حين الهوية غاية وليست ابتداءً / وضاح شرارة

جددت عبارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، «إسرائيل دولة الشعب اليهودي»، جواباً عن «حل الدولتين»، دولة فلسطين ودولة إسرائيل، الذي استأنفه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، مناقشة وخلافاً قديمين وتقليديين، ناشبين في صفوف اليهود أولاً. وهما نشبا منذ أوائل القرن التاسع عشر بأوروبا، غربها وشرقها، وصحبا الحركات الوطنية القومية الأوروبية، واستقرار الدول ـ الأمم في أوقات متفرقة، وبلورة الحركات والدول روايات «تاريخية» وأسطورية ترسي الهويات والهيئات والأبنية والسياسات والحدود على ركن مكين. وبلوغ المناقشات والخلافات، في أواخر القرن التاسع عشر، صيغة «دولة اليهود» لم يتوج بالإجماع. وانقسم عليها يهود أوروبا، جمهوراً ونخباً، انقساماً خلف أثره في الأعمال التاريخية، على نحو ما استبقت الأعمال التاريخية الانقسامات، وغذت بعضها بالحجج والأفكار والمسوغات.

[الدولة والمواطنون
والانقسام السياسي، اليوم، يتناول مسائل وقضايا في صدارتها مسألة صفة الدولة الإسرائيلية، ومحل مواطنيها («اليهود») الذين لا يرتضون ديانتهم أو ديانة آبائهم ركناً أو أساساً تنهض عليه مواطنتهم (مواطنيتهم)، ويعرفون أنفسهم مواطني دولة وطنية قائمة نشأوا فيها، ويتحدرون من رسومها السياسية والاجتماعية والثقافية. وهم يشاركون في الرسوم هذه من غير سند المعتقد، ولا سند الرواية «التاريخية» المتصلة. وهذه تنسبهم، من غير انقطاع إلى أسلاف أرومتهم واحدة، وتفرقوا في أصقاع الأرض، والتأم شملهم من جديد، وهم على انتسابهم الى جدودهم، أصلاباً ومعتقداً. وإلى هؤلاء، ثمة اليهود من غير المواطنين. ويفوق عددهم عدد المواطنين. ومعظم، أو شطر راجح منهم، لا يشرك في ولائه لدولته الوطنية دولة أخرى. والشطر هذا لا ينكر رابطة أو روابط كثيرة، خاصة، بدولة تضوي اهلاً وأصدقاء وجماعة وطنية وثقافية، يميل إليها، وينكر على منكري حقها في الدوام مقالتهم، ولكنه لا ينوي «العودة» إليها، ولا يرى مسوغاً ليقين سياسييها تمثيل اليهود جملة، ولتوقعهم، عاجلاً أم آجلاً، انخراطه في ركب الإسرائيليين «بالفعل».

والشطر الثالث هو الفلسطينيون. وهؤلاء ينقسمون ويتميزون. فبعضهم، على ما يسر بعضهم ويعلن بعض آخر، فلسطينيون إسرائيليون، على رغم وقع الجمع المدوي بين النسبتين. وبعضهم عرب إسرائيل. وإلى أي مذهب ذهب الفلسطينيون المقيمون بأراضي الدولة الإسرائيلية، في «حدودها الدولية» (المتنازعة) التي استقر الاعتراف الدولي بها، ونجمت عن «حرب الاستقلال» ـ وهي نفسها «النكبة»، المحظورة لفظاً منذ ايام ـ، وحملوا انفسهم على أهل البلاد الأوائل والأصليين ام على قلة قومية في دولة وطنية، فهم (الفلسطينيون) مسألة، أو قضية سياسية وحقوقية. وقد يرجأ حلها من غير ان تكف عن الإلحاح. فلا يسع الدولة، على المثال الديموقراطي والليبرالي والعلماني المشترك فكراً ومنزعاً، التخفف من هذا الشطر من مواطنيها أو من تبعات مواطنته السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية. والافتراض «العربي» الرائج يخص الشطر الثالث بالانتباه والاهتمام، وهو يحظى وحده ببعض الإصاخة والسمع. والدعوة القوية التي أحياها أو بعثها تضامن «عرب 1948»، أو فلسطينيي إسرائيل، مع «إخوانهم» المنتفضين في 1987، وسبقه التحام الفلسطينيين بشطري 1948 و1967، غداة انتصار إسرائيل على الدولة الأردنية، في كيان متصل وواحد على ما لاحظ مكسيم رودنسون يومها ونبه -، هذه الدعوة الى إقرار الدولة الإسرائيلية بمواطنيها كلهم، تمثيلاً وحقوقاً، لا راد لها.

وهي لا راد لها من داخل المنطق الديموقراطي والليبرالي والعلماني، الغربي (الى اليوم). وينازع المنطقَ هذا منطق «قومي» يزعم للقوم، أي للجماعة القومية أو الأمة الإثنية العرقية أو العصبية الاعتقادية التي ينحاز إليها ويقدم لحمتها على وحدتها السياسية المتنازعة والمتجددة، يزعم لها جوهراً لا تعلق له بالحوادث، ولا بعوامل الفرقة. ويجتمع المنطقان من غير ائتلاف في نصين دستوريين إسرائيليين واضحين. فيذهب إعلان الاستقلال، في 1948، الى «تعهد دولة إسرائيل إنماء البلد على نحو يعود بالمنفعة على سكانه كلهم، على أسس الحرية والعدالة والسلام التي علمها انبياء إسرائيل. وتتولى الدولة مساواة تامة بين مواطنيها كلهم في الحقوق الاجتماعية والسياسية، من غير تمييز في المعتقد والعرق والجنس. وتضمن حرية الضمير والعبادة والتربية والثقافة لهم»، على المثال نفسه. وحين يتطرق القانون الأساسي، في باب «الكنيست» المادة 7أ، في 1985، الى ما يلزم اللوائح الانتخابية لتستوفي شروط الترشح والمنافسة، والحق في المشاركة في الهيئة التشريعية وعملها، يشترط عليها ألا تؤدي غاياتها التي تسعى فيها، ولا أعمالها الصادرة عنها، الى واحدة من الوقائع الثلاث: الطعن في (وجود) دولة إسرائيل بما هي دولة الشعب اليهودي، أو إنكار صفة الدولة الديموقراطية، أو الحض على العنصرية.

وتنقض مادة القانون الأساسي حقوقاً ديموقراطية مضمرة أو معلنة قد لا يحدس اصحاب المنطق القومي في جواز ان تخطر ببال «عاقل» أو سوي. فهي تدفع الحق في الانفصال عن الدولة، والتشكك في «طابعها» الوطني أو القومي واقتراح صيغة اخرى للصفة الوطنية (على ما يناقش، اليوم حزب المجتمع الديموقراطي الكردي التركي ويجادل رئيس الجمهورية التركية ووزير الداخلية، وقيادة الجيش من طرف آخر. ويصدق مثله، ربما على سبيل الرغبة أو التطلع، على بربر الجزائر والمغرب، وعلى أفارقة جنوب السودان ودارفور، وعلى كرد العراق وسوريا وإيران، وعلى غيرهم). وهذه حقوق لا تسكت عنها الدساتير ولا الأعراف السياسية الديموقراطية. ولا ريب في ان الدول الديموقراطية والليبرالية العلمانية تحظر، قانوناً وفعلاً، إنكار الهيئات الديموقراطية والقيام عليها باليد و «السيف»، أي بالعنف، شأنها في الدعوة الى العنصرية، وتحكيم العرق في السكن والتدريس والعمالة. ولكن مجتمعات هذه الدول، وبعض هيئاتها السياسية والإدارية والبوليسية أو بؤراً منها، تتنازعها نوازع وأحزاب استبدادية عضوية (فاشية). وتنشب معاييرُ التمييز، في نواح وجماعات من مجتمعات الدول هذه، مخالبها القاسية والدامية. وعلى رغم ركوب النوازع هذه ميولاً غير سياسية، واستقوائها بأهواء تقوض روابط السياسة وميزان خلافاتها، تلتزم الدول الديموقراطية والليبرالية معالجتها والرد عليها، بإجراءات انتخابية ومالية وقضائية ما لم يتعدَّ اصحاب النوازع الرأي الى العنف المنظم والقسر والإكراه.

[الشعب… جذماً و «فولك»

ويعيد أحد المؤرخين الإسرائيليين البارزين، ومدرس التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب، شلومو ساند، المسائل الناجمة عن الفرق بين مبادئ إعلان الاستقلال وبين شروط القانون الأساسي على اللوائح الانتخابية، الى تعريف الهوية الإسرائيلية، وإلى حدِّ هوية اليهود في علاقتهم بالدولة الفتية (كيف صنع الشعب اليهودي، 2008، دارفايار، باريس، نقلاً عن العبرية). فهو يخلص، في ختام احتجاج تاريخي مفصل، الى ان الحركة الصهيونية اضطلعت بأمر يكاد يكون ممتنعاً، هو صهر وحدات قومية «إثنية» كثيرة، وجماعات ثقافية ولغوية متفرقة المصادر، في «شعب» أو جذم ونسب واحد ومتجانس.

ويقتضي هذا، على ما حسب دعاة القومية «اليهودية» مقتفين خطو ونهج الدعاة القوميين الأوروبيين، اصلاً واحداً يتحدر منه «شعب» لا يأتيه الفرق أو التباين من خلفه أو قدامه. وذلك على معنى العائلة أو الرهط الأضيق الذي يرى نفسه «نازلاً» من صلب ضاو ومجتمِع، ومتخففاً من الخؤولة الغريبة والمفضية الى الأمة، على ما لاحظ ماسينيون، وإلى الأهل «المؤلفين»، ركن السياسة العربية والنبوية معاً. وفي هذا السبيل، استعار المؤرخون القوميون اليهود، الأوروبيون ثم الإسرائيليون، الفكرة «اليهودية ـ المسيحية» القديمة، و «أرخوا» الحوادث والوقائع اليهودية على رسم شتات أزلي (ص 355 من كتاب شلوم ساند). ودعاهم رسم الشتات المتفرع على اصل واحد هو نطفة «سبط الأسباط»، إلى إغفال أو نسيان الداخلين الكثر في اليهودية، الذين «هادوا» على العبارة القرآنية. وهؤلاء كانوا هم الشطر الأعظم من اليهود طوال القرون الأولى. واعتناقهم «دين موسى» جدد الجماعة الأولى، وأحياها عدداً وثقافة أو روحاً.

واستتبع الانتهاج على مثال «الفولك» الألماني، أو «النارود» البولندي والروسي، إلغاء الفروق الاجتماعية والثقافية الملتبسة بكيان الجماعات الوطنية، ونسيان تواريخها الخاصة، ورميها جميعاً في لجة زمن اسطوري وديني مرجعه هو التوراة. وعلى خلاف القوميات السلالية والقارية، على ما تسميها حنة أراندت ـ وهي تعزو إليها نمطاً من الإمبريالية نابذاً وغير ساع في الدمج ومفرقاً – ينفرد «الشعب» اليهودي بالرحلة والبدو من غير آصرة بالأرض التي ينزلها ويحلها. وعلى هذا، تستأنف الحركة القومية الصهيونية رسم اليهود في مرآة من يكرهونهم ويضغنون عليهم من اهل القوميات الناشئة (والمتعثرة) في أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية، مقلوباً. فأهل القوميات العصبية هذه، وهم صبوا ضغينتهم في قالب قصصي أسطوري عرف باسم «بروتوكولات حكماء صهيون» (وهي من صنع أحد ضباط «الأوكرانا» الروسية القيصرية)، يرمون اليهود بالحرص على وحدة وعزلة حصينتين هما معقل تآمر «مركزي» وبوليسي على شعوب الأرض كلها. وتستعيد الحركة القومية اليهودية المثال القومي والشعبي الأوروبي المعاصر، وتؤيده برافد ينبع في «ارض» يهودية هي «الحِدَةُ الموسوية» (أو «التمايز الموسوي»)، على ما سماها المؤرخ الألماني يان آسمان في كتابه «موسى المصري» (1997).

واقتضى هذا، بديهة، وقتاً طويلاً ومتعرجاً تولى في غضونه عدد من المؤرخين والمثقفين والدعاة بلورة رواية «تاريخية» تدرس اليوم في مدارس الدولة العبرية ومعظم مراكز بحثها، هي بمنزلة الرواية الرسمية. والإجراءات التعليمية الأخيرة، مثل تسمية المواضع والأماكن بالعبرية وإلغاء اسمائها العربية المتداولة وإلزام التلامذة والطلاب العرب في المدارس الإسرائيلية إنشاد النشيد الوطني الإسرائيلي، الى حذف الدلالة على 1948 بالنكبة، جزء من سياسة الهوية هذه، واستطراد في الدائرة العربية أو الفلسطينية لنهج التوحيد والدمج والاتصال الذي تقدم تعريفه ووصفه. وورث المنهاج المدرسي الإسرائيلي ثمرة أعمال «التأريخ» المتعاقبة منذ اوائل القرن التاسع عشر بأوروبا، والمتلبسة التباساً قوياً بالحركات القومية القارية و «تواريخها»، من وجه، وبالمنازعات الدينية المسيحية، وخلافات الجماعات والفرق على علاقة المسيحية باليهودية، والأناجيل بالتوراة، والكنيسة بالاصطفاء، من وجه آخر.

وأوائل من أرخوا، على معنى: رووا أخبار «أمة» اليهود أو اليهود بما هم أمة، من مريدي الإصلاح البروتستانتي. فعمد جاك باسناج، البروتستانتي اللوثري الفرنسي والمقيم بروتردام، مهجر اللوثريين والإنجيليين الفرنسيين المضطهدين غداة إبطال خط أو فرمان (براءة) نانت، الى كتابة «تتمة» مصنف فلافيوس جوزيفه، مؤرخ دمار الهيكل الثاني في 77 للميلاد، في «الآثار» اليهودية القديمة، على معنى الآثار العريض. فكتب باسناج، في 1706 1707، «تاريخ ديانة اليهود منذ يسوع المسيح الى يومنا، وهو تتمة تاريخ جوزيفه». ولا يثبت المؤرخ اللوثري الفرنسي اتصال الجماعات اليهودية المعاصرة بالعبريين القدماء، وانتسابهم إليهم. ويذهب الى ان العهد القديم هو ملك «أبناء إسرائيل». والمسيحيون أولى بالاسم هذا من اليهود، بحسب تأويل شائع. واليهود أمة على معنى الملة. وتتناول روايته اضطهاد ملة اليهود، حيثما اقاموا، ويعزوه، على مثال معروف، إلى إنكارهم رسالة يسوع.

[التوراة فالمنفى

وجاك باسناج هو «أستاذ» المؤرخ اليهودي الألماني، إيزاك ماركوس جوست، أول من كتب تاريخاً «يهودياً»، على منوال تاريخ البروتستانتي الفرنسي المهاجر، وعلى خلافه، معاً. ففي 1820 طبع الجزء الأول، من تسعة أجزاء، من «تاريخ الإسرائيليين منذ زمن المكابيين الى يومنا». والكاتب ألماني ليبرالي ومتنور، أراد كتابه لبنة في بناء دولة ألمانية وطنية تضوي جماعاتها الدينية والقومية على قدم المساواة، على رغم روافدها المتفرقة. فالماضي اليهودي، على هذا، هو تقدمة اليهود الألمان الى المجتمع المشترك الآتي. وابتدأ جوست تاريخ اليهود، شأن ليوبولد زونز وأبراهام جيجير من بعده مباشرة، بالعودة من المنفى البابلي، أي بواقعة تاريخية لا شك فيها. وكان بعض كبار المدرسة اللغوية النقدية الألمانية أثبتوا ان الكتب «المقدسة» كتبها كتّاب كثر تعاقبوا على كتابتها في أوقات متأخرة، معظمها عاصر العودة من المنفى البابلي في القرن السادس (ق. م.)، وجاء بعدها.

وكان انقطاع حقبة المنفى من الحقبة العبرية القديمة والمفترضة، وهي حقبة هداية ابراهيم ثم نزول التوراة (سفر التثنية) على موسى بطور سيناء، ركن تاريخ اليهودية عن يد اوائل المؤرخين الألمان اليهود في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ويُعمِل المؤرخون، وجوست أولهم، هذا الانقطاع، على ما يقول ساند (ص 103)، في دمج الجماعات الوطنية والمحلية اليهودية في مجتمعاتها، وينفي عنها «غربتها» وعزلتها على رغم انفرادها بمعتقدات وشعائر على حدة. فاليهود متآخون في صَلاتهم ومعتقدهم، ولكن ولاءهم السياسي و «الحربي» لأوطانهم ودولهم. ولا يقطع «تاريخ الإسرائيليين…» في اصل اليهود الواحد والمشترك. والحق انه لا يناقش المسألة على نحو التخصيص، ولا يحمل، من وجه آخر، الجماعات اليهودية على أجزاء او «أعضاء» من شعب واحد. فليس ثمة «كيان سياسي أعلى» يفرق اليهود من غير اليهود، ويحجز بين هؤلاء وأولئك، ويحول، تالياً، بين اليهود وبين مساواتهم بالجماعات الثقافية والقومية الأخرى التي تضويها الدول الوطنية المعاصرة (يومها).

وطالما خلا ميدان التأريخ للكتاب والمثقفين اليهود «المتنورين» في غرب أوروبا ووسطها، بقيت اليهودية ديانة ومعتقداً جامعين، بديهة، ولا يستتبع جمعها إنشاء شعب على حدة أو قومية أجنبية. وتنكب الكتّاب والمثقفون هؤلاء اتخاذ التوراة، وقصصها، مرجعاً تاريخياً، من غير اعتبار إيمانهم أو شكهم. ولم يتوسل رجال الدين بالتاريخ وروايته الى تثبيت هوية لم تحوجها المجتمعات المنكفئة والمتماسكة الى المنافحة عنها، وتأييدها بالحجة. فهم، كذلك، لم يُعمِلوا التوراة في احتجاج تاريخي وثقافي محدث. وعلى خلاف جوست، الألماني وأصحابه الألمان مثله، أنشأ هينريش غراوتس، المولود بأراضي القيصر الروسي بشرق أوروبا، في كتابه «تاريخ اليهود منذ العصور القديمة الى يومنا» (1853- 1876) تاريخاً قومياً ويهودياً صرفاً. فحمل الشعب على معنى الأمة الحديث. وجمع حوادث التاريخ المتفرقة والمتناثرة في مجرى متصل. وحذف من السياقة الواحدة ما يشكل ضمه إليها من فروع متشابكة وملتفة، ويعصى ضمه التعليل السهل والمباشر. وعلى حين بقي كتاب جوست مرجعاً ترجع إليه النخبة اليهودية الألمانية، ويحظى بقبول متحفظ لا يدعو الى ترجمته الى لغات أخرى (فهو لم ينقل الى العبرية)، ذاع صيت كتاب غراوتس، ونقل الى عدد من اللغات الأوروبية، وإلى العبرية. وجعله «عشاق صهيون»، وهم أوائل القوميين الصهيونيين، مرشدهم وكتابهم.

وهذا صدى التربة التاريخية والاجتماعية الروسية، والأوروبية الشرقية، التي ترعرع فيها غراوتس، وخرج منها، على الأرجح. فتصورت اليهودية، أي حال اليهود، في صورة صفة لازمة وثابتة علقت بشعب عرق اقتلع من أرض كنعان، وجاب الأرض الى ان بلغ أبواب برلين. وآذنت رواية غراوتس بدمج الأسطورة المسيحية الشعبية التي تحمل اليهود على شعب منفي جراء «خطيئته» ومعصيته ونكرانه، في العقيدة الحاخامية المشيخية التي ترى يد العناية والمشيئة وابتلاءها في المنفى والشتات، وتقصر الخلاص على اليد وإشارتها. وعمد الكاتب «الشرقي»، رداً على جوست وزونز وجيجير، وعلى فصلهم التاريخ اليهودي من التمهيد العبري الإبراهيمي والموسوي، فدمج التمهيد القديم والسفر الملكي في صلب «التاريخ» اليهودي. ونفى عن اليهودية قصرها على حضارة دينية وحسب. ونصب اليهود «قبيلاً ـ شعباً»، على المعنى الألماني والروسي السلالي والنسبي، «خالداً». ونسبهم، من غير التواء ولا تقطع، الى «أجدادهم» الزاحفين من وراء النهر، و «العائدين» الى أرض كنعان حيث كان يقيم آباؤهم. وأحل هؤلاء، حين اجتمعوا، الشريعةَ السرمدية الموسوية في الجسم القبلي السرمدي، على تلخيص موريس هس لغراوتس في كتيبه، «روما وأورشليم» (1881).

[المنفى والشتات

والمنفى، بين العهد الملكي وبين اليوم ختام القرن التاسع عشر، أو أوائل القرن الواحد والعشرين في نظر من تسميهم انيتا شابيرا (مخيال اسرائيل، 2005) «الكنعانيين» ـ، على هذا، ليس بشيء، ولا يجدد في تعريف الهوية اليهودية ووجوهها. ولم ينتبه اصحاب المذهب «التاريخي» والأسطوري هذا الى معنى خسارة المنفى والشتات. فهي تخرج أهل المنفى والشتات، أي معظم اليهود، من التاريخ وحوادثه الاجتماعية والثقافية والسكانية والسياسية والاعتقادية، وتثبتهم على حال واحدة لا يزولون عنها، على ما «يراهم» أعداؤهم والساعون في استئصالهم. وهي تقضي في التاريخ عموماً، وليس في تاريخ اليهود وحدهم، بالخواء والعبث. وتستعدي الجماعات بعضها على بعض، وتحل علاقاتها بعضها ببعض في عداوة وضغينة لا قاع لهما ولا قرار. (وليس عسيراً الانتباه الى الشبه القوي بين هذه المقالة في التاريخ وبين مقالات الإسلاميين الإصلاحيين والإخوانيين والجهاديين، على حد مشترك يكاد يكون واحداً).

وينكر اصحاب الهوية القومية والعرقية المتصلة على المنفى ومنه وعلى الشتات ومنه، تهجينهما أهليهما و «خيانتهما» الأصل الواحد والواضح. ويتعقب شلومو ساند، في نحو 300 صفحة، روافد الاثنين، الشتات والمنفى، وإسهامهما في «تعقيد» تاريخ متشابك وملتف. فالآصرة اليهودية، على ما يرى مؤرخ تل أبيب، معنوية وثقافية أو رمزية فوق ما هي «وطنية إقليمية». وآباء التوراة، وأولهم رأس الآباء، ابراهيم، مهاجرون تركوا ارض المولد، أوركاسديم بين النهرين، في حال ابراهيم، وهاجروا الى الأرض «المقدسة» (ويلاحظ جان كريستوف أتيياس واستير بنباسا في عمل مشترك، «اسرائيل، الأرض والمقدس»، 1998، باريس أن رابطة القدس، أو المقدس، بالهجرة على وجهيها وجهتيها: إلى الأرض ومنها على أمل العودة ورجائها، وثيقة). وكانت أور هذه في القرن السادس ق.م. حاضرة تجارية وثقافية كبيرة. ويرجح ان يكون كتاب الأسفار والمجاميع التوراتية أقاموا بها في القرن المتأخر هذا، ورووا تاريخاً متخيلاً في منفاهم الذي لم يرضوا العودة منه، على مفترق الممالك والمساك العظيمة ومدنياتها ومعارفها ولغاتها. وكانت حبرون ارضاً طرفية وهامشية قياساً على ممالك ما بين النهرين، وفيها فارس التي دخلها اليهود «جاهلين وغليظي الطباع» فمدنتهم، على ما يقولون هم.

ويرجح ساند، على خطى باحثين وعلماء حفريات ومؤرخين جددوا دراسة «الأرض» الكنعانية والفلسطينية وجوارها المصري والمتوسطي طوال القرن العشرين، أن تكون مملكتي إسرائيل ويهودا، في الشمال والوسط، نشأتا من قيام «شعوب البحر»، والفلسطينيون واحد منها، على السيطرة المصرية، واندثار المدن الكنعانية القائمة في الأودية وتوطن جماعات رعاة قبلية، انقلبت الى الزراعة، محلها. وأتمت الجماعات المستوطنة والمندمجة في السكان المحليين، في غضون ثلاثة قرون، من القرن الثاني عشر ق.م. الى القرن العاشر، استقلالها عن المصريين، وإرساء مدينتين مملكتين صغيرتين ومحليتين في وقتين مختلفين. فقامت في الشمال على جبل كنعان، في أواخر القرن الثالث عشر ق.م. على ما تشهد مسلة ميرينبتاح، وسط عشرات من القرى الخصبة، مملكة «إسرائيل» (والاسم منقوش على المسلة). وكانت المملكة مزدهرة وخصبة في القرن التاسع، وكان الجنوب، على خلاف الشمال، فقيراً ومجدباً، ولم يرس بناء سياسياً متماسكاً وتواضعاً قبل القرن الثامن. وعلى رغم اشتراك الكيانين في لغات (لهجات) عبرية متقاربة، وفي تقاليد وسنن تكاد تكون واحدة، أقامت المملكتان على خلافهما وتنافسهما. وما يُنسب الى الجنوب، وهو مملكة داود وأسرته، من قصور ومبان عظيمة، يعود حقيقة، في ضوء الحفريات، الى مملكة الشمال وملوكها من آل أُمري على ما تشهد «المسلة السوداء» الأشورية ومسلة تل دان. ودان أهالي المملكتين بالوثنية، وعبدوا آلهة اعظمها يهوى. وأقاموا، على رغم تعظيمهم يهوى، على تقديم عشتروت. وبعض كتاب التوراة، من بعد، هم من اهل الجنوب. وحسدوا إسرائيل على قوتها وسلطانها، ونقموا عليها وثنيتها، واستعادوا اسمها القديم والمتألق من غير كتمان حفيظتهم وضغينتهم.

[روافد الخليط

ولا يفضي هذا الى إبطال روايات التوراة «التاريخية»، وإلى نفي قيام مملكة داودية وسليمانية واحدة، وحسب (ولا أثر لهجرة جماعة كبيرة من ارض مصر الى ارض كنعان عبر سيناء في أي وقت من الأوقات، بحسب الحفريات). فهو يثبت في «الأصل» القومي، أو المنشأ، خليطاً من طبقات سكان، وجماعات مولدة، ائتلفت تدريجاً من غير ان تمحو آثار روافدها. وهدمُ الهيكل الثاني، ويفترض انه مبتدأ المنفى والشتات «الكبيرين»، لم ينجم عنه اثر في عدد اليهود. فلم ينفك عددهم بفلسطين نفسها، وفي بلاد المشرق، من مصر جنوباً الى أنطاكية وجوارها اليوناني شمالاً، يتعاظم. ويخالف هذا فرضية نفي جماعي روماني أخرج السكان من أرضهم وبلداتهم وقراهم ورمى بهم في المنافي. ولم تنفك المدن اليهودية، غداة هدم الهيكل، تزدهر وتتسع وتشهد حياة دينية وثقافية غنية. ولم يكد ينقضي نصف قرن على ثورة الغلاة (في 77م) حتى «خرج» باركوخبا في 132. وقمع الرومان الانتفاضة قمعاً قاسياً. وسموا أورشليم اسماً رومانياً، آييليا كابيتولينا، والولاية اليهودية فلسطين. وحظروا على المختونين دخول المدينة طوال ثلاثة اعوام، وضيقوا على إقامة الشعائر. ولم يترتب على القمع والقهر والتضييق نفي جماعي. وهذا لم يكن من سنن الرومان، ولا كانت آلاته ووسائله المادية والتقنية في وسعهم ومتناولهم أو في وسع معاصريهم. فبقي اليهود والسامريون معظم سكان الولاية وكثرتها في اثناء جيل أو جيلين غداة بارخوشبا. وبلغت البلاد في عهد «ربي» (الحاخام) يهودا حناسي، حوالى 220م، ذروة «ذهبية»، زراعية ودينية ثقافية. فأُنجز «الجامع في الميشنا» وطبقاتها الست، وكتبت الأحكام والاجتهادات الشفهية. واضطلع جمع الميشنا بدور راجح في بلورة الهوية التاريخية يفوق اثر خروج بار خوشبا الخلاصي بمراحل. فلم يلِ تدميرَ الهيكل الثاني تشتتُ اليهود في أصقاع الأرض، عقاباً لهم على ضلوعهم المزعوم في «قتل» المصلوب والابن، على ما أشاعت الرواية المسيحية، وواطأتها الرواية اليهودية منذ القرن الرابع. فأوَّل التقليدُ المشيخي اليهودي المنفى، على معنى الحياة الزمنية بعيداً من الجوار الإلهي، تجوالاً وتنقلاً خارج الأرض المقدسة.
وأغضت الرواية الغالبة والسائرة، وهي استقرت في القرن السابع (م) تقريباً، عن انتشار اليهودية، قبل الميلاد وبعده، في بلاد كثيرة، بعيدة من المملكتين وقريبة. فشطر غالب من منفيي بابل لم يرجع الى أورشليم حين ألغى قوروش عهد النفي. وانتشر المتحدرون من المنفيين في بلاد ما بين النهرين، شرقاً في مملكة فارس، وشمالاً في بلدان الكلدان وأشور، وغرباً وجنوباً في بلاد النبط والعرب. وأوت مدن سورا ونهارديا وبومبيديتا مدارس توراتية زاهرة. وولدت في حضن المدن والمدارس هذه الكنيست، بيت الصلاة والعبادة ودار القراءة والتدريس والاجتهاد. وتقدم تلمود بابل، وهو جامع احاديث وآثار كبار الشرّاح والمجتهدين في التأويل والسنن، تلمود اورشليم مكانة. ونزلت جاليات يهودية، بعضها يهودي فارسي عسكري (من المقاتلة)، مصر. ومهدت فتوح الاسكندر لنشأة دائرة ثقافية وسياسية، هللينستية، مترامية الأطراف، ائتلفت من خليط روافد يونانية ومشرقية وفارسية وهندية وعبرية وعربية ونبطية لم يسبق اختلاطها على هذا النحو (وكان أرنالدو موميليانو ذهب، في «حكمة العلوج»، الى ان الخليط هذا ولد ثقافة غلَّبت الغيبيات الصوفية والأورفية وعلوم النجوم وقراءة الطالع والروايات الخلاصية والمهدوية والسلطانية على الفلسفة والسياسات اليونانية ـ الرومانية). وانتصبت الاسكندرية حاضرة هذه الدائرة. وأقام بأنحائها يهود ضاهى عددهم عدد أخوة إيمانهم في يهودا. ومعظمهم من الأهالي المحليين الذين دخلوا في اليهودية، ومن ذراريهم. ومن مصر، هاجر بعضهم مقاتلاً ومتجراً الى الصحراء الليبية وضفافها المأهولة، وهي من ولايات البطالمة.

وأوغل بعض آخر في شمال افريقيا، وتوطن في وسط البربر. ودخلت جماعات من هؤلاء الدين الجديد. وأنشأت كنساً للصلاة والدراسة. وكثرت جماعاتهم في بعض النواحي، وملكت عليها. وفي آسيا الصغرى، نمت جماعات بأنطاكية وأفسوس، واستقرت جنوباً بدمشق، وشمالاً وغرباً بسلاميس وأثينا وتسالونيكا وكورنتس. وبلغت روما قبل الميلاد وبعده. ومن إيطاليا دخلت الدائرة الإيبيرية، الإسبانية والبورتغالية، ثم الغولية والجرمانية، فإلى شرق أوروبا. ويحصي المؤرخون زهاء 4 ملايين الى 8 ملايين يهودي في منعطف القرن الأول (م) الى الثاني (ويميل ساند الى الرقم الأول). وفي الأثناء، لم يزد عدد سكان يهودا والسامرة وإسرائيل عن 500 ألف تقريباً. واستقر السكان على هذا العدد طوال القرنين قبل الميلاد وبعده. فلا يعقل ان يكون هؤلاء مصدر الملايين الأربعة، على أضعف التقدير، الذين انتشروا على ضفاف المتوسط. وهم ليسوا أهل بحر وساحل، على خلاف الفينيقيين واليونان. ولم يشهد نماء السكان في البؤرة اليهودية الفلسطينية طفرة مفاجئة ومباغتة. فزيادة السكان، في البؤرة الزراعية شأنها في غيرها، تقيدها الموارد وآلات استنباتها. وهذه لم تشهد، في العهد الروماني الامبراطوري، انقلاباً عظيماً. ويقود تعليل العدد، وتحليل أجزائه وشطوره، الى إثبات دور عاملٍ تغفله الكتب المدرسية الإسرائيلية اليوم عمداً، وأغفلته اعمال بعض أعلام «الرواة» المعاصرين من امثال دوبْنوف وسالو بارون وغيرهما من وارثي تراث إخباري تقليدي واعتقادي محافظ. والعامل الحاسم هذا هو دخول جماعات محلية وبلدية ببلدان المهجر (قياساً على البؤرة) في دين التوحيد الأول، واستجابتهما الدعوة، على خلاف زعم الانكفاء، والتوارث في الذراري وحدهم، واشتراط يهودية الأم معياراً للنسبة الصحيحة والمقبولة.

وإلى الروافد هذه، يتعقب المؤرخ الإسرائيلي رافدين كبيرين: يمنياً وحبشياً سبق الانكماش والانكفاء الجزئيين، وخزرياً تأخر عنه الى القرن العاشر الميلادي. ومملكة الخزر، على ساحل بحر قزوين وفي وسط جباله، كانت إحدى طرق الانتشار صوب أوكرانيا وبولندا وليتوانيا. وفي الأثناء، كانت الجماعات هذه تتكلم لغات الأقوام والشعوب التي خالطتها، وانقلبت جزءاً منها. ولم تتعلم العبرية والآرامية إلا بعد القرن الحادي عشر (م)، حين استقرت العربية لغة الثقافة الجامعة في ممالك الإسلام، واستقرت اللاتينية لغة أهل القلم والخطابة والتدريس والنسخ في ممالك المسيحية.

ويخلص المؤرخ التل ابيبي من تطوافه العريض والمدقق في شعاب الأرض وهو يهمل شرق آسيا والصين حيث حل يهود في القرن الثاني (ق. م.) ـ الى ان الشعب «اليهودي» الإسرائيلي اليوم هو أحد أكثر شعوب الأرض اختلاطاً عرقياً وقومياً وثقافياً. ويفوق اختلاطه حتماً ما عرفته شعوب العالم في فصول تاريخها التي سبقت التوسع الأوروبي الرأسمالي. ولا يقارنه إلا الخليط الأميركي، في الولايات المتحدة و «عالمها الجديد»، والمجتمع هذا، وهذه حاله، تتبنى تشريعاته وقوانينه معياراً نَسَبياً، وتعمله في تمييز اليهودي من غير اليهودي. وتسعى بعض مختبراته، وبعض علماء المختبرات، في جلاء بنية جينية متميزة، على ما تسميه الصحافة الإسرائيلية، بعضها ساخراً وبعضها الآخر جاداً. ويعزو شلومو ساند الحاجة الى أصل بيولوجي مشترك الى تعريف الدولة شعبها باليهودية حين يفتقر مجتمعها الى قرينة تعارف ثقافية تسم نمط حياة يهودياً، علمانياً وعاماً، بسمتها، وتصبغه بصبغتها. فيُحْوجها افتقارها الى القرينة، أو السمة، الى التمثيل على هويتها الجماعية بالأصل البيولوجي الواحد، وبالشعب ـ العرق الأزلي. وألزم هذا الدولة بنقل التبعة على الأحوال الشخصية، في 1953، الى «شريعة التوراة»، بينما ابتدأ المجتمع يبلور ثقافته الوطنية الخاصة على حدة من تقاليد الشتات الدينية، ومن المقتبسات والاستعارات الغربية. ويعزو المؤرخ اضطراب معايير الهوية و «قانون العودة» الى الفلسفة نفسها. والتمسك بهذه الفلسفة يتعثر يوماً بعد يوم، وأكثر فأكثر، بهجرة روسية و «شرقية» شطر منها غير «يهودي»، وبحركة فلسطينية تنزع الى تعريف الدولة تعريفاً سياسياً، وتجهر بحقها في الدولة قبل ان ترضى الانتساب إليها (ص406). وهذا، وغيره، يشرع الباب بوجه فصل «ما بعد صهيوني» من تاريخ الدولة والمجتمع. وينبغي ان يقود الفصل هذا الى حمل الهوية على بداية رحلة الحياة واستهلالها، وليس على غايتها.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق