حول أهمية مراجعات الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر / عمرو حمزاوي

حول أهمية مراجعات الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر / عمرو حمزاوي

هذا اعتراف متأخر بأهمية مراجعات الجماعة الإسلامية وبعض الفاعلين في جماعة الجهاد وبكونها لم تتوقف عند نبذ استخدام العنف ونزع الشرعية عنه، بل طوّرت، ولو بطرق مختلفة، عدداً من الأفكار والآراء الجديدة التي تتمحور حول النشاط الجهادي اللاعنفي. فقد أمضيت الأيام الماضية في قراءة مفصلة لمراجعات الجماعة الإسلامية ولوثيقة ترشيد الجهاد لسيد إمام الشريف (وستصدر ورقة بحثية من مؤسسة كارنيغي حول المراجعات قريباً)، ويعنيني قبل الخوض في تحليل مفصَّل لبعض أفكار وآراء المراجعات صوغ ملاحظات ثلاث لفهم المراجعات.

 

الملاحظة الأولى: على الرغم من أنّ الكثير من أصوات نهج المراجعة البارزة في الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد كانوا أو ما زالوا في السجون المصرية، إلا أن ذلك لا يُقلِّل من صدقيّة نبذهم العنف أو دحضهم التطرّف كوسيلة لتغيير المجتمع والسياسة. صحيح أن العديد من هؤلاء القادة من دعاة نهج المراجعة دخلوا في حوار مع قوى الأمن، وتبادل بعضهم الأفكار مع علماء الدين والمثقفين المقرَّبين من النظام المصري، إلا أنّ أفكارهم وآراءهم الجديدة تطوّرت بشكل حقيقي ولا ينبغي أن تُختزَل بتفسيرات مغالية في التبسيط أو بالنزعة التآمرية.

 

الملاحظة الثانية: على الرغم من أنّ الجهاديين تحدّوا تاريخياً هيمنة جماعة الإخوان المسلمين داخل الطيف الإسلامي، وأدانوا إيديولوجيتها الإصلاحية والتدرجية، إلا أنه من الواضح أن المراجعات الجهادية استُلهِمَت دينياً وسياسياً من جماعة الإخوان. فالعديد من أفكار الجهاديين وآرائهم المُنقَّحة حول المجتمع والسياسة والدولة، والعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين مُستَوحاة بشكل ملحوظ من إيديولوجية جماعة الإخوان وخطابها المعاصرَين.

 

الملاحظة الثالثة: على الرغم من أنّ الجماعة الإسلامية والشرائح المؤيِّدة للمُراجعة من جماعة الجهاد أكّدت التزامها باللاعنف، إلا أن التزامها بالمشاركة السلمية في المجتمع والسياسة المصرية لم يتمّ التحقّق من صحّته بعد. فالعنصر الأكثر فاعليةً من المراجعة الجهادية ظلّ بلاغياً، إذ تمّ التعبير عنه في التصريحات ولم يتحوّل إلى أفعال. وثمة عوامل عدة تساعد على تفسير النقص الحالي في النشاط الجهادي اللاعنفي. فعلى الرغم من أن نظام الحكم في مصر قد رحّب بنبذ العنف – وشجّعه – إلا أنه ظلّ متردِّداً في السماح للجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد أو في التسهيل لهما لدخول حيّز النشاط اللاعنفي الديني والاجتماعي والسياسي. لا بل هو، في الواقع، عامَلَ نهجَ المُراجعة بروحية أمنية، مركِّزاً بشكل حصري تقريباً على ضمان ألا تلجأ الجماعتان إلى العنف مرةً أخرى، ومتجاهلاً الحاجة إلى دمج قادتهما وناشطيهما اجتماعياً وسياسياً. علاوة على ذلك، تمّ إضعاف القوة التنظيمية وجمهور أنصار الجماعتين أثناء مواجهاتهما العنيفة مع الدولة، ولم يتمكّن أيّ منهما من استعادة مصادر القوة هذه.

 

بدأت المراجعات الجهادية أساساً بصفتها اعترافاً بأن العنف والتطرّف فشلا في تغيير المجتمع والسياسة المصريين. وأصدرت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وثائق تُنقِّح بشكل ملحوظ الأسسَ الإيديولوجية والدينية التي تشبّثتا بها سابقاً كأساس لتبرير استخدام العنف. فقد تمّ تلطيف مفاهيم التكفير (اتّهام المسلمين الآخرين بالكفر)، والحسبة (واجب المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر)، وحتى الجهاد نفسه، وأُعيدَ تعريفُها وفقاً لاتجاهات لاعنفية. تطرح الجماعتان تحليلاً عقلانياً في وثائقهما يزن الفوائد والنتائج المترتِّبة على الأنشطة الجهادية بالنسبة إلى الأفراد والمجتمعات. في أساس هذا التحليل للمضار والمنافع ثمة مفهومان اثنان: استعداد جهادي مُتأّخِّر للتمييز مابين المقاصد الأساسية والثانوية للأمة الإسلامية والأفراد المسلمين، وواجب الجهاديين الناجم عن ذلك في إعطاء الأولوية إلى الأوّل على التالي. وعلى غرار التفسيرات الدينية التقليدية، تحدّد وثائق المُراجعة الجهادية حماية دين كل مسلم وروحه وعقله واسرته ورخاءه باعتبارها مقاصد جوهرية. أما المقاصد الثانوية، فتشمل المحافظة على مستويات عالية من الأخلاق الدينية، وتطبيق الشريعة في جميع مشارب الحياة، وأسلمة السياسات العامة والقرارات الرسمية. ولذلك، فإن أصوات المراجعة الجهادية أوضحت أن محاولات الحفاظ على مستويات عالية من الأخلاق الدينية ينبغي ألا تتمّ على حساب أرواح المسلمين، وأن المواجهات مع الأنظمة الحاكمة التي لا تُطبِّق الشريعة لا ينبغي أن تأتي على حساب المصلحة الأساسية لحماية سلام الأمة وازدهارها.

 

يتجلّى تحليل الأكلاف والمنافع الجهادي بوضوح في إعادة تحديد قادة المُراجعة لمعايير القيام بالجهاد. ففي وثائق المُراجعة الخاصة بها، تعترف الجماعة الإسلامية بأنها سلكت طريق الجهاد العنيف لسنوات كغايةٍ وليس كوسيلة، وفشلت في أن تأخذ في الاعتبار الحصيلة المُدمِّرة التي كان يفرضها هدفها المستقيم ظاهرياً على المجتمع المصري. ويقوم فهم الجماعة الإسلامية المُنقَّح للجهاد على مبدأ أن سفك الدماء باسم الإسلام محظورٌ ما لَمْ يكن الجهاد العنيف مساعدِاً على حماية وتعزيز الإسلام والأمة بما لا يدع مجالاً للشك، وبأقلّ كلفة ممكنة.

 

ويحدّد سيد إمام الشريف، من جماعة الجهاد، في وثيقة المُراجعة الخاصة به، شروطاً مُسبَقةً محدّدةً، فرديةً وجماعيةً، لخوض الجهاد العنيف، إلى درجة أنه يحرّمه عملياً. ويؤكّد الشريف أن الأفراد المسلمين ممنوعون من اللجوء إلى الجهاد العنيف إذا ما فعلوا ذلك ضدّ رغبة آبائهم، وإذا كانوا مدينين لشخص ما، أو إذا كانت الأنشطة ذات الصلة تشكّل خطراً على حياة الجهادي أو أسرته. وعلى الصعيد الجماعي، يدمج الشريف مفهوم القدرة في شروطه المُسبَقة المُنقّحة للجوء إلى الجهاد العنيف: إذا لم يكن الجهاديون يمتلكون قوةً مماثلةً لقوة أعدائهم (سواء أكانوا حكاماً في بلاد المسلمين لا يحكمون طبقاً لتعاليم الإسلام، أو كانوا قوى أجنبية تحتلّ بلداناً إسلامية)، فهم ممنوعون من القيام بذلك. علاوة على ذلك، يصبح الجهاد غير شرعي إذا لم يكن المسلمون يمتلكون الوسائل المادية الكافية – المالية أو غيرها – للقيام به على نحو ناجح، أو إذا ما تَمَّ تنفيذ الجهاد عبر مخالفات، كقتل المدنيين الأبرياء أو السرقة.

 

وبإتّباعها مسار الاعتدال نفسه، تفرض المُراجعة الجهادية قيوداً على ممارسة التكفير والحسبة. ومعروف أنه، قبل نبذ العنف، برّرت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد عدداً لا يُحصى من أعمال العنف ضدّ المسلمين وغير المسلمين من المدنيين في مصر، من طريق الحكم على أولئك الأشخاص بأنهم كفّار، وفقاً لفهم متطرّف لما يشكّل جوهر الإسلام الحقيقي. وفي وثائق المُراجعة، ممارسة التكفير هذه محظورة بصفتها نوعاً من الشرّ الذي ينفي العدالة، ويؤدّي إلى الفتنة داخل المجتمع الإسلامي، ويُعطِّل السلم الاجتماعي مابين المسلمين وغير المسلمين من المدنيين (أهل الكتاب، أي المسيحيين واليهود في المقام الأول)، وبالتالي يغلق الباب أمام أيّ حل توفيقي بنّاء مابين مختلف فئات المجتمع. وعبر التراجع عن ممارسة التكفير بالنسبة إلى بني جلدته المسلمين، يجدّد نهج المُراجعة الجهادي النصّ على أن إيمان الشخص مسألةٌ خاصةٌ لا يعرفها إلا الله، ولا يمكِن أن يقرّرها السلوكُ الخارجي ولا يمتلك الأفراد المسلمون سلطةً دينيةً للحكم على الآخرين بصفتهم كفّاراً. فالاتّهام الخطير بالتكفير يوجّهه فقط علماء دين مؤهَّلين، في الظروف القصوى ووفقاً للقوانين الملزِمة لمجتمع بعينه. وحتى قبل النظر في معاقبة أولئك الذين حُكِم عليهم بأنهم كفّار، فإنهم يجب أن يُعطوا الفرصة الكافية كي يفهموا تعاليم الإسلام ويعودوا إلى حظيرة الإيمان. وتصل هذه القيود إلى حدّ كونها حظراً فعلياً لتكفير المسلمين.

 

في الوقت نفسه، أُعيد تعريف مفهوم الحسبة أيضاً في المُراجعات الجهادية لتبرير التخلّي عن العنف والشروع في عملية التحوّل نحو الاعتدال داخل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد. فالجهاديون أساءوا لفترة طويلة استخدامَ الحسبة التي تُفسَّر في التعاليم الإسلامية التقليدية على أنها وسيلة لحماية المجتمعات المسلِمة من الداخل. لقد حاولت الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد الاضطلاع بدور شرطة الآداب في مصر، واعتُبِرَتا أنهما مؤهَّلَتان لتحديد أفعال الشرّ وتصحيحها في إطار نظام العدالة الخاص بهما. وفي عقدي الثمانينات والتسعينات، مارست الجماعتان مفهوم الحسبة وفقاً لفهمهما المطلَق لمبدأي الصواب والخطأ، وحاولتا أن تعاقبا بعنف أولئك الذين اعتبَرَتا أنهم يَعْتدون على الإسلام. وشملت أعمال العنف التي ارتكبتها الجماعتان هجمات على النساء السافرات، واعتداءات على الفنّانين والأماكن الفنية، وتحطيم أجهزة التلفزيون، وتدمير محلات بيع أشرطة الفيديو أو تأجيرها، وتخريب أماكن الدعارة أو تعاطي المشروبات الكحولية وتدميرها، وإنزال العقاب البدني بالذين يشربون الكحول، ويصلّون بطريقة غير مقبولة بالنسبة إلى الجهاديين، أو ينتهكون مدوّنتهما الأخلاقية الصارمة.

 

في وثائق المُراجعة، يُصحِّح الجهاديون ما أصبح سوء تفسير فظيع للحسبة مسؤول عن العنف والتوتّرات الاجتماعية في مصر. وتعيد وثائق المُراجعة، أولاً وقبل كل شيء، تعريفَ الحسبة وفقاً إلى اتّجاهات لاعنفية: واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر يعني تصحيح الأخطاء بالوسائل السلمية مثل الدعوة، وتقديم المشورة والنصيحة – وفي حالات نادرة – تذكير المسلمين بعقاب الله. وعلى غرار التكفير، يجب أن تفوَّض ممارسة الحسبة إلى السلطات المختَصّة، وهي، في هذه الحالة، الدولة المصرية. وكما الحال مع المفهوم المنقَّح للجهاد، يجب أن تسبق شروطٌ محدَّدةٌ وتحليلٌ للمنافع والأكلاف اتّخاذَ قرار من قبل أحد المسلمين باللجوء إلى الحسبة: إذ يجب أن يكون الفرد قادراً بلا شك على التمسّك بالتعاليم الإسلامية من دون إلحاق الأذى بنفسه أو عائلته، ومن دون المخاطرة بحدوث طفرة في الخوف والإثارة، أو المزيد من العنف داخل المجتمع الإسلامي.

 

إن إعادة تعريف مفاهيم الجهاد والتكفير والحسبة نظراً إلى الاقتناع بضرورة إيجاد سبل لتجاوز استخدام العنف، سمحت للجماعة الإسلامية، وإلى حدّ أقلّ لشرائح تؤمِن بالمُراجعة من جماعة الجهاد، بالبدء بإصلاح علاقاتهم المجتمعية. وبالتالي وصلت المواجهة مع التيار الرئيس في المجتمع، والذي كانت الجماعتان تعتبرانه في السابق كافراً، إلى نهايتها مع التخلّي عن التكفير والنهج اللاعنفي تجاه الحسبة. كما أن وجهات النظر الخاصة بنهج المُراجعة في شأن معاملة غير المسلمين في مصر، غيّرت أيضاً الديناميكيات الاجتماعية بالنسبة إلى الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد. وقد أعربت الجماعة الإسلامية مرّات عدة، على مدى السنوات القليلة الماضية، عن احترامها لحياة المسيحيين واليهود ومصالحهم الأساسية، وعن عزمها على عدم إلحاق الأذى بهم طالما أنهم اختاروا على نحو متبادَل العيش في سلام مع المسلمين.

 

وفي وثائق المُراجعة الخاصة بالجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد، ثمة عدد من المقاطع التي تشرح بالتفصيل وجوب ضمان سلامة المسيحيين واليهود، على الرغم من أن مصطلح أهل الذمّة، الذي ينصّ على حقوقهم وواجباتهم في البلدان الإسلامية، لا ينطبق إلا على الدول التي تحكمها الشريعة. وقد تمثّل التأثير النهائي لذلك في التخفيف، وإن قليلاً، من التوتّر الذي أحدثه الجهاديون في النسيج الاجتماعي في مصر، من خلال العنف المُوجَّه ضدّ المسلمين وغير المسلمين، وتدشين سير الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد على الدرب الطويل نحو المصالحة مع المجتمع.

 

 

عن جريدة النهار 21/4/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق