حين‮ ‬يتحول الحجاب إلى حرية‮..!

قبل سنوات،‮ ‬حين صدر القانون الفرنسي‮ ‬الذي‮ ‬يقضي‮ ‬بمنع الرموز الدينية داخل المدارس،‮ ‬طفت إلى السطح معارضة قوية من قبل بعض‮ “‬المسلمين‮” ‬الذين‮ ‬يوجدون في‮ ‬فرنسا،‮ ‬وغيرها .

‬وكان أن ظهرت‮ “‬بطلة‮” ‬تمخض عن تفكيرها العميق،‮ ‬بعد نظرها في‮ ‬قضايا وجودية ومصيرية،‮ ‬الوصول إلى حلِّ‮ ‬غريب هو حلق شعر رأسها‮. ‬ فمادام مركز جمال المرأة‮ ‬في‮ ‬شعرها،‮ ‬فإنها لم تجد من حل ولا مخرج من هذه الورطة التي‮ ‬تسبب فيها القانون الذي‮ “‬يحارب الإسلام‮” ‬سوى أن تبيد وتحرق وتعمل على إتلاف عنصر جمالها،‮ ‬ومن ثم فإن الجمال والأنوثة ومواطنهما المغرية ستذهب مع ذهاب الشعر،‮ ‬وهكذا ستظهرالمرأة في‮ ‬مظهر‮ ‬غير مغر،‮ ‬وستسقط عنها كل ملامح الإغراء والغواية الشهوانية ذات النزوع الشيطاني‮.‬ استعدت هذا الحدث لأنني‮ ‬فوجئت مؤخرا بعبارة صحفية تشتغل بإحدى القنوات التلفزية،‮ ‬حيث قالت‮ » :‬الحجاب حرية كنت أحلم بها وحققتها”!

‬ هكذا،‮ ‬من الاحتجاج بحلق الشعر إلى تحقيق الحرية بإحدى الرموز الأكثر خنقا ‬(بالمعنى الرمزي) ، ‮ ‬والاختفاء بل الاختباء وراء قطعة قماش ذات بعد إيديولوجي‮ ‬رمزي،‮ ‬أكثر منها قطعة ذات بعد وظيفي‮..! ‬لذلك فإن السؤال الذي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يطرح،‮ ‬اليوم،‮ ‬هو ليس لماذا‮ ‬يفكر هؤلاء في‮ ‬الحجاب باعتباره هوية،‮ ‬وإنما كيف‮ ‬يفكرون فيه باعتباره هوية ثقافية؟ إن مثل هذا النمط من التفكير بـ»المقلوب‮«‬،‮ ‬والمشتغل ضمن منطق معاكس،‮ ‬يدفعنا إلى إعادة النظر في‮ ‬كل تصوراتنا،‮ ‬وإعادة طرح القضية من جوانب أخرى،‮ ‬غير فقهية أو شرعية أو دينية،‮ ‬وإنما من جهة نظر هوية الذات في‮ ‬علاقتها بذاتها وامتدادها،‮ ‬ثم في‮ ‬علاقاتها المتقاطعة مع الآخر‮ .

‬ذلك أن المسألة لم تعد مسألة دينية،‮ ‬بقدر ما صارت قضية وجودية،‮ ‬وصارت نظرة فلسفية ملأى بصور الانتصار والهوية وتحقيق الطموحات،‮ ‬خصوصا إذا نحن قرأنا الجسد المحجب،‮ ‬كمعطى واقعي، فهو جسد تنخره كل التناقضات،‮ ‬ومليء بالمفارقات‮ . ‬ففي‮ ‬الوقت الذي‮ ‬نجد فيه‮ ‬الجسد‮ ‬يلبس الحجاب كرمز للالتزام والحشمة والوقار المقترن بخلفية دينية لها نصوصها المبررة،‮ ‬نجد الجزء السفلي‮ ‬يلبس سروال الجينز مظهرا ومبرزا كل المفاتن الأكثر حساسية في‮ ‬جسد المرأة،‮ ‬أي‮ ‬كل‮ “‬الطيات‮”/‬الجيوب التي‮ ‬اعتبر الخطاب الديني‮ ‬إخفاءها واجبا،‮ ‬إذ هناك إخفاء لما‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يظهر وإظهار لما‮ ‬ينبغي‮ ‬إخفاؤه‮. ‬لأن الأساسي،‮ ‬أصبح هو الإعلان عن انتماء ما،‮ ‬بأبسط الوسائل وأقرب السبل‮ .

‬والأمر الذي‮ ‬يدعو إلى التوقف والإنصات إلى مظاهر هذه الظاهرة،‮ ‬هو درجة شيوعها وانتشارها في‮ ‬الشارع العربي‮. ‬وكيف صار الهم الأوحد للنساء والشابات هو ستر الشعر،‮ ‬والعمل على تشتيت بل وتغييب مكمن الجمال الذي‮ ‬يمثل رمز الفتنة والغواية بالنسبة للرجل‮ . ‬لذلك لم‮ ‬يعد الحجاب قضية حشمة والتزام،‮ ‬وإنما صار مشروعا مجتمعيا كما تذهب إلى ذلك رجاء بن سلامة حيث ترى أنه ‮ »‬تنتشر الخُمر واللحى تعبيرا صامتا عن مشروع مجتمعي‮ ‬لعل أهم ما فيه هو أنه رد فعل على امحاء الفواصل بين النوعين الاجتماعيين وتحرر الأجساد النسائية من حجبها‮. ‬ وبذلك تكون وظيفة الخِمار التمييزية قد تغيرت من التمييز بين الحرائر والإماء إلى التمييز بين النساء والرجال في‮ ‬عصر أخذت فيه الفوارق الجندرية تضطرب وتمَّحي” (‬رجاء بن سلامة؛ نقد الثوابت‮: ‬آراء‭ ‬في‮ ‬العنف والتمييز والمصادرة، دار الطليعة، 2005، ص 39)

ماذهبت إليه رجاء بن سلامة،‮ ‬يكشف بعمق عن التحولات الاجتماعية التي‮ ‬طرأت داخل المجتمع العربي،‮ ‬الذي‮ ‬ظل محكوما بعقلية الذكورة،‮ ‬كما ظلت‮ »‬الفحولة‮« ‬ومركزيتها هي‮ ‬المتحكم في‮ ‬كل العلاقات بين الجنسين،‮ ‬هذا دون أن نغفل حضورها في‮ ‬إدراك كل الواقع،‮ ‬حيث تأسست عليها علاقات لا تُدرك إلا من زاوية‮ »‬مركزية-اللوغوس-القضيب”

‬وهكذا حدث تطور في‮ ‬البعد الرمزي‮ ‬لهذه النظرة،‮ ‬وعرف تحولا ظاهريا،‮ ‬بحيث إذا كانت المرأة قد خرجت إلى الحياة العامة،‮ ‬والتحقت بالمعاهد،‮ ‬والمؤسسات،‮ ‬وانتزعت حقها في‮ ‬العمل،‮ ‬فإنها مع ذلك ظلت محكومة بنفس السلط والعلاقة القديمة‮: ‬الذكر والأنثى‮. ‬ولعل مدونة الأسرة،‮ ‬في‮ ‬المغرب،‮ ‬أي‮ ‬قانون الأحوال الشخصية في‮ ‬الوطن العربي ‬(نستثني‮ ‬تونس)‮ ‬يشكل تجسيدا واضحا للفحولة،‮ ‬وسلطة الرجل المتحكمة في‮ ‬العلاقات بينه وبين الجنس الآخر الذي‮ ‬لايعتبر إلا كمقابل أقل درجة وقيمة،‮ ‬يظل في‮ ‬حاجة دائمة إلى الرجل باعتباره السيد،‮ ‬والولي‮. ‬لذلك لم تأت‮ “‬الثورات‮” ‬الإصلاحية لقانون الأحوال الشخصية بجديد،‮ ‬بل جسد كارثية السلطة البطريركية/القضيبية المحكومة بعلاقات اللاتكافؤ،‮ ‬وسلطة التمليك والإبقاء على المرأة،‮ ‬كـ”أداة‮” ‬للاستعمال الجنسي،‮ ‬أو أداة لحماية النسل والنسب‮.‬ لكن‮ ‬المفارقة التي‮ ‬تدعو إلى الاستغراب،‮ ‬هو قبول المرأة العربية بهذا الوضع،‮ ‬واستمرارها في‮ ‬تكريسه والمحافظة عليه،‮ ‬حتى في‮ ‬بعض الحالات الأكثر تطرفا،‮ ‬والتي‮ ‬تدعو من خلالها إلى التحرر والقضاء‭ ‬على هذه السلطة الرجولية المطلقة‮!

‬ لذا‮ ‬يكون من المناسب،‮ ‬اليوم،‮ ‬مقاربة الكيفية التي‮ ‬تفكر بها المحجبات،‮ ‬اللواتي‮ ‬صار بالنسبة إليهن هذه القطعة من القماش،‮ ‬نموذجا للحرية،‮ ‬والشخصية،‮ ‬والهوية. في‮ ‬عدة مناسبات،‮ ‬كنت أحاول أن أفهم لماذا لجأت بعض الشابات إلى ارتداء الحجاب بعد أن كن متفتحات في‮ ‬أفكارهن،‮ ‬وهو ما استمر حتى في‮ ‬مرحلة ما بعد استعمال الحجاب،‮ ‬فهن‮ ‬يخالطن الذكور،‮ ‬ويختلين معهم،‮ ‬بل منهن من‮ ‬تمارس حياته الجنسية بشكل عاد ومتحرر‮ . ‬وكلما طرحت عليهن سؤالا بهذا الخصوص،‮ ‬يجبن نفس الجواب،‮ ‬وقد صار مقولبا لديهن جميعا‮: ‬”لأن الحجاب لا نقاش فيه،‮ ‬فستر الرأس أمر إلهي،‮ ‬وكل الفقهاء‮ ‬يؤكدون على ذلك‮ . ‬المهم أن نتحجب،‮ ‬وأما إذا ارتكبنا كبائر أو معصيات،‮ ‬فإن الله‮ ‬غفور رحيم‮”.‬ لعل النقط المركزية في‮ ‬هذه الإجابة/الإجابات،‮ ‬حول اختيار هذا النمط من التعبير عن مظاهر الالتزام،‮ ‬هو الدين الإسلامي‮. ‬بحيث تشير كل النقاشات الدائرة في‮ ‬المراكز والمنتديات إلى موقع المرأة العربية المركزي‮ ‬في‮ ‬المحافظة على الروابط الأسرية والتماسك الاجتماعي‮ ‬ونقل القيم الثقافية،‮ ‬وهذا مادفع ناديا حجاب إلى اعتبار‮ ‬المرأة العربية تقف في‮ ‬موقع محرج‮ ‬يجعلها تختار بين الحق والاحترام‮ .

‬إذ لا ترغب في‮ ‬فقدان الدفء والأمان اللذين توفرهما تقليديا الأسرة العربية،‮ ‬خصوصا في‮ ‬ظل التحولات السريعة التي‮ ‬لحقت المجتمع والبنية الاقتصادية،‮ ‬وهو ما‮ ‬يجعل النساء أكثر اعتمادا على مؤسسات الدولة وتشريعاتها من أجل حماية حقوقهن‮. ‬غير أن المساحة الحرجة التي‮ ‬تخص العلاقات داخل الأسرة نجدها مؤسسة على التباين وانعدام المساواة بين الجنسين،‮ ‬ويعود ذلك إلى النقاش حول أدوار النساء الذي‮ ‬ظل‮ ‬يدور ضمن الإطار الإسلامي (ناديا حجاب؛ الإسلام،‮ ‬والتغير الاعي،‮ ‬واقع حياة النساء‭ ‬العربيات؛ ضمن كتاب الإسلام والجنوسة،‮ ‬والتغير الاجتماعي‮. ‬منشورات الأهلية، 2003، ص 118)‮.‮ ‬

واضح أن الزيادة المطردة في‮ ‬استعمال الحجاب،‮ ‬في‮ ‬السنوات الأخيرة،‮ ‬تعبر عن واقع متعدد الأوجه،‮و ‬يعتبرها البعض رمزا للتعبير عن الأصالة الثقافية،‮ ‬والبعض من النساء‮ ‬يرين فيها علامة على التقوى،‮ ‬أما البعض فيشكل الحجاب بالنسبة إليهن تأشيرة للتمكن من الالتحاق بالمدرسة أوالعمل خارج البيت،‮ ‬من‮ ‬غير أن‮ ‬يكن مطوقات بالمضايقات‮ . ‬إن المسألة لها ارتباط قوي‮ ‬ومطلق بالإطار الإسلامي،‮ ‬باعتبار الحجاب‮ ‬يندرج ضمن مسألة الهوية من جهة والهيمنة الغربية من جانب آخر،‮ ‬والجدل الدائر حول سبل البحث عن الاستقلال السياسي‮ ‬والاقتصادي‮. ‬وهذا ما قوَّى التناقضات وزاد من تعمقيها‮. ‬ إذ ليس أمام الإنسان العربي،‮ ‬في‮ ‬ظل توالي‮ ‬الانهيارات السياسية والاقتصادية والفكرية سوى العودة إلى الماضي،‮ ‬في‮ ‬محاولة منه نحو مقاومة‮ “‬الاجتياح‮” ‬الفكري‮ ‬القادم من الآخر‮.

‬ وهذا ما زاد من تحامل العربي‮ ‬على الغربي،‮ ‬وزاد من ثبات اعتقاده على أن الغرب ضده،‮ ‬وأن مكمن القوة لديه،‮ ‬هو الدين الإسلامي‮ ‬الذي‮ ‬يقض مضاجع الغربيين،‮ ‬الذين‮ ‬يظل شغلهم الشاغل هو القضاء على الإسلام‮. ‬ ومن الطبيعي‮ ‬أن تكون المرأة منخرطة في‮ ‬هذا الصراع،‮ ‬ومن ثم كان من الضروري ‮ -‬في‮ ‬اعتقادها‮- ‬المساهمة في‮ ‬إبراز وتجلية الهوية الإسلامية، ‬خصوصا أن المعتقد الديني‮ ‬لدى الإنسان العربي،‮ ‬أمر مقدس لايقبل الجدال،‮ ‬ومن ثم فإن التشبت به لايمكن إلا أن‮ ‬يزداد ترسيخا في‮ ‬بنيات المعتقد لدىهم‮ . ‬وهنا نجد أنفسنا داخل دائرة الصراع الديني‮ ‬في‮ ‬مواجهة الآخر الذي‮ ‬لا‮ ‬ينظر إليه إلا باعتباره عدوا وجبت مواجهته والوقوف في‮ ‬وجهه بإشهار الهوية الإسلامية التي‮ ‬تزعجه‮.

‬فيصبح‮ -‬في‮ ‬اعتقاد المسلم‮- ‬الدين هو الهوية المطلقة التي‮ ‬لايمكن التفكير أو التواصل مع العالم إلا من خلاله‮. ‬وهذا ما سبق للينين أن تناوله،‮ ‬في‮ ‬مقال‮ ‬يحمل عنوان‮ »‬حول الدين‮« ‬. فالمحاربة اللفظية للتشدد الديني‮ ‬لاتزيده إلا تشددا‮. ‬لذلك‮ ‬يبقى الأساس هو خلق الشروط المادية الحديثة التي‮ ‬تجعل المجتمع صناعيا‮. ‬فالفرد حين‮ ‬يفتقد لشروط اقتصادية واجتماعية متطورة،‮ ‬فإنه لابد له من البحث عن ملجإ لامادي‮ ‬يأوي‮ ‬إليه،‮ ‬ويحتمي‮ ‬به‮. ‬وهو حال الإنسان العربي،‮ ‬ذلك أن العودة اللامشروطة إلى الإرث العربي‮ ‬الإسلامي‮ ‬القديم،‮ ‬في‮ ‬صوره اللاعقلانية،‮ ‬يظل أمرا طبيعيا،‮ ‬خصوصا أن هناك إرث تاريخي‮ ‬تجره الذاكرة العربية،‮ ‬المحكومة بنظرة الاستعلاء،‮ ‬والإشعاع اللامنطقي لهذا الماضي‮ ‬الذي‮ ‬يشكل القاعدة التي‮ ‬انطلق منها الآخر/الغرب‮. ‬ في‮ ‬نقد فلسفة الحق عند هيجل قال ماركس‮ »‬إن الشقاء الديني‮ ‬هو من جهة تعبير عن الشقاء الواقعي‮ ‬ومن جهة ثانية احتجاج على هذا الشقاء،‮ ‬إن الدين هو الزفرة‮ ‬يصعدها الإنسان الذي‮ ‬هدَّه الشقاء،‮ ‬هو الروح في‮ ‬عالم بلا روح والفكر في‮ ‬عصر لافكر له.

إنه أفيون الشعوب‮ «. ‬ويفهم من هذه العبارة،‮ ‬التي‮ ‬أنتجت حساسيات وردود فعل على مر الوقت،‮ ‬خصوصا بالنسبة للمسلمين،‮ ‬أنه لم‮ ‬يقصد من وراء ذلك القضاء‭ ‬على الدين،‮ ‬وإنما هو تجسيد لكيفية فهم الوجود والواقع من قبل من‮ ‬يعيشون‮ »‬شقاء‮« ‬أو معضلة تخلف وانهيار حضاري‮ ‬وفكري‮. ‬ليس من حل أمام المجتمعات التي‮ ‬تفتقد لأدنى شروط العيش الكريم،‮ ‬وفي‮ ‬ظل التسلط المطلق للذكورية،‮ ‬سياسيا واقتصاديا واجتماعيا،‮ ‬سوى البحث عن الإجابات الجاهزة،‮ ‬في‮ ‬تعمد واضح إلى تنحية أي‮ »‬سؤال‮« ‬يبحث عن حقيقة وماهية القضايا التي‮ ‬تتخبط فيها‮. ‬ إذا كانت المرأة،‮ ‬ماتزال تقبل بالدور التقليدي،‮ ‬على الرغم من محاولاتها المتعددة للبحث عن أفق متحرر‮ – ‬بشكل محتشم وخجول‮-‬،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يعود إلى طبيعة التفكير الذي‮ ‬يحكم نظرتها للأشياء،‮ ‬وللعلاقات،‮ ‬وللعالم‮ ‬والتي‮ ‬جميعها تبقى تشتغل في‮ ‬إطار ما هو ديني‮ ‬إسلامي،‮ ‬وبالضبط من منظور فقهي‮ ‬معين‮. ‬ وقد دافعت منى فياض كوثراني‮ ‬عن الحجاب،‮ ‬باعبتاره صيغة من صيغ‮ ‬الوقوف في‮ ‬وجه الهيمنة الثقافية والاقتصادية حيث كتبت في‮ ‬مقال ب‬صحيفة السفير اليومية (لبنان، 1985) ‬ ‮ قالت فيه إنّ “‬الطريقة المثلى للسيطرة علينا هي‮ ‬تدمير معتقداتنا الثقافية والدينية،‮ ‬بحيث أصبح المؤمن‮ ‬يعرف بـ‮ »‬المتعصب‮« ‬ وقد تم ذلك لتمكين الغرب‮ ‬من‮ ‬غزو ديارنا واختراقها بالسلعة الاستهلاكية،‮ ‬وتحويل دولنا إلى أسواق‮. ‬وقد أدى ذلك إلى تبعية سياسية واقتصادية وإلى ضياع الهوية الثقافية التي‮ ‬استبدلت بـ‮ »‬الحداثة‮«. ‬إن الشرقي‮ ‬لن‮ ‬يقدم على شراء تلك السلع المتنوعة‮ -‬من ملابس،‮ ‬وسيارات وأجهزة كهربائي،‮ ‬وأطعمة جاهزة،‮ ‬وأثاث وغيرها‮- ‬ما لم‮ ‬يقتنع بأنه في‮ ‬حاجة إلى ثقافة‮ ‬غير ثقافته،‮ ‬وبأن هذه الثقافة تمثل‮ “‬الحداثة‮” ‬في‮ ‬حين تمثل ثقافته التخلف‮ «. ‬كما‮ ‬يذهب آخر إلى الكشف عن حقيقة التآمر الغربي‮ ‬والقضاء‭ ‬على الإسلام كقوة وهوية،‮ ‬معتبرا بأن‮ »‬الذين استعمروا الشرق الإسلامي‮ ‬يدركون جيدا هذه الحقيقة‮. ‬فهم لايخشون شيئا قدر خشيتهم من قيام حركة إسلامية تعيد ربطنا بتاريخنا وتشدنا مباشرة بطبيعتنا وميولنا وتطلقنا لتحقيق واجبنا على نحو‮ ‬يعيد إحياء أيام مجد الحضارة الإسلامية،‮ ‬الأيام التي‮ ‬قهرنا فيها سطوة التتار وأطفأنا نورهم وواجهنا الغزو الصليبي‮ ‬ودمرناه وغسلنا رجسه. ” (محمد الغزالي، من هنا نعلم، دار الكتاب الحديثة، 1370 هـ، ص 11)

‮‬ إذن،‮ ‬لم‮ ‬يتم التعامل مع الواقع العربي‮ ‬الإسلامي،‮ ‬من زاوية نظر موضوعية ذات منحى عقلاني‮ ‬عن طريق المساءلة والنقد،‮ ‬وإعادة افتحاص القضايا،‮ ‬ومحاولة فهم المفكر واللامفكر فيه من قبل الأخر، بل ظل الوضع على ما كان عليه الأمر في‮ ‬السابق،‮ ‬بكون الإنسان المسلم دائما مستهدفا في‮ ‬عقيدته،‮ ‬وتبعا لذلك فإن الدعوة الغربية إلى نزع الحجاب وتقييد الطلاق وتعدد الزوجات ظلت جميعها أمورا تفهم على أنها نابعة من هذا المصدر،‮ ‬أي‮ ‬من الرغبة في‮ ‬امتصاص قوة الشعب المسلم،‮ ‬لذلك فإنه لازال‮ ‬ينظر إلى الغرب كمحتل ومستعمر سابق،‮ ‬لكونه مسكونا بهوس إضعاف المجتمعات المسلمة بأدوات مختلفة عن السابق (انظر إيفون يزبك حداد، الإسلام والجنوسة : معضلات في العالم العربي المتغير)، ‬أي‮ بالحرب الفكرية التي‮ ‬تنصب حول الدين،‮ ‬بعد أن فشلت حملاته العسكرية والمسلحة‮ . ‬وهذا ما‮ ‬يفسر،‮ ‬حاليا،‮ ‬الشكل المتزايد الذي‮ ‬يتم به طرح القيم الإسلامية السلفية المتعلقة بمكانة المرأة ودورها،‮ ‬ودورالأسرة،‮ ‬والنظام الاجتماعي‮ ‬ليس لأنها الحل السماوي‮ ‬للإنسانية وإنما لكونها آخر معالم المقاومة ضد التهديد اللامنقطع الذي‮ ‬برز مع التحولات العالمية التي‮ ‬انتقلت إلى أفق وعي‮ ‬مغاير‮ ‬يصعب مواكبته،‮ ‬و إدراكه أو فهمه،‮ -‬بالنسبة للعربي‮-‬المسلم،‮ ‬فأحرى تطويره وتقويضه‮.‬ غير أن ما‮ ‬يثير،‮ ‬هو هذا الخلل الذي‮ ‬يتمظهر به الجسد الأنثوي‮ ‬العربي‮/‬الإسلامي،‮ ‬فهو مشدود إلى القيم القديمة،‮ ‬معلنا بذلك عن انتمائه إلى دائرة دينية لها مرجعيتها،‮ ‬كاشفا عن السلط التي‮ ‬تخترقه وتعيد إنتاج دلالته،‮ ‬ولكنه في‮ ‬الآن نفسه‮ ‬يطمح إلى الاستفادة من دائرة التحرر التي‮ ‬يستمد منها الجسد الغربي‮ ‬انتماءه‮. ‬يقول فوكوياما إن المتعصبين ‬الدينيين‮” ‬يحاربون الغرب،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬يريدون أن‮ ‬يكونوا مثله،‮ ‬وهذا ما سبق لماركس أن سماه‮ »‬أسلوب الإنتاج الشرقي” ‬الذي‮ ‬يتميز بالهشاشة والذي‮ ‬لاينتج‮ ‬غير النظم اللاعقلانية‮. ‬ولهذا وجدنا البعض‮ ‬يرى أن‮” ‬أغطية الرأس والجسم التي‮ ‬تصنع في‮ ‬عواصم الغرب وتغزو أسواقنا وبيوتنا لم تصنع لحماية تراثنا،‮ ‬بل للسخرية من ديننا وإرثنا وعاداتنا”(محمد عبيد، تعليق ضمن كتاب “المرأة ودورها في الوحدة العربيّة”، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1982، ص 258)

لقد اتخذت النقاشات‮ ‬حول المرأة‮ ‬الإطار الديني‮ ‬كإطار مرجعي‮ ‬مغلق لا يقبل أي‮ ‬تجاوز،‮ ‬ولذلك تداخلت معه عدة هياكل لها صلة بالهوية الثقافية،‮ ‬والمحافظة على خصوصيات الذات في‮ ‬مقابل الآخر، فجلّ اللواتي‮ ‬يلجأن إلى الحجاب،‮ ‬يأتين من خلفية لاعقلانية،‮ ‬تنضبط وفق قواعد المنطق الديني‮ ‬البسيط‮. ‬خصوصا إذا نحن عدنا إلى ظاهرة الدعاة والوعاظ الذين‮ ‬يلجأون في‮ ‬خطاباتهم البسيطة،‮ ‬إلى درجة الصفر في‮ ‬الوعي‮ ‬الديني،‮ ‬بمعنى تغييب كل حس عقلاني‮ ‬ونقدي‮ ‬بالخطاب الديني‮ ‬المتنور الذي‮ ‬يتعالى على قضايا‮ الحجاب. فظاهرة الدعاة والوعاظ الجدد،‮ ‬والذين لا‮ ‬يتوقفون عن التشديد على ارتداء‭ ‬الحجاب،‮ ‬هي‮ ‬دعوة دونكشوتية،‮ ‬تسعى إلى معالجة القضايا الوجودية والحضارية الكبرى،‮ ‬بأدوات صدئة وغير مجدية على الإطلاق‮. ‬لكن‮ ‬غياب المساحات العقلانية بالشكل الذي‮ ‬يجعل العقل النقدي‮ ‬يشتغل هو الذي‮ ‬جعل نمطا من الخطاب‮ ‬يشيع مشتعلا كالنار في‮ ‬الهشيم‮ . ‬لذلك،‮ ‬نعيد هنا طرح سؤال‮ ‬يظل في‮ ‬حاجة إلى التأمل‮: ‬لماذا تلجأ النساء إلى ارتداء الحجاب بمجرد ما‮ ‬يستمعن إلى شريط،‮ ‬أو‮ ‬يشاهدن على قناة داعية‮ ‬يدعو إلى ارتدائه،‮ ‬في‮ ‬حين لا‮ ‬يؤثر الخطاب الذي‮ ‬يدعو إلى التحرر من مظاهر الزيف،‮ ‬والعمل على تأصيل قيم إنسانية متزنة؟

الظاهر أن العقل العربي،‮ ‬في‮ ‬مجمله،‮ ‬يتميز بنوع من الكسل والفتور‮. ‬فهو منذ أن سُد باب الاجتهاد،‮ ‬أنهى معركته مع الواقع،‮ ‬وأنهى قضية‮ “‬السؤال‮” ‬وصار تعامله مع الخطاب التراثي‮ ‬بمجمله،‮ ‬تعاملا سلبيا،‮ ‬أي‮ ‬إنه‮ ‬يتلقاه بعماء،‮ ‬من دون أن‮ ‬يناقش أو‮ ‬يجادل‮. ‬إنها سلطة المقدس،‮ ‬وسلطة التراث‮. ‬فلا‮ ‬غرابة فيما‮ ‬ينتجه الواقع الراهن من مظاهر التنافر والمفارقات الصارخة،‮ ‬التي‮ ‬تثقل الواقع العربي‮. ‬وكما سبقت الإشارة،‮ ‬إن الجسد المحجب،‮ ‬في‮ ‬الشارع العربي،‮ ‬يكشف عن العديد من الاختلالات والتناقضات،‮ ‬فهو‮ ‬يعلن عن الالتزام،‮ ‬في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يصرخ في‮ ‬وجه التقليد وينتفض عليه متحررا عن طريق استعماله للجينز،‮ ‬مثلا،‮ ‬الذي‮ ‬يحمل دلالات الليبرالية والتحرر،‮ ‬بل إنه‮ ‬يمثل رمزا للبرالية،‮ ‬مثله مثل الكوكا كولا‮. ‬وهذا ما حدا بالبعض إلى التوجه باللائمة على الإسلام،‮ ‬باعتباره مصدرا،‮ ‬بل وآلة لإنتاج نمط من الفكر البائس حول المرأة،‮ ‬وهو الذي‮ ‬يكرس السلطوية الذكورية وهيمنتها‮. ‬وقد تمكنت أميرة الدرة من التصريح مباشرة حول خطورة الدين باعتباره‮ “‬سلاحا قويا وشديد الخطورة،‮ ‬سيفا ذا حدين‮. ‬صحيح أن تخلف الفرد العربي‮ ‬ذكرا كان أم أنثى‮ ‬يعود إلى جذور كثيرة،‮ ‬إلا أن الجذر الأساس هو الدين‮. ‬فمنه جاءت التقاليد،‮ ‬والعادات،‮ ‬والممارسات التي‮ ‬تحكم الفرد العربي،‮ ‬وإن له قيودا قوية تشد إلى وراء المرأة العربية على وجه الخصوص حيث تجد في‮ ‬بعض الأحيان أنها تعتبر مالكة لنصف عقل ونصف دين‮. ‬وفي‮ ‬حالات أخرى تكون ضلعا من ضلوع الرجل وهي‮ ‬خبيثة في‮ ‬كل ما تفعله،‮ ‬مهووسة بما هو محرم‮. ‬وما لم نجد تفسيرا حديثا جديدا للدين،‮ ‬وطريقة لإبعاد الدين عن تشكيل الفرد العربي،‮ ‬فإننا لن ننجح في‮ ‬تغيير الهياكل الاجتماعية” (أميرة الدرة، “المرأة ودورها في حركة الوحدة العربيّة، مركز دراسات الوحدة العربية، 1982، ص 82)

فالمنظور الديني‮ ‬جعل من المرأة مرتعا للتناقضات،‮ ‬وهو ما‮ ‬يوحي‮ ‬بازدواجية الثناء والإزدراء،‮ ‬الرفع من قيمتها وإذلالها،‮ ‬وهي‮ ‬ازدواجية‮ ‬يراد منها تكريس وضعها الراهن‮. ‬والوعاظ حين‮ ‬يتحدثون عن المرأة،‮ ‬فإنهم‮ ‬ينطلقون دائما من أن الإسلام قد كرمها وأعلى من شأنها،‮ ‬وجعل الرجل نصفها الآخر الذي‮ ‬من واجبه أن‮ ‬يتكفل بها،‮ ‬وذلك في‮ ‬سبيل المحافظة على الأسرة وعلى استقرارها،‮ ‬لكن سرعان ما‮ ‬يتراجع هذا التكريم،‮ ‬بمجرد ما‮ ‬يتم البحث في‮ ‬الجوانب الأخرى المختفية من وراءه،‮ ‬لذلك فإن ارتداء الحجاب‮ ‬يقع عند نقطة التقاء بين إنكار الجسد واتهامه،‮ ‬وبين الاهتمام المفرط بالجسد والخطر الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يلقيه على‭ ‬المرأة نفسها كما على الآخرين‮…

‬يفترض لها أن تكون ذات مظهر متقشف،‮ ‬وأن تكون متوجسة وعدوانية إزاء الآخرين وإزاء دوافعهم المحتملة وأن تقلل إلى الحد الأدنى الاختلاط بالرجال‮. ‬إلا أنها في‮ ‬الوقت ذاته‮ ‬يفترض أن تتصرف كأنثى كاملة جنسيا مع زوجها‮. ‬ويتوقع من المرأة أن تجمع النقيضين‮:‬‭ ‬العفة والنشاط الجنسي‮ ‬الرغائبي‮. ‬عليها باستمرار أن تعاكس مظهرها المتواضع،‮ ‬بل والكئيب وتثبت لزوجها أنها امرأة مرغوب فيها، لهذا تبقى‭ ‬المرأة حبيسة عدة شروط متوارثة،‮ ‬وقد صارت مزمنة،‮ ‬وتدفعها إلى القيام بدور الخنوع،‮ ‬وأن تبقى مجرد أداة،‮ ‬وهي‮ ‬في‮ ‬ذلك تشعر بالراحة لأنها مستعدة نفسيا للعب هذا الدور‮ . ‬لكن وعيها‮ ‬يجعلها‮ ‬غير راضية،‮ ‬الأمر الذي‮ ‬يدفعها إلى الوعي‮ ‬بحقوقها،‮ ‬فيتكلم الرجل عن تحريرها وعن المساواة،‮ ‬لكنه‮ ‬غير قادر على التنازل عما حققه من امتيازات طوال تاريخه الثقافي‮.‬

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق