حينما تتحول ” المسخرة” إلى موسيقى الأضواء.. والنص إلى علامات ورموز

لعلنا لا نبالغ، عند الحديث النقدي عن فيلم “مسخرة” للمخرج الجزائري الياس سالم، حينما نستنجد بالجهاز المفاهيمي النقدي الفرويدي أو الكولدماني بما لكل منهما من مسافة تماس أو ابتعاد عن المعيش الاعتيادي لشخوص هذا العمل الكوميدي..وللاستئوال الغريزي ( البسيط والساذج) المستجلى من السيكولوجيا الاعتيادية لأبطال الفيلم حينما نضع لقطاته ومشاهده داخل النص، طبعا من وجهة النظر التناصية، أو كذلك حينما تجرد علامات لغته الفيلمية أو السيناريوهاتية من غموضها المقيد أسفل طبقات الغريزة شيئا فشيئا للتجلى بعض من معاني الأحجية البسيطة عند العامة والمركبة عند أهل الاختصاص مما يستوجب رؤيوية تجريبية سابقة ومنهج سيميولوجي مقنع حتى يتم تفكيكها وقراءتها من الداخل..

كما لا نبالغ كثيرا، في السياق ذاته، إذا تحدثنا عن البعد الثقافي والفلسفي للفيلم الجزائري قيد القراءة..فالاستدماج المذهل لعديد المكونات الثقافية من سرد وشعر وفن وموسيقى وصور وأضواء..في هذا العمل السينمائي والتي نلمسها في رحلات الليل والنهار بين القرية والمدينة..أو في الزمن النفسي المرتهن في بعض الأحيان بالسعادة وفي بعضها الآخر بالألم..وفي كل الأماكن التي حولها المخرج اليأس سالم إلى ساحات..الكل يرقص فيها على إيقاعات الطبول الإفريقية عند بوابات الماضي المتواصل..والكل فيها مادة لفن تشكيلي يبحث عن المعنى في ظل الفوضى العارمة غير الخلاقة..ولكنها ولادة لأنماط جديدة من الحياة والتعامل بين الأفراد لن تكون فيه المرأة سلعة أو “شجرة للذة” وإنما مشاركة ومبادرة في اتخاذ القرار وتدبير المصير مع أو عنوة على الرجل وهو ما لمسناه في موقف زوجة منير الرافضة لزواج أخته ريم (سارة الرقيق) بالأجنبي “فانكوتين” أو ثورة “ريم”(سارة الرقيق) شقيقة منير(الياس سالم) آخر الفيلم وزواجها في غياب عائلتها وهربها مع عشيقها خليفة (محمد بوشعيب)…كما لتدخل المرأة في أدق التفاصيل اليومية وقع صادم يسقط السينما المغاربية بصفة عامة في سكيزوفرينيا جديدة ذات ازدواجيات خطابية اجتماعية ونفسية جديرة بالاهتمام…فالمرأة المستعبدة كما في فيلم “عرائس الطين” للنوري بوزيد حيث تباع وتشترى في سوق النخاسة لخدمة العائلات الثرية نجدها في “مسخرة” متحررة بشكل كبير من سطوة الرجل..والمرأة ذات البعد الواحد (البعد الجنسي التجاري) في فيلم فريد بو غدير “عصفور سطح” ليست هي ذاتها في الفيلم قيد التحليل على اعتبار مبدئيتها وقوة شخصيتها ومواقفها العائلية والاجتماعية المتقدمة..

رحلة البحث عن البعد الثقافي الاجتماعي في هذا الفيلم لا تكتمل في غياب البعد الفلسفي المكمل..ومن ثمة ضرورة قراءة الفلسفي المطوع فنيا تأتي من ضرورة قراءة الفني من زاوية رؤيته التبشيرية لعالم آخر بحيث “ينوب مناب أو يتعاضد مع المجالات الفكرية في النقد والتصحيح والتفسير والشرح والتأويل للظواهر الاجتماعية”.

وهكذا يحاول المخرج الياس سالم إنتاج التراكيب المعرفية السينمائية لكن ضمن تصور يعنى بالكشف عن رؤية العالم داخل منجزه السينماتوغرافي الذي يتخذ من المعطى الفكري مساحة لاشتغالاته لإخصاب وعي الجماهير وإخراجها عن التورط بالسفاهات التي تعمل الكثير من مراكز الإنتاج على ترويجها..

فالكلمات المستعملة في السيناريو لها دلالات عميقة ومحملة بالمعاني والرموز اللغوية أكثر بكثير مما نتصوره..أو ما يخيل لنا اننا نفهمه منها للوهلة الأولى.. فكلمة “مسخرة” مثلا التي عنون بها المخرج الياس سالم فيلمه لم تكن اعتباطية البتة بل إن اختيارها مدروس بدقة وهو ما أكده المخرج ذاته كلما طرح هذا الإشكال مبينا أن “المسألة تتعلق ببساطة باسم المدينة التي كان يُفترض أن نصور فيها الفيلم وهي مدينة «معسكرة» وهي باللغة الفرنسية تُحيل صوتيا على كلمة مسخرة (MASCARADES) وكنا سننجز الفيلم في تلك المدينة الواقعة غرب الجزائر العاصمة ويتميز سكانها بالنكتة والنوادر والطرائف..”

ولعل هذه التسمية تعكس بحق القالب الكوميدي الذي اختاره لفيلمه، فالسينما الجزائرية لم تنتج في أغلبها إلا الأعمال الدرامية كانعكاس لواقع مليء بالتناقضات والقضايا الكبرى (الفقر والبطالة والإرهاب والحرب الأهلية والحرقة..) وسواء أكان ذلك في بدايات ظهورها في الخمسينات مع أفلام جمال شندرلي، بيار كليمون، محمد لخضر حامينا، أحمد راشدي من خلال (الجزائر تحترق) L’Algerie en flammes (بنادق الحرية)Les fusils de la liberté (جزائرنا)Djazairouna (صوت الشعب)La voix du peuple وهي الأعمال التي ميزت البدايات الأولى للسينما الجزائرية، أو في فترة الستينات المعروفة بالثورة الزراعية والبناء الوطني وبرزت خلالها السينما الملتزمة ونذكر من بينها (المغتصبون)Les spoliateurs (المستأصلون)Les déracinés للأمين مرباح، نوة Noua لعبد العزيز طولبي و(الفحام)Le charbonnier لمحمد بوعماري.

سنوات التسعينات برزت فيها ثلاثة أفلام أمازيغية الهوية وهي (الهضبة المنسية)La colline oubliée لعبد الرحمان بوقرموح والفلم مأخوذ من رواية مولود معمري، و(مشاهو) Machaho لإبراهيم حجاج، (جبل باية)La Montagne de Baya لعز الدين مدور…

إذا، فالنمط الدرامي ليس الوحيد، حتى وان فرضه الواقع الجزائري، إلا أنه ليس الوجه الوحيد للسينما الجزائرية وهو ما حاول أن يثبته الياس سالم من خلال هذا الفيلم وتوجهاته السينمائية عموما، كما أن “القالب الكوميدي أو الهزلي لا يبعدنا عن جوهر الجزائر وتفاصيلها بل هو شكل مختلف ومحملٌ ومغاير، أقل مباشراتية..” فالكوميديا “معبرٌ جاد لسبر أغوار الواقع بلغة أخرى، واختيارنا للكوميديا لا يعني أبدا ابتعادنا عن قضايا الجزائر وعمق واقعها” (الياس بن سالم).

وللهجة المحلية التي كتب بها السيناريو ونطقت بها الشخصيات عند تخاطبها أهمية خاصة وتوظيفات عدة..فهي وسيلة التواصل بامتياز بين مختلف المكونات الجزائرية..بطاقة هوية..جواز سفر بين الاثنيات المحلية…إذ لا يوجد عرب فقط في الجزائر، بل هناك أيضا البربر والأمازيغ والتوارق والشاوية والمزاب..

كما عبرت اللهجة المتكلم بها عن العمق الإنساني للشخصيات المتمحور حولها الفيلم من خلال كوميديا هادئة استجلت فنتازيا المواطن الجزائري البسيط الملقى على عتبات الحضارة والباحث عن تحقيق الكيان بتوفير شروط العيش البسيط..غير مبالي لا بالحياة ولا بمعانيها الوجودية الخافية..

هكذا إذا أراد المخرج أن يضع شيفرات خاصة على فيلمه..بعيد عن النستالجيا لسينما الثورة والالتزام المجرد..حيث خط دربه بسينما جديدة..هزلية في ظاهرها..بسيطة في لغتها..عميقة في معانيها ومدلولاتها الرمزية..محملة بالسواد والتراجيديا بقدر تحميلها للهزل والكوميديا..وهنا يحضرنا المشهد الذي يبرز فيه بطل الفيلم “منير” داخل الحديقة المنزلية للكولونيل الذي يعمل عنده، ففي لحظات معدودات لاحظنا السعادة في محياه وعمق الألم في عينه بعد دخوله لإحدى سيارات مؤجره ومخاطبة عائلته (الزوجة والأخت والابن) وكأنهم يجلسون بجانبه في السيارة الفارهة..لكن الصمت العائم داخل السيارة و سلبية المكان أيقظته من أحلام اليقظة لتلبسه قناع الألم.. وحسرة من لا يملك شيئا من وسائل الرفاه و العيش الكريم..

الصورة كانت مؤثرة ولا شك..وكم اختزلت الصورة من معاني وكلمات ومواقف..خاصة وان الياس سالم اشتغل عليها جيدا في فيلمه الأخير..على اعتبار أن الصورة تجسدا خطابا اتصاليا شموليا في حد ذاته..يخضع للتأويل السمعي البصري..ولنا أن نتلمس هيكل الخطاب السينمائي الممرر في هذا الفيلم من خلال تلمس طبقات الصورة وطبقات المكان والبناء الزماني كما سبق وأن أشرنا إليه في حديثنا عن الزمن النفسي وعن الأماكن وإيحاءاتهما على شخصيات الفيلم والعكس..

كما أن قراءة هذه الصورة منهجيا وتحليليا والتوسع فيها تحيلنا على رسائل عدة احتملتها في طياتها..من ذلك الفقر المستشري في الجزائر إلى ألان وبعد قرابة النصف قرن من الاستقلال..المحاباة لأصحاب النفوذ والجاه..تواصل رواسب التابوهات القديمة المحددة لعلاقة الرجل بالمرأة عند المجتمع الجزائري (المجتمع الذكوري) ولو أن المخرج حاول أن يغير من هذه الصورة بالباسه بطل الفيلم “منير” الكثير من الانفتاح والتفهم..الخ

{{استنتاجات عامة..}}

– سينما الياس سالم، بالإضافة لاشتغالها بأدوات تقنية وأيقونية خاصة بها، فقد اشتغلت من خلال نسق فني مرن يتغذى على مجموعة من المعارف والمفاهيم الأخرى كالسوسيولوجيا وعلم الخطاب والسيميولوجيا والبسيكولوجيا وعلى الكثير من الأساليب الفنية والأدبية التي سبق أن أشرنا إليها أو تناولناها في سياق التقديم التحليلي للظاهرة السينمائية بشكل عام..

-اهتمام مخرج فيلم “مسخرة” بأدق التفاصيل الفيلمية وتركيزه على الإلمام بشتى الجوانب التقنية والفنية(اللغة الفيلمية، التركيب، اللقطات، الإضاءة، الكوريغرافيا، الصورة..) جعله ينجح في ترويج فيلمه على صعيد عالمي ويحصد الجوائز العديدة و لا يسقط في أخطاء السينما المغاربية والعربية الكلاسيكية التي أخلت، في جانب هام منها، بهذه العناصر المرئية أو المسموعة مما حولها، حسب ملاحظة العديد من النقاد، إما إلى تجريد وتجريب تقني، أو إلى قصة خالية من كل تشويق أو خيال.

-تبقى بطبيعة الحال مسألة الخصوصيات في التعامل مثلا مع الإنارة أو الكادراج أو المونتاج مرتبطة بالثقافة والرغبة في التجريب عند الياس سالم، لكن العمود الفقري للفيلم تحكمه ضوابط تقنية وفنية و ثقافية لا محيص عنها..

-يقول عالم الاجتماع بيير بورديو ” إن موضوع السوسيولوجيا هو فضح التزييف والغموض الذي يراه الكل في مؤسسات المجتمع” لكننا في هذا المقام نجد أن السينما، كمؤسسة اجتماعية، تقوم في موضوعها بفضح التزييف و الغموض والتناقضات الاجتماعية ففيلم “مسخرة” تناول صفحات من المعيش البائس للجزائريين في القرى البعيدة والفقر المستشري فيها، كما قام بتعرية الإشارات والرموز والأنساق الدلالية التي تتحكم في سيكولوجيا الجزائري ومنطوقه منذ أزمان بعيدة بلا تغيير يذكر..كما طرح مخرج الفيلم الياس سالم تساؤلات جوهرية لعل أهمها هو ” كيف أكون جزائريا مع ذاتي وواقعي وكيف أتأقلم مع الآخر وحضارته ومدنيته..؟”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق