حول مفهوم الدولة الحديثة: تعقيب على جاد الكريم الجباعي

في مقاله المنشور في موقع الأوان بتاريخ 31/3/2008 بعنوان (
مدخل سياسي إلى العلمانية أو مدخل علماني إلى السياسة )، يضعنا الكاتب جاد الكريم جباعي أمام مصطلح الدولة السياسية الوطنية، على أنها علمانية وحديثة تتأسس على مبدأي الإنسان والمواطنة ويكمن في جوهرها الحرية والمساواة والعدالة، وهي ليست اختيارا ثقافياً  أو انحيازاً أيديولوجياً إلا على صعيد الأفراد، فهي تعبر عما هو مشترك وعام بين أفراد المجتمع المعني، وهي كذلك دولة ليبرالية ديمقراطية.
ويبدو أن الأخ الكاتب قد وضع منظوره وتصميمه عن هذه الدولة الحديثة في تعارض مع تلك الدولة القديمة المنحازة أيديولوجياً (عربية، إسلامية. ماركيسية لينينية.الخ).
بداية لن أقتحم النص على ظهر أي منهج ولن أتمترس خلف أية مرجعية معرفية أو أيديولوجية. وسأحاول  في حواري أن أسكن النص وأستنطق دلالات  المفردات والمفاهيم التي ساقها الكاتب وعملياتها المنطقية، والمعايير والاعتبارات التي احتكم إليها بهذا الشكل أو ذاك مثل (هيغل / ماركس) وأتعقّب مسار المنهج الذي انتظمت في سياقه وصولاً إلى ضالته في الدولة الحديثة. وسأبدأ من الإنسان أحد مرتكزات الدولة الحديثة المعنية، والذي لن تتحقق إنسانيته إلا على أرض الإنتاج الاجتماعي حيث يحصل على مأكله وملبسه ومشربه ومأواه وحاجاته الأخرى عبر توزيع عادل للثروة تضمن له الحياة الكريمة وتقيه شر (الاغتراب ) عن إنسانيته (بلغة ماركس أحد أسانيد الكاتب)،هذاة الاغتراب الذي طال الإنسان جراء حرمانه من مقومات وجوده، وذلك كما شهده كل المسار التاريخي للمجتمعات البشرية، حيث قبعت على عرش الأنظمة الاجتماعية المتعاقبة وسادت دول طاغية مستبدة. استأثرت بالثروة والنفوذ وصادرت المجتمع وحرمته من العدالة والحرية والمساواة ومن إنساتيته في نهاية المطاف.
وأعتقد أن الكاتب سيوقع القارئ في مشكلة معرفية أو التباس. فهو من جهة وضع مفرداته ومفاهيمه عن الحق والعدل والمساواة في سلة عامة الدلالة  تتأبطها الدولة الحديثة، وتنشد تحقيقها، ومن جهة ثانية أحالنا إلى كارل ماركس الذي أفنى عمره في  قراءة هذه المفاهيم وأقعدها على عناصرها الواقعية التفصيلية من خلال قراءة مسألة اغتراب الإنسان الذي تجرع كأس هذا الاغتراب  من اللحظة التي بدأت فيها ولا تزال عملية نهب جهده وعرقه (بلورات عمله / وقت العمل الزائد) وناتج عمله من قبل أصحاب وسدنة الثروة والنفوذ تاريخياً، وأرسى كارل ماركس العلاقة بين الأجور الزهيدة بأشكالها التاريخية وبين الأرباح الفاحشة التي ينهبها مالكو الثروة ورأس المال من جهد وعرق الناس العاملين على أسس معرفية علمية تفصيلية منطقية رياضية فاحصة تسمي الأشياء بأسمائها المحددة، بحيث لا تترك مجالاً للّبس والاتكاء على المفاهيم العامة أو حمالة الأوجه. ذلك أن ضياع القضايا على صعيد الوعي لا يقلّ أهمّية عن ضياعها على صعيد الوجود.
فإذا كان هذا الاغتراب هو ما حصل في الدولة القديمة، فكيف سيحل لنا الكاتب (معرفياً على الأقل) ومن معايير نصه ألغاز مسألة الرباعي (الثروة، العدالة، النفوذ، الحرية) في الدولة الحديثة البديلة؟ وبأية موازين قوى سيحقق متلازمة (العدالة / المساواة)؟ وهل هي موازين لأطراف تتصارع وسيحسم الصراع لصالح طرف  مثلاً دون آخر، ويخضع المجتمع لمشيئة هذا الطرف، أو أنّ الدولة الحديثة هي واقع الفكرة الأخلاقية وصورة وواقع العقل كما يرى هيغل السند المعرفي الآخر للكاتب، أم أنّها ستفرض على المجتمع من خارجه وستقف فوق المجتمع وأسمى من كل التناقضات وستدير شؤون جميع مواطنيها وتتدبر أمورهم كطرف محايد يوزع العدل والحرية والمساواة على الجميع؟ وهل ستكف التناقضات الاجتماعية عن أن تلتهم بعضها البعض، وتغيب الدولة عندئذٍ؟.أم أن المجتمع أبو الدولة الحديثة ( الذي يرومها نص الكاتب) لا تناقضات فيه ولا صراع …الخ؟.
وأعتقد أن هذه الأسئلة يصعب العبور المعرفي إلى مفهوم الدولة دون الإجابة عليها انسجاما مع المنهج والمرجعيات والأعراف المعرفية التي يأتلف عليها المثقفون بالحد الأدنى.
والآن نأتي إلى مسألة تجريد (الفرد/المجتمع) من تحديداته وتعييناته اللغوية والعشائرية والدينية والمذهبية والطائفية والطبقية والإيديولوجية لكي يكون أساس بناء الدولة الحديثة. فالكاتب، هنا، وهو يحاول أن يتخلص من النقاء والانحياز الإيديولوجي المذهبي والعرقي والطبقي (نقاء الإسلاميين والقوميين والماركسسن اللينينيين.. ) وجد نفسه أسير النقاء الطبيعي (حينما جعل الفرد الطبيعي أساس الدولة الحديثة ) وأسير الانحياز الإيديولوجي إلى الليبرالية كأساس للدولة الحديثة، فاستبدل نقاءً بنقاء وانحيازاً بانحياز ودولةً بدولة. ما يعني أن المسار التاريخي المتواصل حتى الآن تحكمه نفس آليات التتابع وقوانين عربة الحركة التي تسير تاريخياً على أربع عجلات مترابطة في جدل (عقلي/ واقعي):
• الطاقة (طاقة الحركة الاجتماعية)
• التناقض
• الصراع
• أطراف الصراع الذي سيحل لصا لح الطرف الأقوى
 وعلى هذا الرباعي ارتكزت كل وقائع العملية التاريخية التي اجتازت مسارها في الزمان والمكان. تم حل مسألة (الثروة/السلطة) لصالح الطرف (المهيمن والمسيطر) الذي بنى دولته ومؤسساته وأنصاره وقواعده بترابط وانسجام ما يضمن بقاء وديمومة الهيمنة/السيطرة. ولعلنا فيما نراه الآن من واقع مأساوي يرزح تحت وطأته أغلب البش، يعكس اختلال موازين القوى الصارخ لصالح سارقي الحياة  ومقوماتها في إطار دولتهم القديمة المستمرة بين ظهرانينا، والتي  تعكس موازين القوى على أرض الواقع الاجتماعي ذي المصالح الاقتصادية المتنافرة والمتضادة وتعمل كجهة منحازة للطرف القوى وقائدة لمصالحة كجزء عضوي منه.
فإذا كانت منصة الماركسية التي وقف عليها الكاتب لبعض الوقت عبر نصه. ورأى ما رأى،قد قرأت الترابط والجدل والتأثير المتبادل بين البناءين الفوقي والتحتي اللذيْن يرتكز عليهما المجتمع، فلماذا لا يتابع الكاتب القراءة ويرينا كيف ستعكس دولته الحديثة (كبناء فوقي) موازين قوى المجتمع على الأرض (البناء التحتي)،وعندئذٍ ستلتحق الدولة الحديثة بالقديمة (انحيازاً واستبداداً)، أم أنّ الكاتب تلافى هذه الفريضة المنطقية واستحقاقاتها المعرفية بالذهاب إلى الترسيمات العامة، فقطع رأس المجتمع الحديث (دولته الحديثة) ودحرجه، في باحة الثقافة، حيث نتبادل الحوار، هنا، مع الكاتب.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق