حين يتعرى الجسد الأنثوي محجبا..

كنت أطالع جديد الإصدارات في إحدى المكتبات، وأثارني مرّة أخرى كتاب أوسكار وايلد[بورتريه دوريان غراي] الذي قرأته قبل عشرين عاما في ترجمته الفرنسية، وبينما كنت أتصفح الكتاب في لغته الأم، في طبعته الجديدة المدبجة بدراسة عميقة للغاري شميدغل، أثارتني عبارة وايلد التي افتتح بها عمله: “الفنان هو مبدع الأشياء الجميلة”، فاشتريت الكتاب وخرجت..وبينما كنت نازلا من الطابق الثاني من المول حيث توجد مكتبة ولودن بوك، رأيت امرأة تلبس الحجاب وسروالا من نوع الجينز. توقّفت وكأنّني أشاهد ما يعرض في أحد المحلاّت التجارية وأنا أختلس النظرات في المرأة التي بدت شهوانية بسروالها الذي يكشف كلّ أسرار حديقتها..

وحضرتني آنذاك عبارة كانت كتبتها لي قبل سنتين الدكتورة رجاء بن سلامة، في مراسلة خاصة، حيث كتبت: “لقد دفعونا إلى الابتعاد عن الأشياء الجميلة..!” كانت عبارتها مليئة بالحزن والأسى بسبب تخلّيها، الاضطراريّ، عن الاهتمام بقضايا العشق والحبّ في الشعر العربيّ، لتهتمّ بالواقع المأساويّ الذي وجدنا أنفسنا نتنفّس نتانته رغما عنا..

هكذا تواجهني هذه العلامة الفاسدة التي سبق أن كتبت عنها “دراسة” نشرت تحت عنوان “تأملات في جسد يتعرّى محجّبا”.

فالجسد المحجّب الذي اقترن بخطاب دينيّ “عصريّ”يتزعّمه سدنة الإسلام المُهَوَّد الذي يتزعّمه عمرو خالد وما ينتمي إلى نمطه-أي كما يقول الأستاذ العروي تهويد الإسلام — قد صار من أكثر الأجساد إغراء ولعبا على الإثارة والشهوانية، والفراغ الفكريّ، وهو خير معبّر عن الاجتثاث، وعن الهوية المشرّدة وعن العنف الثقافيّ في صوره الأكثر اصطداما..

فالجسد المحجّب هو جسد عار بامتياز، يصرخ بالتناقضات والقيم، إنه جسد يتعولم وفق نمط من اقتصاد تسويق العلامة من حيث هي دالّ يحيل على مدلول فيه من الخواء ما لا مثيل له..

وما كنت لأعود إلى هذا الموضوع، لولا “المبادرة” التي أطلقتها بعض الجهات في البلد التي جعلت من الحجاب دليلا على “العفّة”. والحال أنّ العفّة لا صلة لها بالحجاب، بل العفّة، في الاقتصاد السياسيّ للجسد، تظلّ من المضامين الخارجة عن الحقل الدلاليّ لتلك العلامة الفارغة من كلّ معنى..فأنا في كلّ مرّة أحاول أن أفهم فيها معنى الحجاب، ومعنى العفّة المسوّقة في سوق العلامات الدلالية للحقل الدينيّ، لا أزداد إلا اشمئزازا وأصاب بالدوار.. ما معنى أن تلبس امرأة في بوسطن أو نيويورك أو كالفورنيا أو لندن أو باريس الحجاب ونصف جسدها الأسفل مكشوف بشكل يرسم كلّ جغرافية المنطقة التي ترتبط بها العفّة والشرف والحشمة والوقار..؟!

كيف لهذا الجسد أن يجعل من جغرافيته ملتقى العلامات الغارقة في التناقض!؟ هل يعني أنّ هذا الجسد يريد أن ينشر الدين ويشهر انتماءه ويعلن عن انتصار ثقافة ما؟! هل عفّة المرأة تختزل إلى مجرد غطاء لشعرها.. ويتحول كل عالمها الشهواني إلى شعرها؟!

هل الإسلام، من حيث هو ثقافة وتاريخ وإرث وحضارة ودين، هو مجرّد حجاب؟! من قال إنّ الإسلام اهتمّ بالحجاب كمشروع حضاريّ، لنجعل منه، في الراهن المتخلّف، مشروعا حضاريا ومشروعا مجتمعيا، بل ونجعل منه نظرية نضاهي بها باقي الفلسفات الكونية لتغيير العالم؟

إنّ ما يحزّ في النفس حقّا، ليس الحديث عن الحجاب من قبل العوامّ من النساء، وإنّما الخطير في الأمر أن يتحوّل بعض الأساتذة الجامعيين والأطبّاء والمهندسين، بعض النخب، إلي حاملين لمشاريع “غطاء الشعر”، وقد ذهلت يوم شاهدت في إحدى القنوات المغربية التي بثّت برنامجا حول الحجاب، وكانت أستاذة من كلية الطب، أي بروفيسورة، تتحدّث عن الحجاب باعتباره ثورة ثقافية ومعرفية، وزادت دهشتي حين رافقتها الكاميرا إلى إحدى المكتبات لتسلّط الضوء على الكتب “التافهة” التي تقتنيها لأنها ستهتمّ بكتابة سيرة النبيّ، تلك الكتب التي ينبغي للمجتمع المدنيّ الحقيقيّ –لا الفاسد– أن يبحث عن “السبيل” الناجعة للكشف عن سمومها ومحاولة إيجاد هامش وتوسيعه لتجد الكتب العقلانية مكانا لها داخل هذه الإمبراطورية الاستبدادية من كتب الظلام والكهنوت!!؟

أليس من الأجدى لهذه المحجّبة البروفيسورة أن تهتمّ بمجال البحث العلميّ وتجتهد لتصل إلى لقاح جديد ضدّ الأمراض التي تفتك بالأطفال الصغار في البلد؟! أليس من الأجدى أن تقوم بجولات لإجراء الفحوصات على الأطفال اليتامى وفي المناطق النائية، وتؤسّس لمشاريع بحث مع الطلبة/الأطباء وتترك كتابة تاريخ الإسلام والسيرة النبوية لأهل الاختصاص في التاريخ (لا لفقهاء الظلام!)؟

وكم شدّني التيه يوم قرأت حوارا مع صحفية تعمل في إحدى القنوات المغربية التي اعتبرت الحجاب حرية حقّقتها حين ارتدته؟!

إنّ ما نشهد عليه في الراهن العربيّ/الإسلاميّ لهو غاية في البؤس والانحطاط، وهو ما يعود بنا إلى أزمنة لا علاقة لها بالأمجاد الحضارية الإسلامية التي لا يعرف عنها هؤلاء شيئا.. إنها صور مأساوية تفسد علينا كل الصور الجميلة التي ناضلت من أجلها الإنسانية والشرفاء طوال التاريخ العربيّ الإسلاميّ.. فقد كان العرب، أيام الأمجاد، التي يتغنّى بها الجميع، يحملون مشاريع حضارية أدّت إلى التقعيد اللغويّ والصرفيّ، وإنتاج علوم اللغة والفلسفات والجدل المثمر..

وقد أنتج الاختلاف -وإن ظلّ على استحياء- فكرا ثريّا لازال في حاجة إلى رفع الحجاب عنه، فقد كان ابن الراوندي يجادل ويعلن ما كان يعتقد به، وكان أبو نواس يقول حقائقه، وكان الفقهاء يقولون حقائقهم، وتعدّدت الحقائق لتجعل من الماضي حديقة تزينها كلّ ألوان الورود، بعد أن تجاوزت يباب السياق الذي انطلقت منه..

ما نحتاجه اليوم، هو تمزيق الحجاب، بمعناه الرمزيّ (أما خرقة الشعر فتلك من حقوق لناس في ممارسة حرياتهم العقدية والشخصية..) وأن نكشف عن الجسد كي نتصالح معه.. فنحن في حاجة إلى إعادة تعرية هذا الركام الهائل من النصوص (نمط من النصوص الفقهية) التي صنعت، بمرور الزمن، خطابا معاقا لا يمكنه أن يحاور الذات في امتداداتها وعلاقاتها، بل يزداد تصلّبا وتسطيحا للوعي وللتاريخ وللآخر وتحول إلى أداة لممارسة القمع موظفا كل السلط الرمزية التي تسعفه في ذلك..

إننا في حاجة إلى جسد يسقط عنه البعد الشهوانيّ ويجعل منه مجالا لاقتصاد يستثمر القيم الإنسانية الرفيعة والنبيلة ويكشف عن جراحاته وخصائصه وتنوعه..

وأن يتجاوز ثقافة”الإخصاء” التي مازال الجسد الأنثوي الجريح لا يزداد إلا انجراحا بها، وأن يتحوّل الجسد الأنثوىّ إلى “جسد مختلف” وليس إلى تكريس امتداداته كجسد ملفوف بأغلفة الإيروسية والشهوانية والاستمتاع.. لأن جسد المرأة “ليس مجرد جغرافية تخضع للرجل للاستمتاع به، سيرا على النمط الفكري المتهالك الذي كان يجعل من عقد النكاح مجرد “عقد للتلذذ بآدمية” بعد أن نسي أنّ جسد الرجل هو أيضا مجرد آلة للتلذذ بآدمي..!؟

علينا أن ننظر إلى الجسد في كل أبعاده الدلالية، وأن ننشغل به في تعدده الدلالي مع الأخذ بعين الاعتبار أن البعد الإيروسي هو مكوّن من مكوّنات دلالية أخرى لهذا الامتداد الجغرافيّ في انتصابه العموديّ والأفقيّ..مع العمل على هدم ثقافة الجسد المثقلة بالحمولة الفقهية البائسة التي هيمنت دون أن تترك هامشا معتبرا للانشغالات الفقهية المنفتحة على الاحتمالات والحقائق الأخرى..

هكذا نضيع في مفترق طرق الهويات والثقافات، فنسعى، نحن العرب المسلمين، إلى السكن في الماضي بحاضرنا ونحارب حاضر الغير بأوهام عفى عليها الزمن، فنضيع مرتين، مرة في التاريخ ومرات في الزمن..ويصبح الرداء الذي ترتديه الأجساد علامة أخرى على رداءة الوعي السائد..!؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق