” حْمَيِّدْ ” صورة أخرى للحداثة

ماذا يمكن أن يحدث عندما يحلّ الحمار محلّ الجواد ليلعب في المحافل؟

قد يبدو المشهد مقلقاً لقيمنا الجمالية، ومكدّراً لصفو تلك الصّورة النّموذجيّة الرّاسخة فينا من مئات السّنين.. صورة الفارس العربيّ وما تختزله من رؤية للجمال والبطولة… وقد يُضحك مشهد الحمار اللاعب لما فيه من مفاجأة واختلال قياساً بما أُلِف واستقرّ في الأذهان والأفئدة…

ولكن ماذا إن حدث هذا فعلاً؟

كان ذلك فقرة في “مهرجان حبة الملوك” الذي انتظم في دورته الأولى في منطقة ريفية تحمل اسم ” بني حازم ” من معتمدية مكثر ولاية سليانة (تونس) بتاريخ 14 جوان 2009. عندما ساق حْمَيِّدْ حماره الأشهب ليتوسّط “حلقة المحفل”، بزينة متواضعة وخطى واثقة وتركيز من يُقدم على خلقٍ جميلٍ. فدبّت في الجماهير الكثيرة ضجّة الضّحك والحركة والاستبشار، وانفرجت الأسارير كلـّها كأنـّما الجميع قد تنفـّسوا الصّعداء بعد أن انتهى “طرح الحصان” وما يقتضيه من فرجة صارمة وأعصاب مشدودة، وحلّ وقت الاسترخاء والضـّحك والمتعة. وعندما لعب حميّد بلغت أعاجيبُه وحماره بالجماهير ذروة طربها حتى انطلقت الضّحكات الحبيسة عالياً، وخرق كثيرون نظام الحلقة التي كانت لتوّها مضروبة حول “مطرح الحصان” بكلّ انضباط، وتقدّموا من الحمار ليلاعبوه ويشارك بعضهم في ركوبه. فكان كلّ ذلك صورة مدهشة للعرض الفرجويّ الحيّ الطريف.

كيف تجرّأ حميّد، ذلك “الرّيفيّ البسيط”، على ترويض الحمار على صنعة لم تكن له يوماً؟ وكيف تجرّأ على شقّ تلك الحلقة مباشرة بعد “طرح حصان” حقيقي؟ وكيف واجه كلّ تلك الجماهير؟

إنّ ما أقدم عليه حميّد يومها ليبدو في نظري درسا في الحداثة قد يفيد الكثيرين. فإذا كانت الحداثة تعني، في ما تعنيه، تحريك السّواكن، والجرأة على السّؤال لإعادة النـّظر في الأشياء بشكل يضمن للأخلاف الحقّ في التـّفكير الحرّ والمستقلّ دون التـّقيّد بالأسلاف، فإنّ حميّد قد هزّ اطمئناننا إلى ثوابت كثيرة ترسّبت في الأعماق حتى أصبحت سجوناً دونها سجون. فأوّلها تلك الصّورة النـّموذجيّة للجواد والفارس العربيّين، والتي لا نرى الأبّهة والبطولة والجمال إلا فيها. وثانيها تلك المنزلة التي نخصّ بها الحمار دون سكـّان الأرض جميعاً على أنـّه مخلوق الشقاء والغباء. وثالثها معضلة تجمّعنا الدّائريّ المغلق حول كلّ مركز، وما يولـّده من انشداد كلّ العقول والأفئدة والحواسّ، والقرائح أحيانا كثيرة، إلى نقطة مركزيّة واحدة كأنـّه ليس في الحياة غيرها. ورابعها، وهو الأهمّ، ما استقرّ عندنا من قيم جمالية ضاربة في البلى. فما الذي يجعلنا نؤمن لقرون طويلة بأنّ الجمال للحصان وحده دون الحمار؟.. ألا يمكن للحمار أن يقدّم عرضا جميلا؟.. وبأيّ “مقياس جماليّ” نحكم للجواد بأنـّه الحيوان المناسب للاستعراض والفرجة، وعلى الحمار بأنـّه لا يصلح إلا “للأعمال الخسيسة”؟ ..

إنـّها الثوابت نفسها التي تجعل الكثيرين منـّا يرفضون كلّ جديد. ففي مجتمعاتنا العربية، وباستثناء بعض من النـّخبة، كم تكون نسبة الذين يقبلون (أو يقدرون على) التـّفاعل مع الفنّ الحديث تشكيلاً كان أو شعراً أو مسرحاً…؟ ولعلّ ما يجري على الفنّ يجري على سائر شؤون الحياة..

من البديهي أنّ السياق الحضاري الذي أنتج تلك الثوابت قد تقادم عهده، فأصبح الزمان غير الزمان والمكان غير المكان. فالبداوة وما ارتبط بها من نمط عيش وقيم ورؤية للحياة والوجود مخصوصة ومعروفة عن المجتمع العربي منذ الجاهلية إلى وقت غير بعيد هي التي أعطت للجواد تلك الصّورة وللحمار تلك المنزلة، ضمن منظومة من القيم الجمالية والحضارية والأخلاقية مثلت حصيلة تفاعل “العربي المسلم ” (ولا بدّ من وضع العبارة الأخيرة بين ظفرين لأنّ ضبط مفهومها وماهيتها يقتضي نظراً ليس هذا مجاله) مع بيئته ورؤيته للحياة والعالم انطلاقا من تجربته المخصوصة في الوجود. لكنّ “الصّحراء” التي من رحمها تولدت تلك البداوة فعل بها الزمن (التاريخ) فعله، فتحوّلت عمّا كانت عليه لتصبح كما هو معلوم مأدبة يتنازع عليها سماسرة المصالح والثروات الطبيعية ومناطق النفوذ وعصابيو الكراسي، دون أن يكون لأهل الصحراء ناقة ولا جمل. فكيف تبقى تلك الثوابت راسية لا يفعل فيها الزمن كما فعل في السياق الذي أنتجها؟ ألا يمكن الحديث عن مرحلة أخرى نعيشها الآن ضمن تلك الصيرورة الحضارية لها خصوصيتها التي تفرض علينا أن نتفاعل مع معيشنا وننتج قيمنا ورؤيتنا كما فعل أجدادنا؟ أم أنّ التفاعل الإيجابيّ امتياز منحته قوّة ما للأجداد وحدهم وقسمت لنا أن نحتذي ونكرّر بسلبية؟ ألا نحتاج اليوم إلى قيم جمالية جديدة ننفتح بها على نظرة حديثة للفنّ ومن ثمّ للحياة؟

لعلّ الإنسان لا يحتاج إلى الخطابات الطويلة ليكون حداثياً، لعله يحتاج فقط إلى أن يكون على سجيته، لأنّ سليقة الإنسان وطبعه وغريزته نزّاعة نحو التجدّد ملولة من التكرار والرّتابة. وهذا تماماً ما احتاجه حميّد ليفعل ما فعل؛ ريفيّ قادته سليقته إلى أن يكسر الأطواق فلم يأبه بكلّ هذا الكلام أو لم يعرفه، وإنّما استجاب لجذوة الحياة المتأججة في داخله، فعرض على الناس ما عنده دون خوف أو وجل. وهنا درس آخر: الفرد المؤمن بتفرّده، والذي يعرض على الناس خلاصة جهده دون أن يحتار كثيراً حول ردّة فعلهم. ففي النهاية ماذا سيحدث إذا لم يعجب الناس بما يعرض؟ هل سيكفـّرونه ويخرجونه من الملـّة؟؟ إنّ الخوف المبالغ فيه من “كلام النـّاس” يكبّل الأفعال والعقول والمشاعر، ويكرّس “الوعي القطيعي” حتى عند المثقف أو المبدع إذا بنى إبداعه على ما يفترض أن يعجب الناس ويرضون عنه. وهذا ما تحرّر منه حميّد، وكأنـّه أدرك بسليقته حقـّه في رؤيته الخاصّة “لعرض الفروسية” كما تخيّله وفكر فيه وأعدّ له، لا كما سطـّره له السّابقون. أمّا الجماهير فقد احتاجت هي الأخرى إلى السّجية الإنسانية ذاتها لتتفاعل مع العرض على ذلك النحو الإيجابيّ الذي كان فرحة استوى فيها الريفي والمدنيّ والمزارع والأستاذ والمعلـّم والتلميذ والرّاعي، وتقاسم الجميع لحظة ابتهاج غفل عنها حرّاس القيم التليدة، وتفتـّح فيها برعم الحياة وارفاً أخاذاً ومنطلقاً على سجيته كما هو في شجرة حبة الملوك، وفي تلك المنطقة الرّيفية التي لا يزال بعض صفائها الباقي ينسي النـّاس ما ضربوه حول أنفسهم من أسوار، ويعيد إليهم الإحساس بجذوة الحياة المنزرعة في كلّ حيّ فضلاً عن كلّ إنسان.

إنّ ما قدّمه حميّد يعيد إلى أذهاننا تلك الحقيقة البديهية التي نعرفها جيّداً، وقلـّما نقف لنفكـّر فيها لحظة، وهي أنّ التاريخ في تطوّر دائم، وأنّ الزّمن لا يجري إلا إلى الأمام.. إنـّها حقيقة لا تحتاج كثيراً من “الثقافة والعلم” لإدراكها، فهي في النـّهاية جزء من القانون الكونيّ الذي تفرضه الفيزياء المنظـّمة للكون والعالم، بل الذي تفرضه حتى الغريزة. إنـّه قانون التـّطوّر الذي يفرض على جميع ما في الكون أن ينمو و”يتأقلم” أو يتفتـّت وينقرض، ومن هنا يصبح التـّطوّر والتـّجدّد تمظهراً لقوانين الطبيعة ولغريزة حبّ البقاء، وهي غريزة لا يمكن قهرها كما لا يمكن قهر الحياة نفسها. لذلك نجد “ريفيا بسيطا” مثل حميّد يفعل ما يفعل ليبعث في الجماهير من الدّهشة النـّشوة والحراك ما لا يبعثه “طرح الحصان”، رغم أنّ الجميع إذا عادوا إلى مواقعهم العتيقة تذكـّروا أنّ الجِدّ كلّ الجدّ في “لعب الحصان”، وأنّ ما قدّمه حميّد وحماره ليس أكثر من لهو عَبرْ!!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق