حين يلتقي المغتصبان: قراءة في فيلم ” عرس الذيب ” لجيلاني السعدي

يبدو أنّ مشهد الاغتصاب الجماعيّ للبطلة سلوى، وما مهّد له في الجينيريك من موسيقى و غناء ” يا ديني محلالي عرسو”، و ما أثاره من ردود فعل متنوّعة على ألسنة المشاهدين و في بعض الصحف، أقول: يبدو أنّ هذا كلّه و غيره قد أثّر إلى حدّ بعيد في كيفيّة تلقّي الشريط و حال دون قراءته قراءة سينمائيّة مطابقة. لماذا ادّعت سلوى جوابا على سؤال أخيها ومن معه أنّ “صطوفة” من بين الّذين اغتصبوها؟ مع أنّه الوحيد الّذي امتنع عن ذلك، و هذا ما يفسّر بقاءه على عين المكان، بينما فرّ المغتصبون الفعليّون الثلاثة و نجوا من الانتقام و إن إلى حين؟

هذا هو في تقديري السؤال المركزيّ الّذي يطرحه مشهد ما بعد حادثة اغتصاب سلوى والّذي يبدو بدوره بمثابة اللحظة العُقديّة الحسّاسة الّتي وجّهت كلّ ما جاء بعدها في الشريط حتّى النهاية إلى حدّ ما.

و يقتضي الجواب عن هذا السؤال، في ما أرى، استدعاء و تحليل وجهتيْ نظر مختلفتين اختلافا كبيرا، بل متناقضتين من بعض الوجوه، وكلتاهما حاضرتان في الشريط حضورا قويّا فعّالا وعن تقاطعهما وتفاعلهما نشأ الموقف الّذي أثار هذا السؤال ثمّ تحدّد مسار الشريط.

1. وجهة النظر الأولى: أبرز من يمثّلها في الشريط سلوى نفسها و أوضح ما يعبّر عنها موقفها من مختلف الأطراف الرجاليّة الّتي تتعامل معها على امتداد الشريط و قبله أيضا: ” حبيبها” الّذي افتضّها، على ما يبدو، ثمّ زجّ بها في سوق البغاء، حرفاؤها و “حُماتُها” في الكاباريه و خارجه، أولاد الحومة الّذين اغتصبوها في الطريق العامّ، كلّهم بالنسبة إليها سواسيّة ، “كِيفْ كِيفْ”. كلّهم لا يرى فيها ذاتا إنسانيّة، بل لا يرى فيها حتّى امرأة في المعنى الاجتماعيّ المتداول للعبارة، و إنّما هي بكلّ بساطة أداة، شيء جنسيّ لا غير يُتّخذ لقضاء الحاجة بشتّى الطرق: الاحتيال ( حبيبها)، المال ( حرفاؤها)، العنف ( في الاغتصاب) لذلك لا غرابة أن نراها تضمر عداء قويّا للرجال تجلّى غير ما مرّة و أفصح عن نفسه صراحة حين قالت إنّ أمنيتها الوحيدة إزاء الرجال هي أن ” تقطع رؤوسهم جميعا”. و ليست هذه الأمنية في الحقيقة سوى تعبير صارخ، أو ربّما مقنّع، عن رغبة أخرى أعمق و أصدق في سجّل الجنس عامّة: إنّها الرغبة في الإخصاء أي، بالنسبة إلى سلوى، الرغبة في تجريد الرجال من الأداة/ العضو الّذي به كتبوا على جسدها و في ذاكرتها تاريخا داميا موجعا.

كيف عملت هذه المعطيات في شخص سلوى على اتّهام صطوفة باغتصابها بعد فرار الثلاثة مع أنّه لم ينفكّ، خلال مشهد الاغتصاب، عن الاستنكار و الاحتجاج و بالتالي عن محاولة الدّفاع عن الضحيّة؟
ثلاث قرائن في الشريط يجدر استحضارها للجواب:

1.1: الوضعيّة الّتي تمّت عليها عمليّة الاغتصاب و السرعة في تداول الثلاثة عليها يمنعان الضحيّة من التّحقّق في هويّة المغتصبين بدقّة.

2.1: إزاء تعطّل حاسّة البصر عوّلت سلوى على السماع لذلك نراها إمّا باكية صارخة مستنجدة وإمّا صامتة ترهف السمع لما يدور حولها من كلام ممّا يسمح بالقول إنّها كانت واثقة من أنّها اغتُصبت من قبل ثلاثة فقط و أنّ واحدا من الأربعة لم يشارك في الواقعة.

3.1: هل كانت واثقة أنّ صطوفة هو فعلا رابع الثلاثة الّذي لم يشارك؟
من اللافت أنّ سلوى لم تجب فوريّا عن سؤال أخيها و رفاقه حول دور صطوفة في ما تعرّضت له فسُجّلت في المشهد لحظة صمت حافلة بالمعاني والإيحاءات. و لا جدال مبدئيّا في أنّ هذا الصمت يدلّ أوّل ما يدلّ على تردّد سلوى في الجواب عن سؤال أخيها. و لكن ما مردّ هذا التردّد و مداره؟ أهو شكّ راودها في هويّة الرابع، البريء؟ لا أظنّ ذلك و بقاء صطوفة على عين المكان لا يشارك الجناة هروبهم قرينة أخرى بصريّة تضاف إلى القرائن السمعيّة السابقة لتأكيد براءته لدى سلوى نفسها و بالتالي فإنّ تردّدها ناشئ في الحقيقة عن وثوقها من براءته من جهة و سؤال يترتّب عليه من جهة أخرى: هل يستحقّ صطوفة، على براءته، أن يعاقب نيابة عن المغتصبين الثلاثة الفارّين؟ أو قل هل يتحقّق عقاب الثلاثة بمعاقبة صطوفة البريء؟

من الواضح أنّ نفسيّة سلوى قد أجابت عن السؤالين بنعم، و بذلك أعطت الإشارة لبروز المشهد المعادل و المقابل في آن لمشهد اغتصابها:أخوها و من معه ( هل كانوا في الجملة ثلاثة على عدد المغتصبين بالضبط؟! ) ينهالون على صطوفة في عنف أعمى حتّى يحيلونه إلى شِلْوٍ، شيء ميّت، مُجرّد من الثياب قابل لأن يُفعل به أي شيء كأن يُغتصب جنسيّا بالفعل أو يقطع رأسه أو قضيبه أو يطرح في الأخير على أكداس الزبالة بينما تقف سلوى مشاهدة عن كثب لما يتعرّض له في وضع شبيه بموقفه هو أثناء اغتصابها و هكذا حقّق المشهد وظيفته من وجهة نظر سلوى: الانتقام بتحوّلها من ضحيّة إلى جلاّد، هكذا يبدو المعنى في الظاهر لكن الحقيقة أنّ المشهد و ما يحفل به من آليات و دلالات نفسيّة أعمق من ذلك و أثرى بكثير، و ذلك من حيث أنّه قابل لقراءتين على الأقلّ:

1.3.1: قراءة أولى هي في الحقيقة مجرّد تشخيص، تدقيق، توضيح للانتقام على الوجه المذكور أعلاه: فالقول بأنّ سلوى ثأرت أو انتقمت لنفسها عبر هذا المشهد يفترض أنّ هناك عمليّة تبادل للأدوار في رؤية سلوى حلّت هي بمقتضاها في شخص أخيها و من معه فانتشرت أو تكاثرت بينما تكثّف المغتصبون الثلاثة فصاروا، رغم فرارهم، حاضرين في شخص صطوفة ممّا يفضي في الأخير إلى القول إنّنا فعلا في مستوى الدلالة إزاء طرفين لا أكثر: فاعل و مفعول به، جلاّد و ضحيّة، مغتصِب و مغتصَبٌ مع انقلاب في الأوضاع بالقياس إلى مشهد اغتصاب سلوى أي بتحوّل الضحيّة إلى جلاّد كما قلنا و بذلك نشأ الوضع الّذي “حرّر” سلوى من أحاسيس القهر و الذلّ والتفاهة الّتي كانت تضطرم فيها أثناء تعرّضها للاغتصاب ثمّ و هي تغادر مكان الواقعة: “تطهّرت” من التّلوّث النفسيّ و الروحيّ فلم يبق لها إلاّ أن تغتسل لتطهّر جسدها ممّا علق به من بصمات و بقايا المغتصبين الثلاثة عليه ثمّ لتغيّر رُوبَتَها الحمراء الجديدة الّتي مزّقتها ماكينة الاغتصاب و ترتدي ثوب الليل الأسود لتستأنف شغلها. هل يعني ذلك أنّ الاغتصاب كان من وجهة نظرها حدثا عرضيّا لا أكثر؟ قوس فتح ثمّ أغلق لتستأنف سلوى ” المومس” حياتها ” العاديّة” و كأنّ شيئا لم يكن؟

لا يمكن الجواب في نظري دون الوقوف على القراءة الثانية لمشهد التعنيف والتنكيل و التعذيب الّذي تعرّض له صطوفة.
2.3.1: ماذا كان يدور في عالم سلوى الدّاخليّ من خواطر و أفكار و صور و هي واقفة تشاهد ما يتعرّض له صطوفة؟ مجرّد الارتياح للانتقام و التّطهّر النّفسيّ أم هناك شيء أو أشياء أخرى كانت تتوارد عليها؟ الافتراض الأوّل يعيدنا إلى القراءة السابقة و لكن الاقتصار عليه و بالتالي اختزال دلالة المشهد في الانتقام و الثأر لا غير مسطِّح للمشهد و مفسد للشريط برمّته. لكن “عرس الذيب ” أقوى و أجمل و أكثر إمتاعا من أن يذعن لهذه القراءة التبسيطيّة الاختزاليّة لذلك لا أتردّد في القول بأنّ شيئا أساسيّا بل أشياء أخرى، غير الرغبة في الانتقام، اخترقت سلوى أثناء مشاهدتها صطوفة يتعرّض ، على يدي أخيها و عصابته،لأبشع ألوان العنف الجائر القاهر. ما عساها تكون هذه الأشياء؟ و ما الدليل على وجاهة هذا الاتّجاه في القراءة؟ الجواب عن السؤالين معا في الشريط نفسه. و لنبدأ فيه بالدليل و يُستمدّ بكلّ وضوح من قراءة دقيقة لكلّ ما دار بين سلوى و صطوفة بداية من لقائها به في الكاباريه حتّى مغادرتها بيته و افتراقها عنه في الصباح و هي تردّد ” ماكْش راجل”:

وبهذه العبارة الهيّنة البسيطة أحدثت سلوى شرخا غير مسبوق في خطابها ووجهة نظرها ومنه تحديدا يمكن أن نتسلّل للإطلال على هذه الأشياء الّتي كانت تصطخب فيها أثناء تعنيف صطوفة.

ما عساها تكون هذه الأشياء؟ قد يتّسع الباب للتأويل و إطالة الحديث لذلك اكتفى بالقول إنّها في كلّ الأحوال لا تخرج عن أن تكون توابع لاختلال اقتناعها بالمبدأ المؤسّس لوجهة نظرها و القاضي باعتبار الرجال ” الكلّ كيف كيف” بمقتضى قراءة منها واعية أو لاواعية لمشهد تعنيف صطوفة: صطوفة الراجل يُضرب، يركل، يصفع، ” يقتل” على يد الرجل الآخر، أخيها و رجاله، مشهد يصرخ دلالة بكلّ بساطة على أنّ الرجال الكلّ ليسوا ” كيف كيف”. و ما تقدّمت الإشارة إليه باعتبار هذا المشهد معادلا و معاكسا لمشهد اغتصاب سلوى يسمح لنا هنا بالقول بكلّ بساطة أيضا: إنّنا إزاء عمليّة اغتصاب حقيقيّ لا تختلف عن عمليّة اغتصاب سلوى إلاّ في الظاهر أمّا العمق فهو هو موضوع الاغتصاب، ضحيّته تحوّلت من امرأة إلى رجل لا غير و شكله تغيّر من ضرب إلى ضرب، من ضرب بالقضيب( من معاني ضرَب في العربيّة القحّة: نكح) إلى ضرب بالأيادي والأرجل …[و العصيّ] ( و الدارجة هنا أفصح لأنّها تعبّر بصراحة أكبر و أدلّ ).أمّا التحوّل الأهمّ فيبقى بلا شكّ متعلّقا بسلوى: انتقلت من موضوع للاغتصاب ( و ما هو في الحقيقة إلا شكل من أشكال العنف) إلى شاهدة مشاهدة لما يتعرّض له صطوفة من شراسة و وحشيّة عنف فحوليّ ( ليس من جهته في الحقيقة أيضا سوى شكل من أشكال الاغتصاب). و على هذا الاتّجاه في القراءة تترتّب نتائج كثيرة يمكن إجمال أهمّها في ما يلي:

1.2.3.1: تعديل ما تقدّم بصدد تبادل الأدوار في هذا المشهد بالقياس إلى مشهد اغتصاب سلوى في اتّجاه القول إنّها لم تحلّ في أخيها و عصابته متحوّلة من ضحيّة إلى جلاّد فحسب و إنّما هي حالّة أيضا في شخص صطوفة بحكم التقائهما إلى حدّ التماهي في وضع الضحيّة: هي ضحيّة للاغتصاب الجنسيّ الفعليّ و هو ضحيّة للاغتصاب الجنسيّ الرمزيّ. و أنّ أخاها و من معه ليسوا سوى وجوه رجاليّة أخرى للمغتصبين الثلاثة الّذين تداولوا عليها.

2.2.3.1: من جهة أخرى يحافظ المشهد على وظيفته بالنسبة إلى سلوى: التّطهّر من الآثار النفسيّة لعمليّة الاغتصاب لكن الآليّة المحقّقة لهذه الوظيفة تتغيّر من هذه الوجهة في النظر في اتّجاه القول إنّ التّطهّر لم يتحقّق لأنّ عمليّة تصفية حساب انتقاميّة ثأريّة قد تمّت ،و إنّما تقيّأت سلوى بتماهيها مع صطوفة ووقوفها تشاهد ما يتعرّض له من فنون التعنيف صورة سلوى المغتصبة، خرجت الصورة من داخلها لتمارَسَ، أو تُمسرح على مرأى منها و هكذا تتفاعل الواقعة الماثلة مع المتخيّل الجريح لتحرير الذات، و بفضل عمليّة التماهي أساسا، من وطأة آثار الاغتصاب.

3.2.3.1: قراءة المشهد على هذا النحو تحمل على طرح سؤال مركزيّ آخر: لماذا كان صطوفة الرجل الوحيد الّذي امتنع عن اغتصاب سلوى وسعى في منع رفاقه من ممارسته؟؟ من المؤكّد في تقديري أنّ الأخلاق وسائر المراجع المعياريّة قاصرة هنا عن تقديم الجواب المقنع فلا يبقى لطلبه غير مدخل واحد: القراءة النفسيّة الجنسيّة الّتي تخوّل القول إنّ صطوفة إنّما وقف ذلك الموقف لأنّه، من أوّل وهلة، تماهى مع سلوى في وضع الضحيّة ونعم، ضحيّة لعمليّة اغتصاب على وجه التحديد، كما يأتي بيانه لاحقا، عانى منها في طفولته ما عانى على ما يبدو و خلّفت لديه ضربا من الاستيهام الرُهابي الّذي يسمح بالاطمئنان، في هذا الحدّ فحسب، إلى القول إنّه حين دافع عن سلوى إنّما كان يدافع عن نفسه في الحقيقة أو عن الطفولة المغتصبة في ذاكرته كما يأتي مزيد البيان بصدد هذه النقطة لاحقا.

4.2.3.1: إنّ القراءة الثانية لمشهد تعنيف صطوفة من وجهة نظر سلوى دائما لا تنفي بالضرورة القراءة السابقة فللقراءتين معا وجاهتهما، بل كلتاهما ضروريّتان للتدليل على مبلغ الانشراخ والانشطار في شخص سلوى بالخصوص ومن ثمَّ في وجهة نظرها أيّا كانت درجة وعيها بذلك، لأنّ قراءة مشهد تعنيف/ اغتصاب صطوفة على هذا النحو من شأنها أن تفضي مباشرة إلى خلخلة المبدأ المؤسّس لكلّ شيء عندها و القائل بأنّ ” الرجال الكلّ كيف كيف” و ذلك من حيث بان لها أنّ صطوفة، على الأقلّ ، ليس كسائر الرجال سواء الّذين اغتصبوها بشتّى الأشكال و الوسائل و الّذين عنّفوه و البقيّة الباقية منهم في الشريط و خارجه أيضا. و من هنا تفرض طائفة من الأسئلة نفسها: ماذا يعني إذن قولها أو حكمها على صطوفة، بعد المضاجعة، و أثناء مغادرتها البيت: ” ماكْش راجل”؟ عن أيّ صوت فيها صدر هذا الحكم؟ و من الرجل عندها؟ أيّ نموذج رجاليّ يتحكّم في قولها هذا فتنفي عنه ” الرجوليّة”؟

الجواب عن هذه التساؤلات و توابعها يقتضي استدعاء وجهة النظر الثانية الّتي أشرت إليها في بداية المقال المبنيّة على ما اعتبرته سؤالا مركزيّا في الشريط: لماذا أجابت سلوى عن سؤال أخيها و جماعته بأنّ صطوفة من الرّجال الّذين اغتصبوها؟

2. وجهة النظر الثانية: لعلّها وجهة نظر المخرج الجيلاني السعدي و لعلّها أيضا وجهة نظر الممثّل الّذي أدّى دور صطوفة لأنّها المدخل الوحيد لتفسير جودة الأداة و تميّزه فضلا عن المؤهّلات الشخصيّة لديه و هي إلى ذلك،وإن جزئيّا، وجهة نظر سلوى بلا شكّ رغم أنّ الطاغي عليها هي وجهة النظر السابقة و لأنّ وجهتيْ النظر معًا، الأولى و الثانية، على ما بينهما من تقابل فإنّهما إلى حدّ بعيد متلازمتان و متداخلتان بالضرورة على نحو ما دلّ عليه التحليل السابق من حيث أسلم غير ما مرّة إلى الانفتاح على معان و أبعاد تتجاوز وجهة النّظر الأولى و تتنزّل، إمّا بصفة صريحة مباشرة و إمّا بالمساءلات النقديّة، في صميم هذه الوجهة الثانية. و الثابت على كلّ حال أنّها وجهة النظر الكفيلة وحدها، في مستوى القراءة، بالتّرقّي بالشريط و إثراء دلالته إلى حدّ بعيد لأنّها قائمة بكلّ بساطة على التحرّر و التحرير، إن من جهة الإنتاج و إن من جهة التّلقّي، من ربقة القوالب و الآليات النمطيّة، المختَزَلة المختزِلة، في معالجة كلّ القضايا الّتي يثيرها الشريط و في مقدّمتها قضيّة الجنس و العلاقة بين الجنسين.

إذا كان المبدأ المؤسّس لوجهة النّظر السابقة هو القول بأنّ ” الرجال الكلّ كيف كيف”، فإنّ المبدأ المؤسّس لهذه الوجهة يقول على خلاف ذلك: ” ليس الرجال الكلّ كيف كيف و لا النّساء الكلّ أيضا كيف كيف” وبذلك تتنزّل القراءة من أوّل وهلة خارج دائرة السجال المانوي الثنائيّ، و بعيدا عن حلبة و ملابسات الصراع الجنسويّ (Sexiste) بين معسكري الرجوليّة الفحلة والنسويّة الضحلة لتنخرط، في مقابل ذلك، في مدار إنسانيّ تعدّدي و نسبيّ لأنّه قابل لتثمين و اعتبار الذات المفردة في أخصّ خصوصياتها من جهة و الاتساع لاحتضان التّنوّع و الاختلاف بقدر أكثر مطابقة بكثير لواقع الإنسان من الثنائيّات الإطلاقيّة التبسيطيّة المشوَِّهة من جهة أخرى.

و بناء على هذا المبدأ المؤسّس لهذه الوجهة في النظر تترتّب، من أوّل وهلة، طائفة من النتائج أو الاستتباعات الّتي لا يمكن مباشرة قراءة الشريط دون إجرائها مجرى المقدّمات الأساسيّة ثمّ استحضارها في كافة اللحظات و لاسيّما بدءا ممّا تلا اغتصاب سلوى وصولا إلى النهاية. و لعلّ أهمّ تلك النتائج/ المقدّمات ثلاث أرتّب القول المجمل عليها في ما يلي:
1.2. التفريق بين المعنى القانونيّ الضيّق للاغتصاب و معناه النفسيّ و الرمزيّ الأوسع و اعتماد القراءة على مراعاة الثاني في المقام الأوّل دون استبعاد المعنى الأوّل بالطبع. إنّ المعنى القانونيّ للاغتصاب ضيّق لأنّه يحصر المفهوم في عمليّة الإيلاج الجنسيّ في مظهرها الفيزيولوجي الميكانيكي أساسا و إن كان بتخصيصه للكيفيّة الّتي تتمّ بها العمليّة: العنف، الإكراه أو المفاجأة، يسمح للمفهوم بالانفتاح على المعنى الثاني الواسع المفضي إلى القول: نعم، لا شكّ في أنّ ذلك اغتصاب و لكنّه ليس الشكل الوحيد و إنّما أيّ شكل من أشكال العنف الماديّ، المعنويّ، النفسيّ، الفكريّ، يسلّط على الغير أيًّا كان امرأة أو رجلا، طفلا أو شابا أو كهلا، فردا أو جماعة إنّما هو اغتصاب و لاسيّما باعتبار مخلّفاته الموجعة، الملوّثة، القاتلة في شخصيّة الضحيّة أو الضحايا.

2.2. الاغتصاب من أعدل الأشياء قسمة بين الجنسين: الرجال و النساء، و على الوجهين: الفاعليّة و المفعوليّة على السواء. و الشريط حافل بما يؤكّد ذلك ناهيك عن الوقائع والصورالصارخة في واقع الحياة والأحياء على شتّى المستويات وفي شتّى الفضاءات. و إنّ الاقتصار على المعنى القانونيّ الضيّق للاغتصاب، سيّان في قراءة الشريط و قراءة الواقع، ليس في الحقيقة سوى آليّة تعتيم، تمويه،تلطيف بل تشريع لكلّ ما عدا ذلك من أشكال الاغتصاب الّتي لا تكاد تدخل تحت حصر. لا، بل حتّى الاقتصار على المعنى القانونيّ الضيّق وارتهانه بعمليّة الإيلاج بالخصوص من شأنه أن يفضي إلى نفس النتائج و لاسيّما التعتيم على ما يتعرّض له الأطفال، من الجنسين و على وجهي الفاعليّة و المفعوليّة ،مرّة أخرى، من فنون الاغتصاب الّتي لا تحصى حتّى في إطار العلاقات المحارميّة.

3.2. ليست أداة الاغتصاب وموضوعه العضو الجنسيّ فحسب، والجا وموْلوجا، وإنّما هو لدى كلا الطرفين: المغتصِب والمغتصَب بالخصوص، الجسد برُمّتِه بل الذات بكلّ أبعادها الحسّيّة والنفسيّة والذهنيّة. لأنّ العضو الجنسيّ،المذكّر والمؤنّث على السواء، قابل بكلّ سهولة للنيابة عن الجسد، بل عن صاحبه عموما في المتخيّل كما تعبّر عنه بوضوح لا مزيد عليه اللغة الدارجة التّونسيّة مثلا.

ومن جهة أخرى يُسفر الاغتصاب عن أبشع وجوهه وأفظعها حين تُتجاوز لحظته ومكانُه وجانبه الميكانيكيّ الخالص للإطلال على ما يخلّفه في شخصيّة المغتصَبة/ المغتصَب من جراح لا تندمل مدى الحياة.
كيف يمكن أن يُقرأ الشريط إذن بناء على هذه المقدّمات ومن هذه الوجهة في النظر ولاسيّما انطلاقا من مشهد ما بعد اغتصاب سلوى حتّى نهاية الشريط؟

البداية من مشهد تعنيف صطوفة الّذي يمكن أن نعتبره الآن، و دون أيّ تحفّظ، اغتصابا بأتمّ معنى الكلمة لم يأت نتيجة لاتّهام سلوى الصادر بدوره عن وجهة نظرها الانتقاميّة من ” الرجال الكلّ” وإنّما هي وجهة النظر الثانية هذه الّتي أملته لمقصد واضح: فتح عمليّة الاغتصاب على دلالتها الأعمّ و الأوسع(ليست الفتيات و النساء وحدهنّ مستهدفات في الاغتصاب ولا هو مقتصرعلى مظهره الجنسيّ الميكانيكيّ). المشهد في هذه الحالة لا يبقى نتيجة منطقيّة مباشرة لاتّهام سلوى وإنّما هو نتيجة لعمليّة أخرى لولاها ما كان اتّهام سلوى وأعني بذلك بقاءصطوفة في مكان الواقعة لا يبادر إلى الهروب مع الهاربين. فلماذا لم يهرب مع الهاربين؟ الجواب في الظاهر واضح: لأنّه لم يغتصب سلوى، وقد أشرنا إلى هذا سابقا ولكنّه لا يكفي هنا.إنّ ترجمة هذا الجواب إلى مفردات مطابقة لوجهة النظر الثانية في القراءة تفضي إلى القول: نعم، لم يهرب صطوفة مع الهاربين لأنّه بريء ولأنّه بريء فإنّه ساذج، غرّ، غبيّ، أحمق، طفل، ناقص عقل، دُغْف… فقل فيه ما تشاء إلاّ أنّه ” راجل”، لأنّ منطق الرجولة الفحوليّة يقتضي أيضا أنّ الرجال وحدهم هم الّذين يلوذون بالفرار أمام الاختبارات الحقيقيّة الصعبة، لأنّهم فعلا هم الّذين يقدرون على ذلك نفسيّا و بدنيّا .أمّا النساء وأشباه النساء فقدرهم أن يقعوا فرائس، ضحايا، غنائم، ولائم، قرابين للمعبود القضيبي. وهذا هو بالضبط الوضع الّذي اقتضت هذه الوجهة من النظر أن يقع فيه صطوفة على أيدي جلاّديه ليتحقّق من ثمّة المشهد المعادل والمقابل لمشهد اغتصاب سلوى كما قلنا سابقا وتبدأ، فنيّا ونفسيّا، ديناميكيّة التقارب والتّوحّد بين المغتصَبين.

ولكن، بينما انحصرت مخلّفات الاغتصاب بالنسبة إلى سلوى في تخريق “الروبة” الجديدة على حدّ قولها، في الظاهر على الأقلّ، فإنّ صطوفة خرج من محنة الاغتصاب ممزّقا، مخرَّقا، مفلَّقا نفسيّا ممّا حدّد إلى مدى بعيد مسار دوره ومصيره في بقيّة الشريط فلم يَعْدُ في أبرز المشاهد أن يكون إمّا تعبيرا عن هذه الحالة و تجلية لبعض ملابساتها و إمّا ردّ فعل عليها ومحاولة في التّخلّص من وطأتها و تجاوزا لها.

لقد جرّدت عمليّة الاغتصاب صطوفة من رجولته على أكثر من وجه ليس أهمّها إنّها وضعته موضع الأنثى المغتصبة وإنّما بالخصوص لأنّها ارتدّت به إلى زمن الطفولة المقترنة في ذاكرته بالاغتصاب.

و لا بدّ من التأكيد هنا أنّ جرح الاغتصاب في نفسيّة الذكور أعمق وأوجع ممّا هو عليه لدى الإناث لسبب بسيط جدّا هو أنّه جرح مضاعف: إنّه اغتصاب وإخصاء في آن .

هل يؤكّد الشريط هذه الفكرة؟ كيف؟ ما هي علامات الارتداد إلى الطفولة في سلوك صطوفة؟ لماذا؟
و كيف تقترن الطفولة في ذاكرته بالاغتصاب و من ثمّة إذن بالخصْي؟؟

الجواب المجمل عن هذه التساؤلات كافة في القول التالي: نعم، واقعة اغتصاب/ تعنيف صطوفة على أيدي جلاّديه أحيت في وعيه ولاوعيه وجه الطفل المغتصب، الخصِيّ و إنّ أهمّ المحطّات و اللقطات و القرائن حتّى نهاية الشريط متظافرة على التعبير الواضح الصارخ عند ذلك كما أبيّنه بشيء من التفصيل في الوقفات التحليليّة التالية:

{{الوقفة الأولى: أحلام صطوفة:}}

من المعلوم المبذول أنّ الحلم هو زمن استيقاظ واشتغال اللاوعي بامتياز كذلك من المعلوم المبذول أنّ عمليّة الارتداد الطفوليّ على اختلاف صيغها وتمظهراتها إنّما تدور في نطاق اللاوعي أساسا و الحاصل من هذا و ذاك أنّ حكم المرتدّ إلى الطفولة حكم الحالم لا فرق إلاّ أنّ هذا نائم و ذاك صاح أمّا في الداخل النفسيّ لكلّ منهما فالحال هي هي.إنّ مثل صطوفة، بعبارة أخرى، مثل كلّ عُصابي من حيث أنّه اليقظان الحالم على الدوام، فهل من الصدفة بعد هذا أن يكون صطوفة على امتداد الشريط مسكونا بحلم الرحيل إلى الرأس الأخضر ( الكاب فار Cap-vert )فهناك السكينة وهناك السعادة وهناك التوازن المطلق ممّا يخوّل إلى حدّ بعيد القول بأنّ هذه الصورة الحلميّة اليقِظة ليست في الحقيقة النفسيّة سوى تعبير عن الرغبة الدفينة الأصيلة في العودة إلى الجنّة، الخضراء، أي إلى الرحم الأمومي. وهذا الوجه في التأويل كاف وحده مبدئيّا للتدليل على بعض معاني الارتداد الطفولي لكنّه فضلا عن ذلك يقدّم لنا المفتاح الكفيل بتفسير الحالة وفهمها: علّة الارتداد الطفوليّ نفسها و تحديدا في عقدة أوديب بكلّ لحظاتها والكيفيّة الّتي بها تعاش من قبل الطفل ومحيطه. إنّ الارتداد الطفوليّ هو في كلّ الأحوال علامة على أنّ عقدة أوديب لم تحلّ على الوجه السويّ أي أنّ الرغبات المحرّمة المحدثة لها أو المترتّبة عليها لم تُطرَد بصفة نهائيّة أو شبه نهائيّة في مناطق اللاوعي القصيّة فتظلّ حيّة، مؤثّرة بقوّة في حياة الإنسان بعد الطفولة في حالتي اليقظة و النوم على السواء. و هكذا حال صطوفة: إنّه حالة أوديبيّة بأتمّ معنى الكلمة.

هذا عن حلم البقظة عند صطوفة و لم يأت حلم النوم إلاّ بما يؤكّد هذه الحالة الأوديبيّة لديه: الأب يُساق إلى المشنقة من قبل جمع من الجلاّدين. من المؤكّد أنّ لهذه الصورة علاقة مباشرة بواقعة التعنيف/ الاغتصاب/ القتل الّتي تعرّض لها صطوفة قُبيل سويعات من ظهورها في الحلم مع تغيير أدخله عمل الحلم بوضع الأب موضع الابن. و لكن ليس لها هنا مبلغ الأهميّة الأكبر وإنّما هو في الدلالة الشفّافة في هذه الصورة على شهوة قتل الأب لدى صطوفة. فهنا الدليل القاطع مرّة أخرى على أنّه خرج من محنة الاغتصاب/ التعنيف/ القتل بكلّ أطوارها مسكونا بروح الطفل الخصيّ. و على هذا النحو يستوي المثلّث الأوديبيّ ناصعا صارخا: رغبة في جماع الأمّ عبّر عنها بصورة لطيفة حلم اليقظة بالعودة إلى الرحم الأموميّ، شهوة قتل الأب الحائل دون تلك الرغبة، رهاب الخصي ويترتّب على هذه الشهوة وتلك الرغبة وكلتاهما محرّمة.
ودعْ عنك ما يقدّمه لنا الشريط من مشاهد واقعيّة تبرز توتّر علاقة صطوفة بأبيه وتعاطف الأمّ معه ممّا يمكن أن يعزّز هذا الاتّجاه في التأويل فإنّ القضيّة أعمق من هذا وأعمّ. فإنّ استمرار الحالة الأوديبيّة الطفوليّة في نفس الشابّ ( والكهل أيضا وحتّى بعد الزواج) ليس خاصّا بصطوفة بل لعلّه أحد المكوّنات الثابتة في الشخصيّة القاعديّة للذكر عامّة في مجتمع تؤسّسه إيديولوجيا الرجوليّة الفحوليّة القضيبيّة.إنّ مختلف تجلّيات هذه الإيديولوجيا في الواقع اليومي المعيش، في العائلة و خارجها، و في الثقافة و القيم السائدة عامّة لا يمكن أن تنعكس في نفسيّة الطفل إلاّ بوصفها جهازا، ماكينة، سلطة خاصِية كما يذهب إلى ذلك، عن حصافة لافتة، عبد الوهاب بوحديبة في أطروحته الشهيرة ( الجنس في الإسلام ص 267 من الطبعة الفرنسيّة 1975) و من هاهنا بالذات ينفتح شرخ المفارقة الكبرى في النظام الذكوري
و إيديولوجيته الفحوليّة: فقدر الطفل أن يكون مسكونا برُهاب الخِصاء إعدادا لانخراطه في مجتمع الفحول، وليس طقس الختان سوى التكريس الفعلي الدموي لهذه القضيّة رغم ما يُضفى عليه لدى بعض الدارسين من أردية التشريع الاجتماعي بدعوى أنّه ” طقس عبور” وما هو في الحقيقة إلاّ قطع لجسر العبور الطبيعي من الطفولة إلى ما بعدها ( علما بأنّ للجسر في تأويل الأحلام دلالة على عضو الذكر إذ هو الرابط بين جسدي الذكر و الأنثى في العمليّة الجنسيّة).
فيا لها من مفارقة مدوّخة!! و هل من دليل أوضح منها وأصرخ على أنّنا إزاء فحولة كاذبة، مموَّهة؟! حقّا، لقد صدق من قال، و لعلّه بوحديبة أيضا،أنّ في أعماق كلّ رجل عربيّ يقيم شهريار.نعم، و لكن أظنّ أنّ شهرياريّة العربيّ ليست في مِزْواجِيّتِه، و لا في كرهه المزعوم للنساء و لا في قناع الفحولة الممَوّهة الّذي يبدو عليه لأوّل وهلة و إنّما هي في ما وراء ذلك كلّه من علامات الطفوليّة (L’infantilisme) وفي مقدّمتها عقدة الخِصاء الّتي لم يتخلّص منها إلاّ على يدي شهرزاد.

{{الوقفة الثانية: سكّين صطوفة}}

لأنّ المحنة أحيت في نفس صطوفة روح الطفل المغتًصَب الخصي فإنّه ما إن استيقظ حتّى لاَذَ بالسكّين/ قضيبه الآخر، للاقتصاص من جلاّديه/ مغتصبيه،عبر شخص سلوى على نفس المنوال الّذي به اقتصّت هي من مغتصبيها أعني عبر جسد صطوفة. أو قلْ إنّه أخذ يتأهّب لممارسة اغتصابه لسلوى على طريقته الخاصّة: قتلها الفعليّ، أي بتحويل الدلالة المجازيّة في فعل الاغتصاب الجنسيّ إلى دلالة حقيقيّة في المعنى البلاغيّ للعبارة، و على هذا النحو تتأهّب دوّامة العنف للتفاقم في اتّجاه الرعب و الموت أكثر فأكثر.

لكنّنا نعلم أنّ شيئا من هذا لم يحدث في الشريط رغم الحضور الثقيل المستمرّ للسكّين، لا بل يمكن القول دون مجازفة إنّه بدخول السكّين مسرح الأحداث أخذ الشريط يتّجه وجهة معاكسة لكلّ ما يحفل به قبل ذلك من مظاهر العنف والرعب والموت، والاغتصاب أيضا. كيف ذلك؟ لماذا؟ وأيّ معنى وراءه؟

{{الوقفة الثالثة: في الكاباريه.}}

لماذا حرّشت سلوى حارس الكاباريه ضدّ رفيق صطوفة، وهو أحد مغتصبيها الثلاثة، دون صطوفة نفسه؟ هذا هو، في تقديري، السؤال الهامّ الّذي تطرحه وقائع الكاباريه، وفي طلب الجواب عنه تنفتح السبل إلى الجواب عن كافة الأسئلة السابقة وأشباهها. و في هذا الجواب تتجلّى، في ما أرى، وجهة نظر المخرج في إدارة الشريط فنيّا أوّلا ومن ثمّة شحنه بالممكنات الدلاليّة نفسيّا وفكريّا. إنّ الجواب، في قراءتي للشريط من هذه الوجهة، متعدّد الجوانب لا محالة ولكن أهمّها أربعة:

1- جانب فنيّ أوّل يتمثّل في أنّ إخراج رفيق صطوفة من الكاباريه ومن الشريط يمكّن من حصر البطولة نهائيّا في الثّنائيّ صطوفة وسلوى.

2- جانب فنيّ ثان يتمثّل في الاستبعاد النهائيّ لمظاهر العنف وأعوانه رغم بقاء شبحه حائما ملوّحا بالعودة إلى مسرح العمليّات من خلال السكّين الّذي ظلّ مصاحبا لصطوفة.

3- جانب نفسيّ يتعلّق بسلوى: في تصرّفها على ذلك النحو ضرب من الاستدراك على تصرّفها السابق تجاه صطوفة حين حشرته في زمرة مغتصبيها مع أنّه بريء من التهمة. وليست مبادرتها إلى الحديث إليه ثمّ قبولها الخروج معه سوى تأكيد لهذا المعنى وعلامة على أنّ دورها معه سيتمحور على محاولة التعويض عن الضرر الّذي لحقه بسبب جوابها عن سؤال أخيها والصادر بدوره عن وجهة نظرها المحكومة بمبدإ ” الرجال الكلّ كيف كيف”.

4- جانب فكريّ مداره وضع سلوى في حالة اختبار لمدى صحّة هذا المبدأ نفسه من خلال ممارسة التجربة مع صطوفة الّذي أظهر لها في أهمّ المواقف السابقة أنّه على الأقلّ ليس كسائر الرجال. فما عساه يكون؟ كيف سيتصرّف؟ هل ستجد فيه سلوى ما من شأنه أن يحملها على مراجعة مبدئها و تنسيب حكمها وبالتالي العدول عن وجهة نظرها والدّنوّ أكثر فأكثر من وجهة النظر الثانية؟؟ الجواب عن هذه التساؤلات في الوقفة الموالية.
الوقفة الرابعة: في غرفة صطوفة.

كلّ الظروف متوفّرة ليحقّق صطوفة الهدف الّذي خرج من أجله: قتل سلوى. فما الّذي حدث؟ و كيف؟ حتّى انقلبت الأمور لديه فتحوّلت الرغبة في القتل إلى رغبة في الزواج من سلوى؟ هذا هو السؤال الكبير الّذي تطرحه جملة الوقائع والمشاهد الّتي احتضنتها غرفة صطوفة. والجواب الّذي يتبادر لأوّل وهلة واضح في تقديري: الاغتصاب والقتل وجهان لبنية نفسيّة واحدة. من لا يستطيع الاغتصاب لا يستطيع القتل البتّة. صطوفة لم يستطع اغتصاب سلوى رغم أنّه كان في متناوله إذن لن يستطيع قتلها رغم توفّر كلّ الظرومعنى هذا أنّ الّذي منع صطوفة من اغتصاب سلوى هو هو الّذي منعه من قتلها. ثمّ هو هو نفسه الّذي تحوّل من مانع من هذا وذاك إلى دافع إلى طلب الزواج منها. فما عساه يكون هذا المانع/ الدافع؟ وكيف اشتغل في فضاء الغرفة بكلّ مظاهره الماديّة الماثلة للعيان وأحواله النفسيّة والذهنيّة المضطرمة في عالم البطلين؟
الجواب المجمل، في ما أرى، كامن في البعد الطفولي في شخصيّة صطوفة، ولكنّه يشتغل هذه المرّة على غير النحو الّذي اشتغل به في ما سبق. إذ ليس الطفل المغتصَب ولا الخصيّ الّذي يبرز هاهنا وإنّما الطفل اللعب في شخصيّة صطوفة هو الّذي ينشط ويتدخّل في سير الأحداث ليوجّهها الوجهة الّتي أحدثت الانعطاف الكبير: من الرغبة في القتل إلى الرغبة في الزواج. إنّ القرائن الملموسة الدالّة على كلتا الرغبتين معطاة في الشريط بكلّ وضوح: بتقييد أطراف سلوى
وامتشاق السكّين كادت تتحقّق الرغبة الأولى أمّا الثانية، الزواج، فقد عبّر عنها صطوفة صراحة في أواخر عمليّة المضاجعة وكانت المقدّمة الّتي أسلمت إلى كلمة النهاية في الشريط على لسان سلوى: ” ماكش راجل”.

أين اللعب في هذا كلّه ولاشيء في الظاهر إلاّ وهو موح بعكس ذلك أي بالجدّ الّذي لا جدّ بعده: الموت والزواج؟
من المؤكّد أنّ الوقوف عند المظاهر الماثلة للعيان قاصر عن تقديم جواب مقنع سيّان تعلّق الأمر بالشريط أو بالممارسة اللعبيّة إذن لا مناص من البحث في ما وراء المظاهر هنا وهناك، أي لا بدّ من مساءلة الحالة النفسيّة لكلّ من صطوفة في هذا المشهد من جهة و الطفل أثناء اللعب من جهة أخرى. وهنا تسفر المساءلة عن تطابق تامّ في مستوى الوظائف الّتي يؤدّيها كلّ من مشهد الإيهام بالقتل في الشريط بالنسبة إلى صطوفة من جهة و الممارسة اللعبيّة بالنسبة إلى الطفل أو الأطفال من جهة أخرى: الهروب من الواقع، تعويضه بعالم بديل عن طريق التّخيّل، ذلك هو القاسم الوظيفيّ المشترك بين ممارسة صطوفة والممارسة اللعبيّة. نقول ذلك وإن كنّا لا ندري بالضبط ماذا كان يتوارد على مخيّلته ومخيّلة سلوى المقيّدة بجانبه من صور.لكن الثابت الّذي لا مجازفة في إقراره أنّ الأمر عند البطلين كما عند المشاهد لا يخرج عن تخيّل الكيفيّة الّتي سيتمّ بها تنفيذ القتل، ومعنى هذا أنّ القتل قد تحقّق على وجه من الوجوه في فضاء الشريط بما فيه فضاء القاعة والمشاهدين كافة. تحقّق القتل في مستوى الصور اللامرئيّة لدى الجميع أي في مستوى المتخيّل والصمت المخيّم على المشهد قرينة ملموسة تؤكّد هذا النحو في القراءة أمّا أداة القتل، السكّين، وكيف كان البطل يعبث بها على أرض الغرفة فيمثّلان قرينتين أخريين تؤكّدان الصبغة اللعبيّة للموقف. وبالتالي فلا مجال في تقديري للقول مثلا إنّ صطوفة لم يقصد، من البداية، قتل سلوى، وإنّما قصد فقط إلى ترهيبها فلو صحّ ذلك لكان تصرّفه بالسكّين على غير ذلك النحو بل لعلّ الترهيب، إن جاز الكلام عليه هنا، قد أصاب صطوفة أكثر ممّا أصاب سلوى الّتي كانت تبدو كالواثقة أنّه لن يستطيع قتلها. المهمّ على أيّ حال، ومهما تختلف الآراء في تفسير هذه النقطة فالثابت أنّ ما حصل بعدها يؤكّد أنّ المشهد قد حقّق وظيفته: قتل سلوى وإن بصفة إستيهاميّة تخيليّة لا غير وبالتالي تخلّص صطوفة من ضغط الرغبة في القتل، و هذا المهمّ، ليُفسَح المجال لنشأة رغبة/ شهوة جديدة: أكل “صحفة لبلابي”.

جاءت صحفة اللبلابي، حلّت الملعقة في يد صطوفة محلّ السكّين، سلوى دائما مقيّدة وبدأ المشهد المكمّل لما سبق( القتل المتخيّل) والممهّد لما يلحق(المضاجعة). ولا أظنّ أنّنا في حاجة إلى اجتهاد كبير لإثبات الدلالة الجنسيّة للأكل: الملعقة المتحرّكة، الصحفة، اللبلابي بمختلف مكوّناته، بالبيضة أو بدونها، كلّ هذا مع هيئة صطوفة وهو يأكل، و يُطعم ” ضحيّته” من حين لآخر، يصرخ دلالة على أنّنا إزاء تحقيق إستيهامي لعمليّة جنسيّة. و يكفي لمزيد الإثبات التذكير بالترادف الطريف في الدارجة التّونسيّة بين فعل الأكل و فعل النّيْك ممّا يسمح بترجمة ما جرى في الشريط على النحو التالي: صطوفة ناكْ صحفة لبلابي تمهيدا لأكل سلوى وبما أنّ سلوى قد شاركته في نيْك/ أكل الصحفة إذن فهي مستعدّة للتبادل وهذا المهمّ لذلك جاء قطْع قيودها بالسكّين الّذي اُتّخذ في الأصل لقتلها طيّا نهائيّا لسجلّ الساعات السابقة وافتتاحا لصفحة جديد، وإن قصيرة، قبيل حلول الصباح ونهاية الشريط.

المضاجعة، اقتراح صطوفة الزواج على سلوى، مغادرة سلوى الغرفة مردّدة:” ماكش راجل” وافتراق البطلين: تلك هي تقريبا أهمّ العناوين الّتي ارتسمت على هذه الصفحة.

لماذا بدا وجه سلوى على تلك الهيئة أثناء المضاجعة كأنّما لا يعنيها ما يدور؟أهي حرفة المومس أفقدتها الإحساس بلذّة الجنس أم أنّ شيئا آخر أقوى كان يشغلها عن الإحساس و الالتذاذ؟ ما الّذي أوحى لصطوفة باقتراح الزواج على سلوى ومصاحبتها إيّاه في حلم الرحيل إلى الرأس الأخضر؟ وإلى أي سلوى كان يتّجه باقتراحه: المومس؟ الأنثى؟ المرأة/ الإنسان؟ ولماذا رفضت سلوى الاقتراح؟وعن أي صوت فيها صدر حكمها على صطوفة بأنّه موش راجل؟ و لماذا قضت وجهة نظر المخرج على البطلين المغتصَبين، بالافتراق في النهاية؟

ما من شكّ في أنّ وجهة نظر المخرج هي المتحكّمة في كلّ شيء و بالتالي فالجواب عن كافّة الأسئلة المطروحة وما جرى مجراها مرتَهنٌ إلى حدّ بعيد بالجواب عن السؤال الأخير والّذي يبدو لي في هذا الاّتجاه أنّ وجهة نظر المخرج لم تقض على البطلين بالافتراق اعتباطا ولا لمجرّد تخييب انتظار قطاع من الجمهور متعوّد على النهايات السعيدة ميّال إلى الانفراجات المريحة والحلول السهلة مهما تكن مفتعلة، وإنّما قضت بذلك بناء على ما سبق في الشريط وكلّه متظافر على الإعداد لهذه النهاية الطبيعيّة بالنسبة إلى كلا البطلين: فسلوى بلغت خطّ اللارجعة في عالم البغاء حتّى صار صطوفة عندها موش راجل لأنّه باقتراحه الزواج منها و الرحيل إلى عالم الأحلام معا أثبت أنّه ممعن في غرارته و سذاجته سليلتيْ الجذر الطفولي المتأصّل فيه، ثمّ من هذا المآل الّذي انتهى إليه الشريط تؤكّد وجهة نظر المخرج أنّ جراحات الاغتصاب أعمق وأوجع من أن تندمل بأيّ حال.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق