حين أضعت الفرصة

كثيراً ما حاولت تحليل سبب ضيقي من مقال “سقط عتب” يكتبه كاتب معروف، أو من أغنية هابطة تؤديها واحدة مشهورة، أو من كتاب سخيف تنشره كاتبة مدعومة، جرّبت أن أحلّل سبب ضيقي، وفكّرت أنّه ربّما ما ينتابني هو فقط شعور بالغيرة، لأنّني لم أستطع أن أتمركز في تلك المنطقة التي استطاع بعضهم وبعضهنّ “الله يلعنهم” الوصول إليها ولم يعد أحد يستطيع أن يزحزحهم ولو سنتيمترا واحدا كي يستعير أمثالي المحلّ ولو لساعة واحدة.


وكثيراً ما استسلمت للانغمار بسبب تحليلي هذا الذي وصل حدّ الجَلد، بل وأوغلت في الانعزال أكثر. حتى لم أعد أفهم سبب إيغالي هذا.. أو اكتشفت أنني لا أريد أن أكون في منطقة الوسط يعني نصّ ونص. ولكنّ اللعنة ماذا يوجد هنا في القبو، غير العتمة. وبالنتيجة أدركت أنّ سبب الأمر بصراحة هو حجر كبير وأكبّره، أحمله كلّ يوم على ظهري وأريد أن أصعد به، وحين لا أنجح لأنّه ثقيل جداً أبقى في مكاني وأستقيل الهمّ.


طلب إليّ مركز الترجمة في ستوكهولم ترشيح ثلاثة أعمال أدبية سورية قرأتها وتأثّرت بها، عبر مقال يتناول الكتب وكتابهم، وذلك لتنال فرصة الترجمة إلى اللغة السويدية.


بالطبع كان الأمر للوهلة الأولى مفرحاً، إذ يجد المرء نفسه في موقع الثقة. وحين سألت عن سبب اختياري، قالوا لأننا أحببنا ما تكتبين.


وحين قالوا لي جملتهم هذه شعرت أنّ ضوءاً مبهراً سقط عليّ. فاستأذنت وخرجت. بصراحة هربت.


وزاد ثقل الحجر. وأكلت “همّا” حتّّى شبعت.


أعمال أدبية سورية قرأتها وتأثّرت بها! هناك أعمال سورية قرأتها وتأثّرت بها، ولكن هناك بعض الأعمال بالتأكيد لم أسمع بها ولم أبحث عنها! إذن الأمر ليس سهلاً، كيف أنتقي فقط من قراءاتي وممّا وقع تحت يديّ ومما علق في الذاكرة؟ قد لا أكون عادلة.

ورحت أراسل أهل الثقة من الأصدقاء وأطلب منهم المشورة. ووصلتني الردود. كانت الترشيحات التي وصلتني متنوّعة ومختلفة أشدّ الاختلاف. ومعظم الأعمال التي رشّحوها لي، إمّا أني لم أقرأها أو أنّي قرأتها ولم أتأثّر بها. ماذا نفعل الآن؟


جاءتني همسات من أصدقائي الكتّاب المغمورين أمثالي: هذه فرصتك. وكاد أحدهم أن يلحق جملته ب”يا هبلة”، رشّحي كتّاباً يمكن أن يرشّحوك أيضاً للترجمة إلى لغات أخرى.


داعبتني الفكرة، نعم! هذه فرصتي أتت إليّ وعليّ أن أستغلّها.


وحلمت وحسبت، لدي الآن ثلاث فرص لترجمة رواياتي، وربما إذا اخترت كتّاباً أقوياء جدّاً، ليس بالكتابة ولكن “بالعلاقات”، سوف أضرب عدد اللغات التي سأترجم إليها بثلاث، يعني سوف تترجم كلّ رواية إلى ثلاث لغات. وبالتالي تسع فرص. لا أدري إن كان حاصل الضرب صحيحاً. وفكرت لِمَ لا أضرب ضربتي؟


لم أنم الليل من التفكير بحاصل الضرب هذا. وقرّرت أن أجرّب الفساد ولذّاته.


ورحت في اليوم الثاني أفكّر بطريقة أخاطب بها الأخطبوطات وأنا أقدم رشوتي لهم. إذ إنّ طريقة تقديم الرشوة أهمّ بكثير من قيمتها. والأمر يحتاج أيضاً إلى موهبة. خصوصاً مع هؤلاء، أهمّ أدواتهم الكلام، فالراشي والمرتشي هنا ومن بينهما يحتاجون  موهبة يتبادلونها تخفّف عن الطرفين وجع بقايا الضمير.


ومضيت، وبدل أن أنصرف لكتابة مقالي وأتغزل باللغة الأدبية السورية التي قرأتها وتفاعلت معها، رحت بتثاقل وقلّة موهبة، أجرّب صياغة عبارات أخاطب بها المرتشين، أنا التي سأكون الراشية. وتحوّل الأمر إلى عبء، ومحاولة شاقّة وفاشلة، ومن ثمّ إلى عذاب وأرق.


عليّ ألا أضيّع الفرصة التي أتتني. إذ هكذا تستغلّ الفرص في الحياة. هكذا يقول من اغتنموا الفرص. أرشّح حوتاً فيرشّحني الحوت وأدخل عالم الحيتان.

هل أبدأ بالعزيزة أم بالعزيز، أأختم بالمحبّة والأشواق؟ أم بالقبلات؟ وكيف أطلب طلبي وأضع شرطي في الرسالة تلميحاً، وليس بطريقة فجّة كما أفكّر: “سأرسل إليك هدية قيّمة، ولكن عليك با آدمي ة ردّها بأحسن منها”


حاولت أن أستعرض طرق بعض الناس الذين عرفت ممن يتحلّون بموهبة اجتماعية هامّة في أوساط الثقافة وهي موهبة التلميح، صار عدد الرسائل المزمع إرسالها، والتي صغتها ومسحتها أكثر من عدد الكتّاب المشهورين. وعبثاً، لم أنجح في تغليف رشوتي بصياغة جملة تفي بالغرض.


التلميح، كيف يكون؟


اتّصلت بأمّي أسألها، كيف يكون التلميح، فظنّت الأمّ أنّي معجبة برجل وأفكّر أن ألمّح له بإعجابي، فأجابتني بخشونة: كلّ عمرنا دغري.


وضعت كلمة “التلميح” في قاموس اللغة والموسوعات، ولم يزدني البحث علماً.


أخذت أتابع لقاءات المشاهير وأحاديثهم “العمى بقلبهم”، وجدت أنّهم جميعاً يتحدّثون بالطريقة نفسها وأنّهم جميعاً يتقنون فنّ التلميح.


وأيقنت أنّ الأمر موهبة من عند الله، كثير يولدون بها وقليلون لا يولدون بها.


“فنّ انتهاز الفرص”، علم وموهبة على كلّ كاتب أن يتحلّى بهما، ومن غيرهما عليه أن لا يحلم أحلاماً صغيرة ولا كبيرة.


وفي الآخر. وحين داهمني الوقت وأنا أحاول أن أغتنم الفرصة وأكون راشية مهذّبة وألمّح تلميحاً بشرطي الفجّ، من دون فائدة. قرّرت وبفرح عظيم، أن أترك الفرصة وهمّ الفرصة، وأكتب مقالي عن أعمال قرأتها وتأثّرت بها وبالفعل أحببتها. فكانت الأعمال بالمصادفة لثلاثة كتب اثنان يعيش صاحباهما في قرى نائية لا تعرفن الانترنيت ولا يتواصل أدباؤها إلا مع أنفسهم وأدبهم. وكتاب ثالث صاحبه شابّ ما زال يعارك.

أرسلت مقالي، وتلقّيت مكافأتي من الجهة المعنية الشكر والتقدير.


وأصبحت حزينة لأنّي خسرت الفرصة الذهبية.


فهل لدى الحيتان وصفة أتناولها فأصبح بارعة باغتنام الفرص وموهوبة بفنّ التلميح؟


ملاحظة: بعد أن قرأت مقالي هذا أحسست أنّي تعلّمت كيف يكون التلميح ونجحت به. صحّ؟ 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق