حواسّ مهمّشة

  إن تحوّل الإنسان من ابنٍ للطبيعة إلى سيّدٍ عليها هو تحوّل قاده العقل، كما أنّ تحوُّل تصوّرات العقل من تصوّرات تنفعل بالطبيعة إلى تصوّرات فاعلة فيها، خلق طبيعة أخرى ذات اتجاهين أحدهما مُقلِّص  للذات البشرية والموضوعات الطبيعية على حدّ سواء، والآخر مُمدِّد لها.

   بشكل اصطفائيّ مبنيّ على الحاجة أوّلاً، وبفعل حضاريّ وثقافيّ ثانياً، تقلّصت حواسّ الإنسان لتبرز من بينها حاسّة البصر وتتمدّد، ما جعل  النظر مركزيّا وباقي الحواسّ مجرّد أطراف، النظر أساسيّ وباقي الحواسّ هوامش مهمّشة، وعلى هذه القاعدة بنى الإنسان منظومات شاملة من القيم والأخلاق والمفاهيم التي تعلي من شأن النظر والمنظور والمرئيّ وصولاً إلى "حضارة الفرجة"، وتقلّل من شأن باقي الحواسّ وتُهمّشها، وصولاً إلى إخراجها من "جمهورية المشهد" الحضاريّ، كما أخرج أفلاطون الشعراء من جمهوريته، مكلّلين بالزهور.

     عبر اللغة نتبادل وجهات النظر والرأي لنعبّر عن زوايا الرؤية التي نراها في الموضوعات المعيّنة والعيانيّة، لنُعاين مدى صحة نظريّاتنا أو خطأها، ونستخدم بصيرتنا لنُبصر ما هو غير مرئيّ خلف الواقع المنظور، ونستشهد بما شُوهِد من غيرنا بشواهد نظرية تمّ اختبارها بالتجربة والبرهان النظريّ.

     هذا التركيز اللُغوي على النظر (واللغة هي أداة الفكر)، أدّى إلى أن يكون العقل ملتصقاً بالنظر، وإلى أن يصبح البصر هو الحاسّة الأوثق للعقل البشريّ، في مقابل تهميش الحواس الأخرى وضعف الثقة العقلية ثم النفسية والإجتماعية بها، وبات النظر هو الكلّ وباقي الحواسّ ليست سوى أجزاء لهذا الكلّ تستمدّ منه يقينها وصوابها.

     علّمنا فرويد في كشفه التحليليّ لللاوعي واللاشعور البشريّ، أنّ ما يُقمع في الطبيعة البشرية لايختفي ولا يموت، بل يعود إلينا حاضراً بأقنعة وأشكال مُنوَّعة، إنه يلعب في الكواليس وخلف المشهد، وغالباً ما يحكم اللعبة بقوانينه غير المنظورة بل وغير الواعية.

     إذا استخدمنا هذا المنهج التحليلي لنرى (وأنا لا أقول لنشمّ أو نسمع مثلاً)، مدى الإمكانيات البشرية المُفوَّتة نتيجة لسيطرة النظر وصعوده للواجهة مقابل تهميش باقي الحواس واستبعادها للخلف نحو ما سأسمّيه "اللاوعي الحسّي"، هذا من جهة أولى، ولنرى من جهة ثانية مدى ما يفعله هذا اللاوعي الحسّي وما يتركه من تأثير في حضارة العين، لقلنا أوّلاً إنّ ما يَفوتنا كقاعدة يُبرزه كاستثناء بعض مرضى الحضارة وعباقرتها من أمثال موتزارت وبيتهوفن (خيال سمعيّ مبدع)، أو مايكل أنجلو (خيال لمسيّ مبدع) وجان باتيست غرونوي (وخياله الشمّي المبدع) وهذا الأخير أخرجه لنا باتريك زوسكيد(1) من غبار التاريخ في روايته "العِطر" perfume (ونحن سنأخذه هنا بغضّ النظر إن كان وجوده حقيقيّا أم افتراضيا). ولقُلنا ثانياً إنّ تأثير الأصوات والروائح والمذاقات واللّمسات في علاقات البشر فيما بينهم، وعلاقتهم بالوجود، هي أبعد ممّا هو ظاهر ومُعلن. فشكلٌ جميلٌ يفقد معظم امتيازاته إذا اقترن برائحة كريهة أو صوتٍ مزعجٍ، تماماً مثلما يفقدها عند اقترانه بالحماقة أو الغباء، وغالباً ما يكون العكس صحيحا، فصوتٌ شجيٌّ أو رائحة عطِرَة مثلها كمثل الذكاء اللمّاح قد تُغيّر لعبة القبول والرفض، التواصل والتفاصل.

     لنقل بطريقة فيزيائية إنّ حواسّنا هي أبعادنا الوجوديّة، وعندما نتواصل بصريّاً ونحدد خياراتنا وتفضيلاتنا بل وعواطفنا تبعاً للشكل والمنظر والهيئة، فنحن نعيش في بعد واحد، وحضارة العين هي حضارة البعد الواحد، ومع أن باقي الأبعاد موجودة وحاضرة فينا إلا أنّ عقولنا المُشكّلة اجتماعياً اعتادت عدم رؤيتها وعدم الثقة بأهميتها وأهمية حضورها، وباتت ثانوية وهامشية قياساً إلى الأساس البصري.

     لنطرح بعض الأسئلة "الشميّة" التي استوحيناها واستخلصناها من رواية زوسكيد "العطر" لما تُبرزه من مجاهيل حاسّة الشمّ، التي هي أقدم الحواس البشرية حسب علم البيولوجيا، وما تطرحه من أسئلة على عقولنا "البصرية".

   أوّلاً : ما الذي يفقده الإنسان إذا ما فقد حاسّة الشمّ؟ يجيب زوسكيد عن هذا السؤال عبر شخصية المدام غايار آخر مُرضعات غرونوي بطل الرواية "فعندما كانت طفلة تلقّت من أبيها ضربة بقضيب المدفأة فوق جذر أنفها بقليل أدّت إلى فقدانها حاسّة الشمّ.. ومعه بالتالي.. كلّ شعور بالدفء أو البرود الإنسانيّ، بل أيّة عاطفة مهما كانت…أصبح الحنان بالنسبة لها غريباً كالبغض، والفرح كاليأس، وفيما بعد، عندما ضاجعت رجلاً لم تشعر بأيّ شيء، وكذلك أيضاً عندما أنجبت أطفالها، فلم تحزن على من مات منهم، ولم تفرح لبقاء من بقي لها منهم" ص26، أمّا غرونوي الذي، وبعكس المدام غايار، كان هو نفسه بلا رائحة مميّزة، لم تستطع أيٌّ من مرضعاته تقبّله أو العطف عليه بل كُنَّ يَكرهنه ويَخفن منه وكأنّه الشيطان ذاته، بل إنّه عبر حياته كلّها لم يستطع أيّ إنسان كان، أن يحبّه أو يقترب منه إلا عندما حصل على العطر، سُلطة الروح المخفيّة، عبر قتل أجمل العذراوات (بمعنى أطيبهنّ رائحة، فهو لم يكن حتى لينظر في وجوههنّ، وهذا ما أُغفل عندما تحوّلت الرواية إلى فيلم، فالمخرج كان يعرف أنّ التأثير البصريّ هو الأهمّ حتى في فيلم يتناول عطر الجسد لا شكله)، استخلص غرونوي الرائحة من أجساد الفتيات ليمتلك هو نفسه عطراً ورائحة وبذلك امتلك قوة التاثير المطلقة، سلطة الرائحة التي لا تقاوم.

   ثانياً: ماذا لو اقترن عقلنا البشري بالشمّ بدل الرؤية؟ كيف ستكون مفاهيمنا الشمّية للعالم وبالتالي بأي اتجاه ستتطور مفاهيم اللغة؟ فغرونوي مثلاً الذي ارتبط بالعالم شمّياً تعلّم الكلام باللغة المتداولة ولكنه "بقي يعاني الكثير من الكلمات التي تدلّ على مادّة لا رائحة لها، أو على المفاهيم المجردة، وخاصة ما ينتمي منها إلى حقل الفلسفة والأخلاق، فما كان في وسعه حفظها [..] فكلمات كالقانون، الضمير، الربّ، السعادة، المسؤولية، التواضع، الامتنان [..] كانت وما زالت بالنسبة إليه مبهمة. ومن جهة أخرى لم تعد اللغة المتداولة كافية للتعبير عن كلّ تلك الأشياء التي جمعها في ذاته كمفاهيم روائحية. فهو لم يعد يشمّ الخشب فحسب بل أنواع الخشب، كالإسفندان والبلوط والصنوبر والدردار والدرّاق، كما بدأ يُميّز بأنفه بين الخشب العتيق والخشب الطازج والهش والمتعفّن والطحلب، بل حتى بين أنواع الحطب وكسراته وفتاته، كان يشمّها بوضوح كموادّ مختلفة عن بعضها، في حين لم يكن بمقدور الآخرين التمييز فيما بينها، ولا حتى بعيونهم، وهكذا جرت الأمور معه بالنسبة لأشياء أخرى، فهذا الشراب الأبيض الذي كانت مدام غايار تقدّمه للأطفال كلّ صباح، والذي اصطلح على تسميته حليباً، كان حسب احساس غرونوي به يختلف طعمه من صباح إلى آخر وفق درجة حرارته أو حسب البقرة التي حُلب منها، بل حتى حسب الحشائش التي التهمتها، أو حسب درجة الدسم المتبقّي في الحليب المقدّم للأطفال[..] وهكذا كان الأمر بالنسبة لتراب الأرض الممتدّة تحت الهواء، والتي كانت روائحها تتبدّل بين الخطوة والأخرى وبين الشهيق والشهيق بحيث تتبدل هويتها كلياً، والتي رغم هذا كله لم يتوفّر للدلالة عليها سوى هاتين الكلمتين الجافتين "تراب الأرض". إن هذا الإضطراب الغريب العجيب في العلاقة بين العالم الذي يَعجُّ بالروائح وبين فقر اللغة جعل الصبيّ غرونوي يشكّ بمعنى اللغة’ فلم يستسهل على نفسه استخدامها إلا عندما كان يضطرّ للتواصل مع الناس الآخرين." ص33-34

   ثالثاً: هل ستكون البصيرة بالنسبة لنا هي كشف المخبوء والمجهول شمّياً؟ وهل كنّا سنرى بعين أنفنا مثلما كان غرونوي يفعل في حلكة الليل وظلمته؟ "فقد كان خوف الأطفال من الظلمة شعوراً غريباً عنه ولهذا كان بوسع المدام غايار، وفي أيّ وقت كان، أن ترسله إلى القبو، إلى حيث لا يجرؤ بقية الأطفال على الدخول ولو كانوا مزوّدين بمصدر للنور، أو إلى المستودع الخارجي في الليل المدلهمّ كي يجلب شيئاً من الحطب. لم يكن يأخذ معه شمعة أو فانوساً، ومع ذلك كان يجد طريقه ..ودون أن يتعثر أو يصطدم بأي شيء. إلا أنّ الأغرب من ذلك ..هو قدرته على الرؤية عبر الورق والقماش والخشب، بل حتى عبر الجدران والأبواب المغلقة. فقد كان يعرف عدد  الأطفال الموجودين في الغرفة وأسماءهم، دون أن يدخلها. كما كان يرى الدودة في القرنبيط قبل ان تفلقها السكين…وعندما أضاعت مدام غايار نقودها ..أشار دون أن يفتّش لحظة واحدة إلى مكان ما خلف دعامة المدفأة…حتى أنه كان يقرأ المستقبل بأن ينبئ عن زيارة ضيف قبل وصوله أو عن اقتراب عاصفة قبل وقوعها، بل حتى قبل أن تظهر سحابة واحدة صغيرة في السماء..لكن ..غرونوي بطبيعة الأمر لم ير ما رأى بعينيه، وإنما بحاسة الشمّ في أنفه التي أضحت مع الزمن أكثر دقة وحدة."ص35-36

    رابعاً: هل كنا سنعرف الخائف والعاشق والحاقد والشهوانيّ والظالم والمظلوم من رائحته بدل منظره الخارجيّ؟ هذا هو حال غرونوي فمع "النظرة الأولى التي ألقاها غرونوي على السيد غريمال- الدباغ القذر الذي ابتاعه من مدام غايار- لا’ بل مع أو شهيق عبه من الهالة المحيطة به. عرف أنّ هذا الرجل قادر على ضربه حتى الموت لأبسط عصيان قد يبدر منه" ص40

 وأخيراً نسأل هل كان كانط (لو امتلك منطقاً شمّيّاً) سيخرج لنا بنتيجته القائلة بأن الإنسان لن يعرف سوى الفينومن phenomena وعالم الظواهر، في حين أن النومن      noumena أو الشيء في ذاته سيبقى عصياً على المعرفة؟، وهل كانت الفينومينولوجيا ستأخذ كلّ هذا المدّ الفلسفيّ المعاصر؟.

ننتهي من هذه الأسئلة إلى القول بأنه إذا كانت لعبة الوعي واللاوعي الفرويدية قد غَيّرت، وهذا ما فعلته، منظورنا للإنسان، أو قلبت مفهومنا عن الأخلاق بردّها من أعالي السماوات المقدّسة إلى عمق أرض الغرائز البشرية، فإنّ لعبة الهامشي والأساسي على مستوى الحواس قد تُغيّر امتلاكنا الحسّي والجمالي للعالم، وتُبدّل في إدراكنا لذواتنا والآخرين، وتجعلنا نُعيد النظر بمفاهيمنا وأحكامنا على الأشياء والأشخاص، ربّما لنستكشف مدى الغنى التواصلي الذي يحمله الجسد بحواسه المتعدّدة التي اختزلها البصر وهمَّشها العقل فأضاعتها الخبرة وأقصاها السلوك.

هامش:

1- باتريك زوسكيد: العطر- قصة قاتل، ترجمة’ د.نبيل الحفار، دار المدى للطباعة والنشر، ط4، 2007

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق