“حياة سبينوزا” في كتاب لعبد القادر جموسي: فيزياء ولاهوت وسياسة / وفيق غريزي

إن فلسفة باروخ سبينوزا عبارة عن مشروع معرفي، يسعى الى تقديم قراءة شاملة للوجود، قراءة تنطلق من إيمان راسخ بقدرة العقل الإنساني على فهم نظام الطبيعة الشامل. لكن هذا الطموح المعرفي العقلاني أثار حول الفيلسوف جدلاً واسعاً، دفع العديد من قرائه الى اتهامه بتعليم الإلحاد على غرار ما أتهم قديماً سقراط، فيما اعتبره آخرون، ويا للمفارقة، فيلسوفاً منتشياً بحب الله.

وتكاد تكون النقطة التي لا يختلف حولها الدارسون، على مدى تعاقب الأزمنة، هي سمة العمق والتعقيد التي تُميز طروحات سبينوزا ورؤيته للعالم، التي ما تزال تثير الأسئلة وتعدد التأويلات. وهي السمة نفسها التي دفعت بأقرب أصدقائه ومحاوريه، أثناء حياته، الى التعبير عن دقة موضوعاته، فكانوا يلحّون عليه لتقديم المزيد من الإيضاحات لتسليط الضوء على أرائه ونظرياته الفلسفية المستجدة. والأسباب التي جعلت أعمال سبينوزا تتسم بالغموض وتستعصي على الفهم تعود الى اعتبارات عدة.

الخروج على الطائفة

ينحدر الفيلسوف الهولندي سبينوزا (1632 1677) من أسرة يهودية نزحت من شبه الجزيرة الإيبيرية، إثر نهاية الحكم العربي في إسبانيا، وبداية حكم فرناندو الكاثوليكي والملكة إيزابيل. اتجه تعاطف سبينوزا مع المجمعيين والمنوتيين، الذين كانوا محط ارتياب وموضع اضطهاد من الأوساط والهيئات المسيحية الكاثوليكية، إضافة الى شكوك ونقمة أعضاء الطائفة اليهودية، الذين بدأوا يجدون في سلوك سبينوزا مدعاة للقلق ليس فقط في الإيمان وإنما، بشكل أخص، على صورة الطائفة وسمعتها ومصالحها في المجتمع الهولندي، “لا سيما وأن معظم أعيان الطائفة كانوا موالين سياسياً لحكم آل أورانج الملكي، وذوي أسهم في شركات تجارة الهند الشرقية. إن هذه الاعتبارات السياسية والدوافع الاقتصادية، ضمن عوامل أخرى، هي التي كانت وراء إصدار قرارات الفصل من الطائفة، ليس فقط ضد سبينوزا وحده، إنما كذلك ضد معلمه مناسى بن إسرائيل، الذي مورست عليه عقوبة الحرم لمدة وجيزة لانتقاده تصرفات شركة الهند الشرقية”. ولا يستبعد البعض أن يكون سبينوزا قد إرتاد حلقات الدرس، التي كانت تنظمها نخبة من المفكرين المتحررين في شكل مجمعات علمية وفلسفية، ويرجح أن يكون الفيلسوف الشاب إطلع في رحابها على أعمال الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، التي كانت متوفرة في طبعات متعددة في هولندا منذ سنة 1937، مشكلة بذلك مادة علمية مثيرة للجدل والنظر الفلسفي في مختلف الأوساط الأكاديمية واللاهوتية، التي تلقتها بدرجات متفاوتة من الترحاب والرفض على حد سواء. ومن خلال هذه الأوساط يبدو أن سبينوزا أخذ يدرك أهمية ونجاعة اللغة اللاتينية، التي كانت هي لغة العلم والفلسفة في ذلك العهد.

في ضوء ذلك يقول المؤلف: “قرر أعضاء المجمع اليهودي إعداد نص قرار الحرم بأعنف لهجة ممكنة، لكنهم تراجعوا عن ذلك لفترة وارتأوا دعوة سبينوزا للاستماع الى رأيه في التهم المنسوبة إليه، ومنحه فرصة للتوبة والتراجع عن أفكاره، أو على الأقل التفاوض معه على صيغة تجنّبهم الفضيحة، بل ذهبوا الى حد تقديم عرض مادي مقابل تكتّمه وصمته الى حين”.

وقد كان أعيان الطائفة اليهودية أحرص ما يكونون على دفع تهمة المس بالدين المسيحي بكل الوسائل المتاحة، وإن اقتضى الأمر منهم التبرؤ من أفكار علمائهم وفلاسفتهم الأحرار، كما حدث لهم مع أوريل دا كوستا، الذي تعرّض للنبذ مرتين، بعد أن كان قد جاهر بنقده اللاذع للنزعة الشعائرية الطقوسية المفرطة لدى الطائفة وأنكر فكرة خلود النفس، وتجرأ على إجراء قراءة تاريخية للكتب المقدّسة، مما أحدث جدلاً عنيفاً وشرخاً قوياً في صفوف الطائفة اليهودية، الشيء الذي عرضه لنقمة رجال الدين الذين أمعنوا في اضطهاده وإذلاله، الى أن اضطر الى وضع حد لهذه المهانة بإطلاق رصاصة الرحمة على نفسه. وكذلك الشأن بالنسبة الى خوان دي برادو الذي مورست عليه عقوبة الحرم عام 1656 بتهمة الترويج لفكرة فناء النفس مع الجسد، وعدم ضرورة فكرة الإيمان في حياة الإنسان وحسب وثائق تم اكتشافها في السنوات الأخيرة الماضية، فإن سبينوزا كان على اتصال بخوان دي برادو خلال سنتي 1658 و1659 مع العلم أن قراري الفصل لكل من سبينوزا وخوان جاءا متزامنين، كتصفية حساب من طرف الطائفة لاستئصال كل العناصر المثيرة للجدل. ويكشف المؤلف النقاب عن الإدانة بحق سبينوزا وهي الآتية: “بإسم الملائكة والقديسين فإننا نفصل ونلعن هذا الشخص المدعو سبينوزا. إننا نصبّ عليه كل اللعنات اللاهوتية الموجودة في الشريعة ليكن ملعوناً في النهار، وملعوناً في الليل”. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل عمل أقطاب الطائفة على تأليب رأي السلطات الدينية المسيحية على اليهودي المارق، الذي يعادي كل دين، حسب رأيهم. ومن جهته، لم يسعَ سبينوزا الى الدفاع عن نفسه، بل قام بتجاهل القرار والإصرار على الابتعاد عن الحياة الطائفية، وفك ارتباطه معها، تأهباً لحياة جديدة.

بين علم البصريات والديكارتية

سنة 1661 انتقل سبينوزا الى بلدة رنسبرخ، وتحدث البعض عن هراطقة أمستردام الديكارتيين ومن بينهم ذلك اليهودي المارق في إشارة منه الى سبينوزا، وبعد ذلك تحدث عن بلدة رنسبرخ حيث يقيم الفيلسوف الذي يوشك على الإلحاد على حد تعبير البعض، لكنه، أي سبينوزا، معروف بحسن سلوكه وفضائله واشتغاله بصناعة التلسكوب والميكروسكوب، وهي صناعة كانت مستحدثة في ذلك العهد وأبدع فيها سبينوزا، حتى أنه حظي باعتراف أبرز علماء عصره في علوم البصريات، أمثال العالم الهولندي كريستيان هيجنز والفيلسوف الألماني غوتفريد ليبينتز اللذين أشادا بجودة العدسات التي كان يصنعها سبينوزا، بل وبادرا الى التعرّف عليه شخصياً ومحاورته في جوانب عديدة من صناعته وفلسفته الجديدة التي ترتكز على أساس علوم الرياضيات والفيزياء الحديثة.

دأب سبينوزا في البحث عن المنهج الملائم لعرض أفكاره الفلسفية، هذا المنهج الذي سيضع أول ملامحه في كتاب “إصلاح العقل” الذي يشكّل، حسب رأي المؤلف، سيرة ذاتية فلسفية فاصلة بين مرحلتين من مسار التطوّر الفكري لهذا الفيلسوف؛ مرحلة ما قبل فلسفية ومرحلة فلسفية. ففي منظور سبينوزا يتمثل القسم الأول من المنهج في وجود فكرة صحيحة متميزة، بحيث يصبح المنهج الجيد هو ذلك الذي يبيّن كيف يكون توجيه الفكر وفقاً لمعيار الفكرة الصحيحة، فهو عبارة عن فكرة الفكرة، أي المعرفة التأملية التي تسعى جاهدة الى فهم الفكرة الصحيحة بفصلها عن الأفكار الأخرى، وببحث طبيعتها، مما يسمح بمعرفة قدرتنا على الفكر وبإرغام فكرنا، وفقاً لهذا المعيار، على فهم ما ينبغي فهمه.

ابتدأ سبينوزا مساره الفلسفي ديكارتياً، في وقت كانت فيه الديكارتية هي المعبّر الصريح عن الفكر العلمي الصاعد، مقابل الفكر المدرسي الأسكولائي وتقاليد اللاهوت اليهودي المسيحي السائدة، وهو ما أكسب ديكارت لقب مؤسس الفلسفة الحديثة من دون منازع، ويعزو البعض إطلاق هذا اللقب على ديكارت، الى كون هذا الأخير بمثل أول فيلسوف استطاع أن يصوغ عناصر فلسفته على أساس علم الفيزياء وعلم الفلك الحديثين.

ويرى المؤلف أن كتاب “مبادئ فلسفة ديكارت” وملحقه “أفكار ميتافيزيقية” محطة مهمة في مسار سبينوزا الفلسفي؛ كما تميزا به من أسلوب عرض هندسي متفرد في تقديم الأفكار الديكارتية من جهة أولى، وإرهاصاً بنزوع الى تجاوز بعض أفكار ديكارت نفسه؛ إذ يبرهن الفيلسوف على العديد من القضايا بطريقته الخاصة.

الطبيعة الإنسانية وتأملها

من المؤكد هو أن حالة الحرب المفتوحة على كل الاحتمالات، التي كانت تهيمن على المشهد الهولندي الأوروبي، على حد سواء، خلقت آثاراً اجتماعية وسياسية خطيرة لم يكن أمام سبينوزا، كفيلسوف وكمواطن معاً، أن يقف أمامها متظاهراً بالحياد وعدم الإكتراث. بل، على عكس ذلك، فقد جعل من هذا الموقف العبثي المهدد ذريعة للتقصّي والبحث في الطبيعة الإنسانية. وهو ما عبّر عنه في رسالة موجّهة الى الدنبرغ حيث يقول فيها: “لو قيّض لذلك الشخص الذي يسخر من كل شيء أن يعيش في عصرنا هذا لمات ضحكاً بكل تأكيد. أما بالنسبة إليّ، فإن هذه الاضطرابات لا تدفعني الى الضحك ولا الى البكاء، وإنما تذكي في نفسي الرغبة في التفلسف وتأمل الطبيعة الإنسانية”. وفي سياق هذا التأمل في الوضع الإنساني، يعلن سبينوزا لصديقه عن شروعه في تأليف عمل عن الكتاب المقدس، وضع له أهدافاً واضحة. يؤكد المؤلف أن خطة الكتاب جاءت لتعكس مسعى الفيلسوف الى مخاطبة أطراف متعددة في آن واحد، سواء كانوا من رجال اللاهوت أو العامة أو الفلاسفة. لذلك ابتكر لكتابه هذا بلاغة خاصة وأسلوباً في التعبير يلائم أغراضه ومقاصده الفكرية بأكبر قدر من الدقة والوضوح.

“فبالنسبة الى رجال اللاهوت، أخذ الفيلسوف على عاتقه إعادة فحص الكتاب المقدس بلا ادعاء وبحرية ذهنية كاملة، وألا يثبت شيئاً من تعاليمه أو يقبله ما لم يتمكن من استخلاصه بوضوح تام منه”. لذلك دأب سبينوزا على تحليل الخطاب الديني وتمييز المقدس فيه عما هو دنيوي، كما أرجع سلطة تفسير الكتاب الى كل فرد، في مسعى لسد الطريق على مؤسسة الكهنوت في احتكارها لسلطة تأويل النصوص، ورغم تحري الفيلسوف طريقة عرض واضحة ومتميزة، فإنه ظل وفياً لرؤيته الفلسفية ومنهجه العقلاني التاريخي، في قراءة النصوص المقدسة بما لا يخالف أو يتناقض مع أفكاره في الطبيعة ما بعد الطبيعة التي تشكل فلسفته الأخلاقية.

أما فيما يتعلق بتهمة الإلحاد، التي تُعد أشفع تهمة أُلصقت جزافاً بشخص سبينوزا وفكره، فإن كتاب رسالة في اللاهوت والسياسة “لم يستطع إسقاطها عنه، بل كانت أطروحاته ذريعة ملائمة اغتنمها خصومه لشنّ أقسى الهجمات عليه وأشدها ضراوة”. ويبدو أن سبينوزا في هذه الفترة كان أحرص ما يكون على سمعته كمواطن صالح مهتم بحرية بلده وتقدمه، وكفيلسوف إنساني محب للخير وللفضيلة. لذلك انبرى يقدم التوضيحات والردود في رسائله لدفع هذه التهمة الخطيرة، التي كان من شأنها أن تودي بحياته.

سبينوزا وليبنتز

يشير المؤلف الى أنه في الخامس من أكتوبر تشرين الأول عام 1671 تلقى سبينوزا رسالة من الفيلسوف والعالم الألماني جودفري ليبنتز، يبعث له معها بنسخة من كتابه الجديد، ويلتمس منه رأيه بوصفه العالم الشهير والفيلسوف العميق، كما يشهد له بالتفوّق في العديد من المجالات، خصوصاً علم البصريات. “ويبدو أن ليبنتز بدأ يهتم بالفيلسوف الهولندي قبل هذا التاريخ، ولم يكن حديثه عن علم البصريات سوى ذريعة للتقرّب منه وفتح المجال لمراسلات مقبلة. كان ليبنتز قد شرع في مراسلة هنري ألدنبرغ صديق سبينوزا، منذ صيف 1670 في محاولة منه لإشراك الجمعية الملكية في لندن في مناقشة كتاباته الفلسفية والفيزيائية”. وتبعاً لهذه المحاورة، سيزور الفيلسوف الألماني إنكلترا عام 1673 ليعقد لقاءات مباشرة مع علمائها، خصوصاً أولئك الذين كانوا يتحلّقون حول الجمعية الملكية. ومن المرجّح أن يكون ليبنتز قد استقصى أكثر حول سبينوزا لدى سكرتير الجمعية السير هنري ألدنبرغ والعالم الفيزيائي روبرت بويل، اللذين كانا على معرفة أدق بأفكار سبينوزا ونظرياته في الطبيعة وما بعد الطبيعة. بعد شهر من رسالة ليبنتز رد عليه سبينوزا برسالة جد مقتضبة، تحدث فيها عن قراءته للكتاب الذي أرسله له، وطرح عليه أسئلة يطلب فيها، بنوع من التخبّط، مزيداً من الإيضاحات حول العديد من المسائل التي أشكلت عليه، فيما أرجأ أي حكم عليها أو تقييم لها الى حين استيعابها بشكل أدق، كما وعده بإمداده بنسخة من “رسالة في اللاهوت والسياسة”.

والوثائق التي تم اكتشافها أخيراً تثبت “أن اهتمام ليبنتز بنظريات سبينوزا كانت تتعدى مجرد الفضول المعرفي الى بحث دقيق لأفكاره ورسائله وأعماله”. وواصل ليبنتز على التقليل من شأنها بل كان يسعى، أحياناً، الى التنكّر لها وحذفها من سجله الشخصي جملة وتفصيلاً، إنما في الحقيقة فإن “الزيارة دامت أياماً متواصلة وليس مجرّد ساعات قليلة، ورأى البعض، أن سبينوزا استقبل ضيفه بارتياح، وعدل عن موقفه المتحفّظ الذي كان يحمله ضده من قبل”.

 

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق