حوار مفتوح مع أبي الفتوح: تنقاضات الإخوان… الشرعية

نتابع القطب الإخواني عبد المنعم أبو الفتوح و هو يقوم بتحديث الفكر الإخواني، طلباً للانخراط في العملية السياسية، في ظرف عالمي جديد يختلف بالمرة عن زمن نشأة الإخوان، فيقول: ” إني أرى أن كل الدول التي أغلب سكانها من المسلمين هي دول إسلامية حسب المبدأ الديموقراطي سواء مصر أو الأردن، وذلك لا يعني أننا نوافق أو نرضى عما لحق بهذه الدول من فساد و عطب، متمثل في استبداد سياسي وفساد اقتصادي وخلقي”.

لو حاسبنا أبا الفتوح هنا على قدر ما قال هو، لقلنا له: أنه حسب المبدأ الديموقراطي، فإن أبا الفتوح يتكلم باسم جماعة الإخوان وهم أقلية في مجتمعنا المصري، ومع ذلك يتكلم كما لو كان أغلبية، ويفعل جميع الإخوان فعله ليترسب في الأذهان بالتكرار أنهم ليسوا أقلية، و أنهم ليسوا منشقين على شعبهم، متمردين علي الحكومة القائمة، والأقلية كما قال هو لا تفرض رأيها على الأغلبية، ناهيك عن كون هذه الجماعة أقلية خارجة على القانون و جماعة غير شرعية حسب قانوننا المدني.

وأن أبا الفتوح إذ يلزمنا بصفته كمفكر وحركي إسلامي إخواني، فإنا نلزمه بهذه الإسلامية وأن يطبق على نفسه قوانين الشريعة الإسلامية، لأن معارضته للنظام الحاكم هي تمرد على دين الإسلام نفسه الذي أمرنا بطاعة ولي الأمر، و “أطع الأمير و أن ضرب ظهرك وأخذ مالك، و لو كان عبداً حبشياً فاسقاً فاجراً” (أحاديث صحاح )، حرصاً على عدم الفتنة كما تؤكد المراجع السنية، التي هي مراجع الإخوان بوصفهم وهابية حنبلية سنية. فهو إما أن يعارض لكن بعد أن يخلع صفة الإسلامية عن سياسته و مواقفه (حتى نصدقه) وإما أن يتمسك بصفته الإسلامية ويصمت ولا يشارك في الفتنة لعن الله من أيقظها (حتىنحترمه).

في دولتنا الحالية والتي أنشأها محمد علي كدولة حديثة، يلزمك كي تتهم غيرك بالفساد أن تحصل على حكم قضائي يدين الفاسد أولا، وحديثه عن الفساد في الدولة الإسلامية يلزمه أولاً تقديم وثائقه والحصول على حكم قضائي بذلك، وإلا كان حسب الشريعة الإسلامية قاذفاً يستحق الجلد عارياً على ملأ من المسلمين. ثم عليه في المقابل أن يثبت هو نزاهة نفسه وجماعته كمدعين بالفساد على الحكومة، و تقديم سيرة واضحة تحترم القانون والأخلاق والقيم، وهو كجماعة لا يتصف بمثل هذه السيرة بالمرة، وصحيفة سوابقهم تمتلئ بألوان الجرائم أشكالاً وأنواعاً.

إذا تحدثنا لغة الإسلام فإن ما يراه من فساد اقتصادي في الدولة القائمة، رآه عثمان حقاً له كخليفة، و رآه العرب المصريون آنذاك فساداً فقتلوه، لأنه ليس في الإسلام قانون واضح يحمي المال العام، لذلك فجريمة الاختلاس من المال العام تقع تحت شبهة المشاركة فيه، فلا تصبح سرقة، كذلك فإن سرقة سيارة ليست سرقة لأنها حسب الشرع سائبة كالبغال والحمير والإبل و الماعز التي ترعى سائبة، أما سرقة الكاسيت الموجود بداخلها فهو جريمة سرقة تستحق القطع لأن الكاسيت كان في حرز مغلق. و لأن الإخوان لا يعترفون بأن ذلك زمان يختلف في قيمه و شرائعه عن زماننا، يسقطون في شراكهم اللفظية و الشرعية.

نحن بالطبع ضد الاستبداد و الفساد الاقتصادي والأخلاقي، لكن أسوأ الفساد هو الانتهازية بالدين ضد الوطنية مما يبذر بذور الشقاق والفتنة في المجتمع.

في جملة واحدة يقول أبو الفتوح نقيضين: ” هناك فساد أخلاقي ونحن ضد الخروج عن المبادئ الإسلامية”… لأن تعريفهم للفساد غير تعريفنا اليوم للفساد، فالمبادئ التي يقول إنها إسلامية ترى العبد الآبق كافراً حتى يرجع إلى مواليه (حديث صحيح قام عليه فقه بكامله)، ومبادئنا تراه مناضلاً عظيماً في سبيل الحرية يستحق أن تقام له التماثيل في الميادين. المبادئ التي يقول إنها إسلامية تبيح تجارة الرقيق وركوب الجواري والتمثيل بالأحياء قطعاً ورجماً، فتحت أي بند من مبادئ الأخلاق تقع هذه المبادئ الإسلامية ؟

أو ليس من حقنا كمسلمين ملتزمين أن نحصل على ملك اليمين، و هو شرع شرعه ربنا و بنى عليه مفكرونا فقهاً كاملاً ؟ لماذا لا تعيدون إلينا الجواري كما فرضتم الحجاب، تكافحون من أجل شيء ليس في شرعنا اسمه الدولة الإسلامية ولا تكافحون لتنفيذ شريعة الله في أرضه بعودة نظام العبودية. إنهم يرون نكاح ملك اليمين فضيلة ونراه نحن اليوم بمنطق عالمنا اغتصابا يُعاقب عليه بالإعدام. يرون تعدد الزوجات فضيلة و لا نراه كذلك، يرون السياحة والبنوك من فعل الشيطان الرجيم، و نرى نحن بنوكه الإسلامية تمثيلية هزلية رخيصة يشارك فيها البنك والمودع لخداع الذات، حيث يذهب كل المال إلى مساره الطبيعي الربوي في حركة الأموال العالمية.

أليس هذا تدليساً على الرب؟ ثم ألا يشير إلى أننا أصبحنا ذهانيين؟ نحن كليبراليين نرى سياحتنا وحدها كفيلة ببروز مصر إلى صدارة الأمم المحترمة إن أحسنا استخدامها كأكبر كنز أثري في العالم كله، وفق تقنيات العصر و أساليبه، و هم يرونها فسقاً و فجوراً ووثنية.

هم يرون أن قراءة الموظفين القرآن أثناء العمل فضيلة (وإلا ما فعلوها)، و نراها نحن تعطيلاً لمصالح العباد، فهذه هي الرذيلة المرذولة والنطاعة المكروهة نفسها.

إن الفساد يعني الخروج على قاعدة أخلاقية أو قانونية وضعية كما يفهمه العلم الإنساني، أو هو حسب الفهم الديني خروج على قاعدة شرعية دينية سماوية. فإذا قصد أبو الفتوح من الفساد جانبه الوضعي: كسياسات جمارك، وبنوك، وجنسية، وضريبة، ومحاكم إدارية، وجنائية، فإن جماعة الإخوان حسب هذه القوانين الوضعية هم أول الفساد، لأنهم جماعة غير شرعية فسدت بخروجها على القانون الوضعي بوجودها رغماً عنه، فسدت بإصدار صحف و نشرات دون تراخيص، فسدت بشركات توظيف الأموال ونهب أموال الفقراء، فسدت بغسيل الأموال بعد أن تم القبض مؤخراً على حوالي 135 شركة إخوانية تغسل الأموال القذرة الملوثة، فسدت بجمع الأموال لتمويل جماعات الإرهاب الدولية، فسدت باختراقها قواعد الاستثمار البنكي بما يدمر اقتصاد الوطن.

أما النوع الثاني من الفساد الذي يكون بالخروج على قاعدة دينية شرعية، فإن شر الفساد في هذا النوع ليس بالخروج على القاعدة فقط، بل ضربها بالحذاء علناً. فقد ساهم الإخوان بالصمت والسكوت على تعطيل شرع الله فصمتوا على تحريم العقوبات البدنية، والرق، والسبي، ويعدوننا أنهم سيقطعون أيدينا إن شاء الله بالشريعة عندما يحكمون.

ألا يوجد بين الإخوان سارق واحد أو زاني واحد الآن لتطبقوا عليه شريعة الله، التي تزعمون أنكم حراسها.. حتى يصدقكم المسلمون؟ أم تنتظرون الوصول إلى حكمنا لتكونوا أنتم الحاكمين القاطعين . . . . و نحن المقطوعين ؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق