حول مثقفي اللحظة الأخيرة: في الطريق إلى أوطان لم يرها أحد / فاروق يوسف

بالنسبة الى الشخص المنفي، فإن مفهوم الوطن يأخذ مع الوقت معاني ملتبسة، أقساها أن يكون الوطن هو المكان الآخر. المكان الذي نذهب إليه سياحةً أو إشباعاً لبعض الحنين. لكن الحياة العربية صارت ومنذ عقود تنتج معاني جديدة للمكان الآخر. صار الوطن واحداً منها.
“نلتقي في مكان أفضل”، قال لي السائق المغربي وهو يودّعني بعدما أقلني من تطوان إلى باب فندق المنزه في طنجة.

مفاتيح الجنة
“أين يقع ذلك المكان مثلا؟”، سألته. “في الجنّة يا رجل”، أجاب بثقة كما لو أننا كنا نتفق على اللقاء غداً، في مكان لا نحتاج إلى مزيد من الإيضاح لكي نهتدي إليه. ما من مكان آخر سواه. حينذاك شعرتُ بالذعر. تذكرتُ أنني طلبت منه أن يخفض السرعة غير مرة. ربما كان يودّ أن ينقلنا نحن الإثنين بسيارته إلى ذلك المكان الذي ما من مكان آخر سواه. يومذاك تذكرتُ أن هناك من يودّ تناول طعام العشاء مع النبي. نحتاج إلى كثير من الخيال لكي نرى تلك المائدة مفتوحة لكل الضيوف القادمين من جهات غير معلومة. مَن يسبق مَن؟ القاتل أم القتيل؟ البريء أم الآثم؟
في الحرب العراقية – الايرانية التي استمرت ثماني سنوات وقتل فيها حوالى مليونين من كلا الطرفين، كان هناك من الايرانيين ألوف من الصبيان الذين يدوسون على الألغام من غير تردد، لا لشيء إلا لأنهم كانوا على يقين من أنهم سيرتفعون مثل بالونات إلى الجنة. كانت أياديهم تهذي بكلام غامض وهي تلمس المفاتيح التي علقت برقابهم. “صُنع في الصين”، لم يقرأ أحد يومذاك تلك الجملة الصغيرة التي حُفرت على كل مفتاح من تلك المفاتيح. لم تكن مادة تلك المفاتيح لتهمّ أحداً من حملتها. سيكون علينا دائماً أن نتخيل حواسّ أزيحت من مناطق حيويتها لتكتسب وظائف ماورائية أكثر تعقيداً. كانت هناك حبال غسيل تمتد على طول جبهات القتال. سنرى بدل السراويل والقمصان والثياب الداخلية عيوناً يمر بها البرّاق، وشفاهاً تتذوق ماء الكوثر، وأيدياً تلمس أجساد الحوريات، وأنوفاً تشمّ عطر الزنجبيل، وآذانا لا تسمع لغواً. مَن خلق كل هذا الصمت الذي لا يشقّه دويّ الانفجار الذي يسبق الموت؟ “سنكون هناك إذاً”، يقول المرء وهو يفرّ من أبيه وصاحبته المتخيلة وبنيه المرجئين. ما من شك في أن الجملة التي قالها لي السائق المغربي كانت تتردد كثيراً في تلك الأجواء العاصفة.

من موسكو إلى تيرانا
“اذا أمطرت السماء في موسكو فتح أهل الناصرية (جنوب العراق) مظلاتهم”، يقول المثل في دلالة على سعة المد الشيوعي في تلك المدينة التي شهدت ولادة أول محاولة للكتابة في تاريخ البشرية. كانت موسكو هي المكان المتخيل الوحيد. حوريات الاشتراكية بلغن النضج هناك، بتأثير مباشر من الحتمية التاريخية. ولم تكن الناصرية إلا مكاناً موقتاً، الدنيا التي لا تصلح سوى للهو واللعب غير المجدي. أما الحقيقة فقد كانت هناك. يغمرها الثلج ببياض العائلة المقدسة حيث النقاء المطلق. تفتح نافذة غرفتك في القسم الداخلي التابع لجامعة لومومبا لترى الأطفال يلعبون باطمئنان ومرح. إنهم أبناء مشاعون مثلما فكرة العيش المشترك، حيث لا خطأ يقع ولا فريضة تُنسى. في الغرف المطلة على حدائق حسن الصباح كانت الحواس تتلمس طريقها إلى المكان الذي دُفن فيه السر العظيم. وإذا لم تكن هناك موسكو، حين تلبدت الغيوم حول مغرب الستالينية، فقد كانت تيرانا هي البديل. اليوم لا أحد في إمكانه أن يصدّق ذلك. فتيرانا كانت دائماً ولا تزال عاصمة لبلد فقبر اسمه ألبانيا. بلد لا يُرى على الخريطة إلا بصعوبة. خرج من الحقبة العثمانية مسلماً، وانتهى شيوعياً بعكّاز ماويّ. قلت لصديقي: “ولكن لِمَ لا نلتفت إلى بيجينغ وهي عاصمة ماو ونموذجه الثوري؟ يضع الله قدرته في أضعف خلقه”. كانت تلك الجملة قاطعة. لو لم أهرب من ذلك الحديث لكنتُ إلى يومنا هذا أنظر إلى سامراء في انتظار ظهور المهدي. لم يكن أنور خوجه الذي حكم مليونين من الالبان الفقراء باعتباره نوعاً من الإله، إلا نائباً للمهدي الغائب الذي أخذ بحسب أندي وارهول صورة ماو في عصرنا الزائل.  

السجون وهي مطاعم شعبية
يوم كان المثقفون العرب قبائل ضالة حدث أن استفردت الأحزاب بميزان القوى كله. داخل السلطة وخارجها كان الهامش يضيق. البقاء للأقوى. فهل يمكننا أن نتخيل مصادر القوة لثقافة مجتمع عاش في قعر البئر العثمانية خمسة قرون؟ لقد توزع المثقفون بين تيارين عصيين على التصنيف الميسر: مثقفو التلاوات الجاهزة ومثقفو الشمّة الأخيرة. الجناح الأول كان مقيّدا بالتربية المدرسة فيما ظل الجناح الثاني سائباً تميل به الرياح يميناً ويساراً. ولم يكن الاتقان حاضراً مثل بداهة. ففي الوقت الذي سار فيه حزبيو اليسار واليمين الرسميين (شيوعيون، إخوان، بعثيون) معصوبي الأعين في اتجاه حتمية لا تُمسّ، كان الأشقياء والمعذّبون بسهاد حرفتهم العاطفية يتعثرون بخطوط وهمية رُسمت بأحمر الشفاه على طرق ريفية بحثاً عن مكان متخيل.
طائر بجناحين عاطلين، كانت الثقافة النخبوية وكان الشعب غائباً.
يومذاك لم يكن هناك خليج. لا مشيخات ولا إمارات ولا دول. لم تكن هناك أموال فائضة لتُهدر على كلام يُشترى ويُباع. ليبيا الملكية كانت مهذبة لا تنبس بكلمة. كان السنوسيون لا تكاد تسمع لهم خطوة خارج البيت. أما العراق وسوريا فقد حظيا بنعمة الانقلابات، حيث كان الإنصات إلى الإذاعة يحمل بين طيّاته خريطة طريق ناقصة. وحدها كانت مصر محوراً، يدور في فلكه المحبّون والكارهون. الرجعية العربية (حسب عبد الناصر) كانت قد محت المسافة بين جدة والبيت العتيق. ألا يوحي وجه فيصل جانبياً بوجه صقر غاضب؟ بالنسبة الى المثقفين كانت الوجودية حلاًّ مناسباً لشعور الفرد بغربتيه الداخلية والخارجية على السواء. كانت دروب الحرية سالكة. لكن إلى أين؟
إلى الأزقة الخلفية أو إلى السجون. إلى المقاهي والبارات أو إلى مسيرة عيد العمّال. ولم تكن السجون يومذاك إلا مطاعم مجانية. كانت الأنظمة الضعيفة (مظهرياً) أكثر آدمية من أن تقترف تعذيب شعب، لم يكن هو الآخر قوياً على كل حال. لست هنا في طور التجميل، غير أن الأمور غالبا ما يُقاس، بعضها بالبعض الآخر، ما يُذكّر به أو ما يشبهه. ما حدث بعد ذلك كان الأسوأ دائماً. حين فُتحت أبواب المنافي كان الازدهار الاقتصادي في ذروته. مفارقة أخرى من مفارقات حياتنا الثقافية الغاصة بالأسى. ولم تكن المنافي تلك حلاًّ عصرياً. بقي المثقف سجين رحلته الأولى: المكان الآخر الذي تخيله باعتباره المكان الوحيد.  

في البركة اللبنانية
لم يذهب أحد إلى تيرانا (في حرب البوسنة فوجئ الكثيرون أن هناك عراقيين من بين الأسرى). كانت بيروت نهاية الستينات وبداية السبعينات واحدة من أهم المحطات في سفر تخيّله الكثيرون قصيراً فيما دلّت الوقائع التاريخية على أنه كان واحدة من اعظم المتاهات في التاريخ. بذريعة بيروت، تشعبت دروب تلك المتاهة. المدينة الملهَمة أنقذت سمعة الكثيرين العاطلي الخيال. لم تكن بيروت المدينة المنوّرة، بقدر ما كانت واحدة من مدن الطريق في اتجاه المكان المنشود. وإذا ما كان عدد لا بأس به من المثقفين العرب قد أوهم نفسه بأنه تعلّم العوم جيداً في البركة اللبنانية فإن تلك الأوهام لم تأخذ طريقها جدياً إلى الوعي اللبناني، الشقي بأزماته التاريخية. وحين رحل الضيوف عام 1982 تبيّن أنهم قد خططوا للذهاب إلى المكان الأفضل. ولأن حواسهم قد أنهكتهم في مدينة لا تغفل عن انفعالها ولو لحظة واحدة، فقد قرروا أن يهبوا الى تلك الحواس إجازة طويلة. في مدن الخيال التقى أخيراً الشيوعيون والاسلامويون والقومويون ليرسموا قناعاً على الوجه الذي طالما خدعوا أنفسهم والآخرين بوجوده: بدلاً من موسكو وطهران وقندهار صارت لندن هي الملاذ الآمن.

قادمون لكن ليس من أجل الوطن
مرّ عقدان أو أكثر على هناءة عيش لم تعكّر صفوها فتوى مقبلة من قم ولا سلّمتها أفكار الثوريين العرب إلى الفوضى. لو أن سائقي المغربي كان قد تعرّف إلى تلك الهناءة، لهجر فكرته عن جنّته، واهتدى إلى مكانه الأفضل واقعياً. ولأن أهالي الناصرية الذين انتقلوا إلى العيش في لندن لم تعد أحوال المناخ في موسكو تهمّهم، فقد صار علينا أن نعيد النظر في الذاكرة الجمعية لشعوب من المثقفين العرب الذين يعيشون في المنافي. وكما أرى فإن مثقفي المنافي العرب صاروا يحتكرون الوطن بذريعة المنفى، وهي ذريعة، الكذب والنفاق أقل ما يمكن أن توصف بهما. لقد انتقل المنفيون إلى بلدان الرفاهية الاقتصادية، وكانوا يتنفسون الهواء الطلق الذي حُرم منه مواطنوهم، وتمتعوا بوسائل وسبل الحماية التي يتمتع بها كل إنسان يعيش في الغرب. كان الرخاء يحفّ بهم من كل جانب. وإذا ما كان البعض منهم يفكر الآن في العودة موقتاً إلى الجحيم التي غادرها، فليس ذلك إلا بسبب الجشع والرغبة في الانتقام ليس إلا. هناك قلة نادرة من الخيّرين لن تجد لها موطئ قدم على أرض، هي في حقيقتها ملعب للقوى الكبرى، حيث يتم الصراع بالاستعانة بخدم محليين.  
“نلتقي في مكان أفضل”.
جملة تسمعها، غير أن الوطن لن يكون ذلك المكان.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق