حيث القسوة ابنة الأوهام أو توأمتها / فادي طفيلي

في كتابيها «أسس التوتاليتاريّة» و«في الثورة» تُحلّل حنّة أرندت طبيعة النظم الاستبداديّة وتتناول كيفيّة فقدان هذه الأنظمة والناس الذين يحيون في ظلّها، كلّ صلة مع الواقع.

في كنف النظام الاستبدادي يغدو كلّ أمر مثيراً للشبهات وغريباً. نظريّة المؤامرة تصبح في صلب الأحكام وتغدو معياراً للعلاقة مع كلّ شيء، بما في ذلك اللغة والكلمات والأذواق والفنون والبشر.

وإذ تختلف الأنظمة الاستبداديّة في طبيعتها كثيراً ويتميّز بعضها عن بعض في الأيديولوجيا والتركيبات السياسيّة والاجتماعيّة، فإنّ ثمّة على الدوام رابطاً يشدّ بين أنماطها المختلفة ويصل فيما بينها، وهو رابط مركّب من طبيعتين يفيض امتزاجهما بالغرابة: القمع والأوهام.

تاريخ القمع الذي مارسته الأنظمة الاستبداديّة للحفاظ على جمهوريّاتها ولإدامة حكم قادة أجهزتها هو تاريخ طويل، وهو متمايز ومختلف في كلّ حالة من حالاته. ففي بعض الأحيان وإذ بدا بعض تلك الأنظمة هشّاً أمام الضغوط الشعبيّة عليه وأمام النوازع القوميّة والعوامل الدينيّة، فقد بدا بعضها الآخر، في أحيان أخرى، مِطواعاً في التكيّف أمام تلك الضغوط وفي استخدام النوازع القوميّة والعوامل الدينيّة لمصلحته. وثمّة في هذا السياق تدرّجات عديدة وتمايزات بين نظام استبدادي وآخر.

قبل نحو أسبوع من اندلاع الحوادث التي أعقبت الانتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة، كانت وسائل الإعلام، الغربيّة في الغالب، تستذكر انتفاضة تيانانمين الصينيّة الشهيرة التي وقعت في شهر حزيران قبل عشرين عاماً. انتفاضة تيانانمين تلك، والتي قادها طلاب وأساتذة جامعات ومثقّفون وصحافيّون وكتّاب صينيّون، وكان بيانها، كما بيان المنتفضين الإيرانيين اليوم، «قليل في السياسة وكثير في الحقوق»، بدت لكثيرين في داخل الصين وخارجها وكأنّها بداية لنهاية النظام الشيوعي الحاكم. الأمر الأخير لم يحصل بالطبع. أو أنّه، على الأقل، لم يتحقّق كنتيجة مباشرة لانتفاضة تيانانمين التي قمعت بوحشيّة خالصة. بل وعلى مدى عقدين مرّت أعوامهما كثيفة وسريعة في ذلك العالم الصيني المترامي، أخذ الحزب الشيوعي الحاكم في الصين يتبدّل على نحو جذري، مُحيلاً مضمونه الإيديولوجي إلى التقاعد ومستبدلاً إيّاه بعقد اجتماعي قائم على نمو اقتصادي سنويّ متصاعد، حيث ضمن على هذا النحو موقعه المتين والمطمئن.

والنموذج الصيني المذكور باهر في هذا المجال، إذ معه بات يمكن الحديث ربّما عن أنظمة استبداديّة باهرة.

على مدى عقديّ السنوات الماضية وضعت الصين ما يشبه خارطة طريق لتصل إلى موقع القوّة العالميّة المتصدّرة. وقد بدا ذلك أشبه بعمليّة اختزال وحذف لحالة الأوهام الأوسع التي كانت سائدة في زمن الصفاء الإيديولوجي الشامل. ديفيد سانغر (في نيويورك تايمز 28 حزيران 2009) يعددّ مظاهر عديدة تسامح الحزب الشيوعي الصيني معها خلال العقدين الماضيين للوصول إلى راهن أكثر واقعيّة وأقل أوهاماً وقسوة. من تلك المظاهر يمكن ذكر الانتخابات المحليّة في الأقاليم الصينيّة، كما بعض التحرّكات المدنيّة المناوئة لتلويث البيئة والفساد (ما دامت لا تناوِئ سلطات القيادة العليا)، والحريّة الأكبر في السفر إلى خارج البلاد واستخدام الإنترنت (مع بعض الحدود المضبوطة). وقد قابل ذلك اعتماد النخبة الصينيّة الضمني للقاعدة غير المكتوبة في»المطالبة من غير تهديد سلطة الحزب»، كما حُقّقت عمليات تحديث وتمويل واسعة للجيش الصيني، حيث غدا الأخير جزءاً من النهوض الاقتصادي الشامل.

في هذا الإطار، وعلى ضوء الدرس الصيني في المحافظة على النواة الرئيسة للنظام الاستبدادي بالتزامن مع انفتاح دولي ومع ورشة اقتصاديّة كبرى تشمل كل القوى الإنتاجيّة وصولاً إلى مؤسسة الجيش، فإن النظام الأصولي في إيران، الذي يستعيد اليوم على طريقته «سحق انتفاضة تيانانمين»، يبدو أكثر تأثّراً في الجزء الأخير من الورشة الصينيّة، لا بل في جزء من هذا الجزء الأخير، أيّ في الجانب الذي يتضمّن تمويل القوى المسلّحة، هذه المذكورة (الحرس الثوري بالتحديد) التي تمثّل الجانب الإيراني الأكثر ديناميكيّة ونشاطاً وحيويّة وحضوراً ليس فقط في إيران، بل أيضاً في لبنان ومصر واليمن والبحرين والسودان والأرجنتين…. وربّما في أمكنة أخرى كثيرة.

في اقتصار تأثّره بالنموذج الصيني الباهر والديناميكي على الناحية العسكريّة «البديلة» (حرس ثوري، باسيج، فروع حزب الله الدوليّة، وحركات ممانعة أخرى)، ينأى النظام الأصولي في إيران عن المدرسة الصينيّة الكبيرة والواسعة، ويقترب أكثر في طبيعته الحركيّة، بثنائيّة القمع والأوهام، إلى نماذج أنظمة أوروبا الشرقيّة البائدة، مع تمايزات جوهريّة بالطبع.

مع «الانتفاضة» الحاصلة في إيران اليوم، التي زامنت تقريباً الذكرى السنويّة العشرين لانتفاضة تيانانمين الصينيّة المقموعة، يمكن العودة إلى بولونيا الثمانينات لقراءة ما يشبه راهن إيران اليوم وما يتمايز عنه.

حين انتفضت نقابة «تضامن» في ثمانينات بولونيا، فإنّ قمعها نجح في البداية بفضل القوى الأمنيّة الخاصّة التي كانت تابعة لحلف وارسو الدائر في الفلك السوفييتي. على أنّ النموذج البولوني ذاك، الذي يُلهم السلطة الأصوليّة في إيران أيضاً بجهازه الأمني الخاص، يناقض واقع الحال الإيراني من ناحية دور الدين والقوميّة في توازنات القوى بين طرفي النزاع، أيّ بين السلطة القامِعة والمنتفضين المقموعين.

في مطلع ثمانينات القرن الماضي تكوّنت الانتفاضة البولونيّة في وجه النظام الشيوعي في بولونيا من شريحة كبيرة تضمّ مروحة من المكوّنات البشريّة والفكريّة، كان من بينها نقابات العمّال والمثقفين وبابا الفاتيكان، البولوني الأصل، وقد أثّر ذلك بقوّة فيما بعد على القوى المسلّحة التي أخذت تفقد ثقتها بالتدريج بحكومتها، ما أدّى في النهاية، وبعد نحو عقد من عمر الانتفاضة البولونيّة، إلى انتصار الأخيرة.

أحد جوانب الأسباب التي صدّعت نظام الحكم الشيوعي في بولونيا كان نظرة البولونيين إليه باعتباره أداة لقوّة خارجيّة هي الإتّحاد السوفييتي. الأمر المذكور جعل العامل القومي إلى جانب المنتفضين على النظام الاستبدادي هناك. وقد أدّت التحوّلات السياسيّة التي أخذ يشهدها الاتّحاد السوفييتي في أواخر الثمانينات إلى تسريع انفضاض القوى الأمنيّة البولونيّة عن المرجعيّة السوفيتيّة، فتقدّم الولاء القومي في صفوف تلك القوى كي يملأ الفراغ الإيديولوجي. كما عمل البابا يوحنّا بولس الثاني، في جهة موازية، على مدّ العصب القومي ذاك، المنتفض على السلطة السوفييتيّة الأجنبيّة، والتي هي سلطة ملحدة قامعة للدين، ببعد دينيّ شديد الفاعليّة.

إن تلاقى مشهد قمع الأجهزة الأمنيّة البولونيّة الخاصّة للانتفاضة في بولونيا في سنواتها الأولى، وهو قمع كان فعّالا ً في البداية، مع مشهد القمع الفعّال، الديناميكي، الدرّاج (من الدرّاجات الناريّة) و«البديل»، الذي تمارسه في إيران اليوم قوات الحرس الثوري، المطعّمة ربّما، على ما يقول بعض الإيرانيين، بعناصر «أجنبيّة» تحذف المشاعر المحتملة بين القامع والمقموع، فإنّ ساعدَ الانتفاضة البولونيّة الذي كان مشدوداً بأوتار قوميّة ودينيّة متداخلة، قد يشدّ في إيران الراهنة، وعلى عكس ما فعله في بولونيا الثمانينات، مع الجهة القامعة، لا مع المقموعين. إذ أنّ ما ثابر عليه النظام الديني الأصولي في إيران خلال السنوات الخمس الأخيرة بدا بمثابة ترويج حاد لمشروع قومي إيراني يندمج مع الطبيعة الثيوقراطيّة الأولى للنظام الحاكم.

شعارات وأفعال واستعراضات كانت قد اقتصرت الصورة الإيرانيّة في العالم، خلال الولاية الأولى لحكم أحمدي نجاد، على مساعي تدعيم موقع إيران كقوّة إقليميّة تؤثّر هي بالآخرين، وعلى تحقيق المشروع النووي القومي الإيراني، وعلى ترسيخ الدور المرهوب الجانب لذلك البلد الذي بدأ العالم يقر بوجوب الحديث معه كما هو، جعلت الدعاوى القوميّة تتصاعد وتميل لمصلحة النظام على حساب مناوئيه، هؤلاء الأخيرين الذين يبدون محرجين أمام ترحيب الخارج ومديحه بهم.

إلى جانب الدرسين الصيني والبولوني، أو الأوروبي الشرقيّ، اللذين لا يُصرفان في إيران لا من ناحية طواعيّة الشيوعيّة الصينيّة في مماشاة التحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الهائلة، ولا من ناحية تحرّك المشاعر القوميّة والدينيّة لمصلحة المنتفضين على الاستبداد، كما في بولونيا وباقي دول أوروبا الشرقيّة، فإنّ ما بقي من نماذج لإيران اليوم يتراوح ما بين استلهام النموذج الكوري الشمالي في الإغلاق الكامل وتكفير التكنولوجيا ووسائل الاتّصال الحديثة بعد تجربة الانتفاضة الأخيرة، من جهة السلطة، وبين المهمّة الشائكة والرهيبة المتمثّلة بمحاولة تخطّي «تابووات» القوميّة والدين الجامحين، من قبل الساعين إلى الإصلاح والتغيير.

وما بين النموذجين المذكورين ثمّة نماذج متفرّقة ومتفاوتة الفاعليّة، من انقلابات خفيّة وانقلابات مضادة ونصف تحوّلات وتحوّلات مبتورة لتنفيس الاحتقان، وغيرها ممّا قد يُستلهم من نماذج مختلفة تعود إلى أعماق العالم الثالث، حيث القسوة توأم للأوهام.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق