي من العصر معرفا كعصر للعلم والعقلانية. المقاربة المضمونية هذه لا تنطوي على تعسف فقط، بل هي ليست مرغوبة ولا تقدم خدمة للإيمان والعقيدة الإسلامية، بل إنها تستتبع الدين (كمبدأ إيماني مطلق) للمعرفة العلمية، وهذه بطبيعتها جزئية ومتغيرة ونسبية وإلا لا تستحق اسمها. فالمقاربة هذه، إذن، وقد دشنتها شروح لمحمد عبده، تعكس شعورا بالنقص تجاه الحداثة من جهة، وتتلاعب بالدين كما تتلاعب به، من جهة أخرى، السياسة الدنيوية”. انتهى الاقتباس.

لا مفر من التسليم بالعجز عن الفهم. فأنا لا أعرف بالضبط ما هو “مجالنا السياسي الديني”. ولا أفهم هذا القياس الصوري، قياس وجوب توحيد السلطة الدينية واستقلالها (هنا) على توحيد الدولة واستقلالها ومركزتها (هناك)، أي قياس ما هو واجب، في واقع راهن، موار، ومفتوح على احتمالات شتى، على ما تحقق وأنجز، في مكان وزمان بعيدين. ولا أدري ما القواعد المستقرة التي ستضبط السلطة الدينية الموحدة، في الوقت الذي تدعي فيه كل جماعة دينية وكل واحدة من السلطات الدينية المتناثرة أنها تقوم على قواعد شرعية مستقرة وعلى أصول ثابتة لا مراء فيها. ولا أدري ما هي المعايير التي تحدد “مراتب الإيمان”، وقد أشرنا إلى أن الإيمان، كأي عاطفة، غير قابل للقياس. ولا أستطيع تصور إصلاح مؤسسي تنظيمي مضمونه هو “التوحيد والمركزة والمأسسة”، “يتقدم على البعد المتعلق بالمضمون، أي لا أستطيع تصور بناء شكل يأتي مضمونه في الوقت المناسب فيحل فيه على الرحب والسعة؛ ومادام “المضمون” هو التوحيد والمركزية والمؤسسية، فما الحاجة إلى مضمون آخر أو إلى بعد مضموني؟. أما كون المقاربة المضمونية، التي تنشغل بتقريب الاعتقاد الإسلامي من العصر، معرفاً كعصر للعلم والعقلانية، مقاربة تعسفية وغير مرغوب فيها ولا تقدم خدمة للإيمان والعقيدة الإسلامية، فهذه وجهة نظر تستحق الاحترام، كغيرها من وجهات النظر المختلفة في هذا الموضوع.

ولست متأكداً، كالصديق ياسين، أن “سلطات دينية مبعثرة وغير واثقة من نفسها ستشعر أن الانفصال عن الدولة تهديد وجودي لها. فيما من شأن قيام مؤسسة دينية قوية واثقة من ذاتها، وتحوز ركائز ذاتية صلبة، أن تبادر هي إلى الاستقلال عن الدولة والحرص على عدم الارتباط بها”. ولا أعتقد أن “الإسلام المعاصر لا يطالب باستقلاله، ولا يعمل من أجله، (…) لأنه يخاف من حريته ويخشى أن لا يستطيع القيام بأمر نفسه”؛ فإن بعض الإسلام المعاصر، المناهض للدولة، كما سبقت الإشارة، والذي يكاد يكون هو هو الإسلام المعاصر، قد أنجز استقلاله الذاتي، ويقوم بأمر نفسه “خير قيام”، ويحقق “انتصارات” إلهية في غير مكان، ويستقطب أعداداً أكثر فأكثر من جماهير المؤمنين.

هذه ليست دعابة؛ الدكتور ياسين يقرر بجدية قاطعة أنه “في شروطنا الراهنة ثمة حائل بنيوي (يحول) دون العلمانية، حتى لو اقتنع جميع الإسلاميين والمسلمين بمحاسن انفصال الدين عن الدولة، أعني تبعثر الحياة الدينية وتناثرها، أو “تعدد مراكز التعامل بالدين” بتعبير برهان غليون، وذلك إن على مستوى المعاني أو المرجعيات أو مراكز السلطة. وهذا العائق، الذي لا يرى عادة، هو في تقديرنا الأكبر في وجه العلمنة. فستبقى هذه متعذرة إن لم تتكون هيكلية دينية موحدة، أي دون عقلنة التدين الإسلامي”. لا حظوا: حتى لو اقتنع جميع الإسلاميين والمسلمين بمحاسن انفصال الدين عن الدولة”، فإن اقتناعهم لا يساوي شيئاً أمام تبعثر الحياة الدينية وتناثرها، أو أمام تعدد مراكز التعامل بالدين”. فالأمر ليس رهن إرادة الإسلاميين والمسلمين بل رهن إرادة الفكرة، فكرة السلطة الدينية الموحدة، التي تفتح الباب للعلمانية، والتي تعرف كيف تثأر لنفسها وتعلن حقيقتها، التي لا ترى عادة، على الملأ، ولو بعد حين، وإلا فلا علمانية ولا ديمقراطية ولا من يحزنون. فعلى العلمانيين والديمقراطيين، إذا كانوا علمانيين حقاً وديمقراطيين حقاً، أن يتطوعوا لـ “النضال” في سبيل سلطة دينية (إسلامية سنية) موحدة وممركزة وممأسسة وقوية وموطدة الأركان، تستقل طوعاً واختياراً عن السلطة السياسية، وإلا فلا يلوموا سوى أنفسهم؛ لأن قيام هذه السلطة هو الشرط الوحيد، الضروري، اللازم والكافي، لتكوُّن المجتمعات وتوازنها وعلمنتها ودمقرطتها، لا لـ (تكاون، أي اقتتال، مذاهبها وطوائفها)، كما هي الحال.

إذن اللحظة الأولى في عملية العلمنة عندنا، في نظر ياسين، هي “مركزة الدين الإسلامي”، التي “ستمر حتما بالتغلب على تفتت السلطة الدينية وتكوُّن مؤسسة دينية واحدة تنظم السلوك الديني. و”ستكون لحظتها الثانية استقلال المؤسسة الدينية عن السلطات السياسية، وربما توحيدها كمرجعية إسلامية عليا لكل العالم الإسلامي السني”. لا أدري لماذا يعيد الصديق ياسين إنتاج تقليد أيديولوجي كان من أوائل المتمردين عليه، تقليد يقوم بإلزام الواقع وإلزام التاريخ بخطة محكمة وصارمة وحتمية، ويجعل من تحقيقها شرطاً لازماً لتوازن المجتمع واستقراره وتقدمة و… إلخ، كضرورة قيام الاشتراكية وحتميتها التاريخية أو ضرورة الوحدة العربية وحتميتها أو ضرورة الدولة الإسلامية وحتميتها أو ضرورة قيام سلطة دينية موحدة وممركزة .. تصير مرجعية عليا للعالم الإسلامي السني، وتقديم قرابين بشرية لهذه الآلهة الوثنية؟

نخشى أن هذه اللحظة الأولى لن تأتي، كغيرها من اللحظات “الضرورية” و”الحتمية”، وأنها قد تكون اللحظة الأخيرة إن أتت. ومن المستهجن افتراض أن “التناثر هو شرط إمكان تسييس الدين، تماما، كما كان التناثر الإقطاعي هو شرط إمكان تديين السياسة في أوربا الكاثوليكية”، في حين كان تديين السياسة / تسييس الدين، في كل زمان ومكان سبب التناثر، سبب ظهور مذاهب مختلفة ومتخالفة وتَشكُّل أرثوذكسيات لا سبيل إلى إعادة توحيدها. ثم من يطمع في تسييس “سلطات دينية” متناثرة وضعيفة، لا حول لها ولا طول سوى معارضة متناثرة لا حول لها ولا طول؟. العالم لا ينحل في الدين، بل العكس؛ ولا في ثنائية الدين والسياسة، بل العكس. أما إعادة الاعتبار للروح فلها حديث آخر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق