“حين تترنح ذاكرة أمي” رواية للطاهر بن جلون / جينا سلطان

يحتفي الأديب المغربي الكبير الطاهر بن جلون في روايته» حين تترنح ذاكرة أمي»، بذكرى والدته عقب مرور ثماني سنوات على غيابها، فيخط وثيقة تصالحه مع ألم وفاتها، ويستعيد تفاصيل الحياة المغربية الخاصة والعامة، التي طالما وشجت نتاجه الأدبي الطويل، ووهبت القراء مفاتيح الدخول إلى قلب العالم المغربي وأسراره الخفية، لتمنح هذه الرواية صيغة المذكرات أو السيرة الذاتية، دون أن يعني ذلك تخلي بن جلون عن أسلوبه الأدبي الأنيق وجمله الحاسمة بكلماتها البليغة الملهمة.

 

ومما لا شك فيه أن مقاربة موضوع حساس كمرض الزهايمر الذي يتلف العقل ويلفه في ضباب النسيان، يحتاج إلى شجاعة كبيرة ومحبة عظيمة تجاه الشخص المُبتلى به ولا سيما إذا كان وثيق الصلة بالإنسان، فكيف إذا غدر المرض اللئيم بالأم التي هي موطن الذكريات!.

 

راقب الطاهر بن جلون بحزن كبير كيف تسلل الزهايمر تدريجيا، وعلى مدى عقود من الزمن، إلى دعائم الإدراك ونقاط الاستناد الحساسة في الصيرورة الإنسانية لوالدته، متوغلا نحو مكامن الثقة في ذاتها الشخصية، فحكم على دفاعات الابن الخاصة بالتستر تحت اسم ثقافة النسيان التي عنونت نتاجه الإبداعي المميز. ..

 

يعود بن جلون في زمن روايته إلى العام 2000 الذي شهد تفاقم مرض أمه وتصفية ما تبقى من مقاومة العقل ليستسلم الجسد إلى خدر الاحتضار، لذلك أنبأ تواتر السرد الروائي عن عشوائية التداعيات التي رممت صورة الأم ورتقت ذاكرتها الغائبة.

 

كانت الأم تناهز الخمسين حين بدأت أعراض المرض بالظهور، مترافقة مع اعتقال الطاهر ووضعه في معسكر تأديبي تابع للجيش، لتحولها مع مرور الوقت إلى كائن صغير ذي ذاكرة مترنحة، ينكفئ إلى الطفولة ويعيش في رحابها السعيدة.

 

فرض تقهقر الذاكرة على الأم العيش خارج الزمن منسحبة من الواقع، فخلقت أحلامها عالما موازيا يمتد تدريجيا حتى يغرق كينونتها المنكمشة، وبدأت مساحات الحاضر تقل إلى أن تلاشت في ضبابية مؤلمة، واستحال الجسد المنهك كومة خفيفة من العظام لا يكاد يكسوها اللحم، لتصبح شيئا صغيرا محكوما بالتوجع الدائم.

 

يعزو الابن تحصن أمه في أعماق الذاكرة الندية إلى محاولة استعادة نقطة انطلاق معروفة، تحمل لذاكرتها المترنحة الطمأنينة، وتسعفها على تفادي وضعية طالما خشيتها، وضعية أن تجد نفسها فجأة بين أيدي الآخرين، وعالة عليهم..

 

يسترسل الطاهر بن جلون في تجميع ذكرياته عن أمه التي اغتالها النسيان، فنتعرف من خلال وصفه على إنسانة رقيقة أنيقة، جميلة ومحبة، أمية لكن غير جاهلة، لها ثقافتها ومعتقداتها الدينية الراسخة وقيمها وتقاليدها، التي عاشتها في عالم مغلق تحف به إشارات تتعاقب أمام عينيها من غير أن تستطيع فهمها.

 

تزوجت ثلاث مرات، وولدت بنتا وثلاثة أبناء، أي كان هناك ثلاثة أزواج وقصة حب واحدة، وهذه القصة لم يسمعها الابن تحكيها له، بل خمنها، فأمه لا تتكلم عن الحب، فهي حتى في حالات هترها وخرفها، تكتم عنه حياتها الحميمة في حياء، ومن خلال هذه القصص رسم الطاهر بن جلون الخلفية الاجتماعية والأخلاقية للوحة التي ستحمل له العزاء وتخلد ذكرى والدته الراحلة، وتقدم لنا كقراء ملامح حياتية لامرأة عربية من الزمن القديم كافحت ضروب الحصار الاجتماعي الذكوري بالطريقة الوحيدة التي أتقنتها: الصبر!

 

أحب الكاتب الجلوس دائما إلى جانب أمه والإنصات إليها، فمن خلال حديثها سيرتسم أمامه أفق كامل من الاحتمالات والعوالم الخفية التي ستتجسد في أدب روائي جريء يقتحم المحظور ويسلب ألباب الُمجالين من الأوروبيين والعرب، فقبل تدهورها في مجاهل النسيان اعتادت أن تحدثه عن حياتها وشبابها وعن صعوبات الحياة الزوجية، دون أن يبرز في كلامها عن والده أي حقد، بل أسف فقط على برودته وقسوته نحوها، الأمر الذي جعله مرارا يتساءل عن وجود حب بين أمه وأبيه، مفترضا أن ما كان يجمعهما هو المحبة، وليس الحب العاطفي. فقد كان بينهما تنافر في الطبع ونفور شديد في المزاج، إذ كانا بسيطين يأنفان من البهرجة والتصنع، ويعيشان في وئام تام مع تقاليد الآباء والأجداد التي تحرم التعبير جهارا عن المشاعر والانفعالات.

 

كان نزوع الأب إلى الفوضوية والتحدي نفورا من النفاق الاجتماعي أو الديني، يدفع الأم بسلوكها المتسم بالكياسة واللباقة، إلى قضاء وقتها في إصلاح ما تفسده تعليقاته وملاحظاته الجارحة، وحين وافاه الأجل فضل الابن أن يحمل في قرارة نفسه صورة الأب على زيارته في المقبرة متكئا على أحلامه التي تعيد نبض ذكراه وتجعله يكتشف، كلما فكر فيه أنه يشبهه أكثر فأكثر: العادات المستهجنة نفسها، الحنق نفسه، وربما فورات الغضب نفسها، إضافة إلى عدم تحمل سوء النية والخيانة والظلم والنفاق.

 

يفاجئ الكاتب نفسه وهو ينظر إلى أمه مقاوما حزنا رهيب، إذ يراها تغيب، تموت ببطء، فيجتاحه إحساس بالحاجة إلى الحديث معها، إلى سؤالها لماذا ربته على نحو لا يهيئه لتفادي الفخاخ والدسائس، فيأتيه الجواب حين يحدق في وجهها، ويخمن كل ما قاسته في صمت، من غير أن تحتج أو تصرخ أو تطالب بالإنصاف!

 

لم يكن للأم علاقة بالتصوف، لكنها كانت تحتفل بالأشياء البسيطة، بالقيم الجوهرية، مسلمة بالتقاط فتات الأيام حتى يأتي فرج الله، فحتمية الموت تفرض الانتظار، مما ينفي عامل الخوف ويؤكد هواجس القلق من رؤية عذابها منعكسا في نظرات أبنائها..

 

وعندما تصبح كثيرة الشكوى، متقلبة الأحوال لا تكف عن النواح، بسبب المرض والملل والوحدة، يغدو التكرار والإلحاح عندها طريقة لتزجية الوقت ولقول أي شيء.

 

تتكلم الأم باستفاضة عن جنازتها كلما انتابها الإحساس بالملل، فهو أمر يلهيها ويطمئنها، بل ويجعلها تتفنن في تعداد لوازم المناسبة وشروط تكرارها. فالأمر بالنسبة لها مسألة لباقة وكرامة…أن ترحل عن الدنيا بخفة..أن تعفي العائلة من المشاكل الزائدة..أن تترك ذكرى جميلة، انطباعا جميلا.. : «يجب أن تكون جنازتي احتفالا كبيرا».

 

مشكلة المسنين

 

يتطرق بن جلون إلى نقطة مهمة تتعلق بالجدل الدائر في العالم الغربي حول التنصل من أعباء كبار السن وحجرهم في مشافي خاصة ُتعنى بهم، فيدحض مزاعمهم بالعودة إلى صلات الرحم المتوارثة والتي يزعمون أنها تفسد كل شيء، ويرد المسألة إلى كوننا كعرب نقبل أن نلعب اللعبة إلى أن نتكيف مع هذا الجزء اللعين في كينونتنا، وعلى الصعيد الشخصي يؤكد أنه لم يشعر أبدا بالحاجة إلى النفاق أو إلى الوقاحة والقسوة، فأمه كانت تجعل كل ضغينة أو عدوانية نحوها غير ذات فعالية، فنظراتها التي تكاد أن تكون متوسلة مستجدية وحاجاتها القليلة لا تلزمه الإشفاق المتحسر عليها، بل تفرض عليه أن يحبها حبا غير عقلاني ولا مغرض. فحب الوالدين الذي يعلو برأيه على كل شيء، لا يبرر أبدا الإخلال بواجب الاحترام، احترام يعني التعلق والحنان ونوعا من الخضوع غير العقلاني، حتى لو استحال هذا الحب إلى تسلط وإزعاج خانق، فالمحبة البنوية، هي رابطة روحية غير قابلة للحساب والتحديد، رابطة ننظر إليها كهبة طبيعية يجب أن نستحقها ونفتخر بها.

 

أما عن التماس العزاء وبث السلوى في النفس الحزينة، فيؤكد بن جلون على طبيعة العقل الذي يتقصده الزهايمر، أي المتسم بالمحدودية والأفق الضيق، وخاصة لأولئك الأشخاص الأميين الذين لم يسبق لهم أن زاولوا نشاطا عقليا كبيرا ومتنوعا، والأم في هذه الحالة تعتبر النموذج المفضل لاختيارات المرض، فقد وظفت مخها كله لأجل أن تتصور حياة أخرى، وأن تجعل أبنائها في منأى عن الشرور، وأن تراهم يكبرون في ظل حمايتها وبركتها، لذلك أفنت حياتها كلها في المطبخ وباقي مرافق البيت، دون أن تنعم بالراحة أبدا، معتبرة الأكل رعاية لرابطة عاطفية قوية دائمة.

 

وربما نستطيع أن نلمس ما يشبه الغيرة حين يعقد بن جلون المقارنة مع والدة صديقه الأوروبي رولان التي تقارب أمه في العمر والتي حافظت على كامل قواها العقلية والجسدية، بمنأى عن الضجر ودروبه القاتلة، إذ ظلت الذاكرة نشيطة حاسمة إزاء كل عوامل الفناء والتخريب رغم الجحود والعقوق الذي نالها من ولدها الوحيد، في حين لم تصن الأم كل عوامل الرعاية والخدمة من الضياع في النسيان الكلي، بل زادت الخادمة المرافقة كلثوم من عبء الوسواس والقلق..

 

حين يفكر بن جلون في هذه الحالة من الهبل والخبل، في هذه الغيابات حيث الزمن يتكدر ويتبعثر، يتخذ الموت الحقيقي، الفناء أو التلاشي الذي لا يطاق مظهر المرض، حيث الأيام والليالي التي لا نهاية فيها للتآكل والتفتت والعذاب والعجز.

 

في ضباب الماضي الملتبس وعند مجالسة اللحظات الأخيرة، تتقاطع أصوات وتختلط نظرات بحثا عن سكينة رائقة، فتطل ذكرى الأم المحتضرة بوجهها الأليف الذي أوحى دائما بالسكينة والصفاء، إذ لم تخنها أبدا تلك القدرة العجيبة على إثبات ذاتها إزاء العالم بوداعة وأناقة، وهي الخاصية التي لازمتها حتى النهاية، ولعل ما ضايقها أكثر من غيره مصدره معاناتها الموجعة التي أتلفت هذه الأناقة الروحانية التي جبلت عليها منذ الأزل.

 

«أحب أمي لأنها أولا أمي، ولأنني أعترف بفضلها علي، ولأن هذا الحب ثالثا يكاد أن يكون دينيا». بهذه العبارة يوجز الطاهر بن جلون حساسيته تجاه محنة أمه، ويضع مخاوفه جانبا في انتظار عودة الأحلام التي تسكنها أمه الغائبة.

 

يمكن عد الرواية نوعا من سيرة ذاتية تتحدى الغياب الأبدي وتؤطر حزن المرأة المتعبة التي ظلت صورتها عالقة في أذهاننا وهي تتأمل المرآة باحثة في أعماقها عن آثار سعادة أملا في لأم شروخ النفس وإنقاذ الكلمات من ورطة القلق المؤلم.

 

تتـأتى أهمية هذا النوع من الأعمال الأدبية في أنها تخوض في مجال الحيوات التي هجرتها سكينتها الروحية فتاقت إلى دفء التآخي ولمسة الحنان التي تثبت الانتماء إلى الأسرة الإنسانية، بعيدا عن الإدانة والتذمر والشكوى وتمني الموت، والاسترسال في العقوق.

 

ترجمة رشيد بنجدو، إصدار المركز الثقافي العربي 2009

 

عن جريدة السفير 16/4/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق