“خادمتا” الأسدي

   تتعدّد الأسباب التي صعّبت على المخرجين في العالم العربي، بشكل عام، تناول نصوص الكاتب المسرحي الفرنسي "جان جنيه" (1910-1986)، ولعلّ أبرزها تعارض هذه النصوص في جوهرها الفكري مع غالبية البُنى السياسية الحاكمة في المنطقة العربية، إلى جانب الشح الشديد الذي تعاني منه المكتبة العربية في ما يخص ترجمات ونقد أعمال "جنيه" المسرحية منها أو الأدبية، دون أن ننسى التقنيات العالية التي غالباً ما تتطلبها أعمال "جنيه" وتحديداً على مستوى الديكورات.

   من هنا ربما كان استثناء نص "الخادمتان" (1947) الذي حظيّ بأكثر من تقديم في سورية والعلم العربي، حيث يكتفي "جنيه" بمكان واحد هو غرفة نوم السيدة، وبثلاث شخصيّات، مما شكل إغراء لكثير من المخرجين، وها هو المخرج العراقي "جواد الأسدي" يعود اليوم إلى محاولة التصدي لهذا النص الذي سبق له واشتغل عليه.

   قرابة الخمسون دقيقة ينقلنا "الأسدي" خلالها إلى عوالم الخادمتين "صولانج- كارول عبود" و"كلير- ندى أبو فرحات"، ليكشف عن طبيعة العلاقة الإنسانية التي تجمعهما مع بعضهما ومع سيدتهما ضمن قراءته الخاصة لهذا النص، حيث يبني "الأسدي" سينوغرافيا فضائه المسرحي من منصة ذات فتحات تميل باتجاه المتلقي، وتمثّل غرفة السيدة، أمّا أسفلها حيث ينعدم الضوء والهواء يكون المطبخ وبالتالي مساحة الخادمتين، دائمتا التسلّل إلى الأعلى عبر هذه الفتحات، إلا في زمن اللعب حيث يدخلون من الباب.

   زمن اللعب هو الزمن الذي يبتدئ به النص والعرض، الزمن الذي يخرج عن السياق التقليدي، لتغدو "كلير" السيدة و"صولانج" خادمتها. لتمثّل كل واحدة مرآةً للأخرى تكشف ما بداخلها.

   (صولانج: لكنني اعلم أنني أثير قرفك وأثير اشمئزازك، وأنا أعرف ذلك لأنك تثيرين قرفي. أن نحب بعضنا في القرف يعني أن لا نحب.

   كلير: بل يعني أننا نحب بعضنا أكثر من اللازم، لكنني لم أعد أستطيع احتمالك، مرآة مخيفة ترجع لي صورتي كرائحة نتنة) (1)

   يمكننا الانطلاق من هذه الجملة لتأسيس قاعدة مرجعية في دراسة مقارنة سريعة ما بين رؤية "جنيه" ورؤية "الأسدي"، إذ وعلى سبيل المثال، اقتطع "الأسدي" في إعداد النص جملة (بل يعني أننا نحب بعضنا أكثر من اللازم)، على أهميتها الشديدة، ومعها اقتطع أكثر من مستوى في شبكة العلاقة الثلاثية "كلير- صولانج- السيدة".

   خادمتا "الأسدي" نموذجيتان كأيقونتين جامدتين عن كل مُضطهدي العالم السُفلي، الذي يُعدُّ "جنيه" ابنه البار وإنما بعيداً عن صورة الأيقونات الكلاسيكية هذه. "جنيه" اللقيط الذي قضى الشق الأعظم من طفولته في الإصلاحيات، المتمرد، المعادي الصريح لكافة أشكال السلطة والنظم وصولا إلى مفهوم الأمة الفرنسية، "جنيه" المتضامن مع حركة "الفهود السود" في أميركا، والقضية الفلسطينية، وحركة التحرير في الجزائر. أبطاله شخوص مسحوبة من عوالمه الحياتية قبل أن تكون الذهنية، إذ يبني "جنيه" نصاً مسرحياً من مستويين، بلغته، بزمنه، بالحدث الذي يتخلله، بتقسيماته، وكافة التفاصيل الأخرى. المستوى الأوّل هو مستوى القراءة المباشرة، خطاب الغضب والحقد، القذارة والدونية، العنف والبشاعة، وهو المستوى الذي تابعنا خادمتا "الأسدي" من خلاله. فالخادمتان شخصيتان مسحوقتان، مليئتان بالحقد والكراهية التي تفيض لتصبغ علاقتهما المباشرة، مع بعض اللحظات العابرة التي تتخللها مشاعر تعاطف أو شفقة ما بين الأختين. لكن وفي المقابل، توصف هذه القراءة للشخصيات والنص بالسريعة، التي تميل إلى إتباع الصورة الأنموذج.

   المستوى الثاني هو مستوى القراءة غير المباشرة، وفيه يقدّم "جنيه" الجميل والإنساني من زاوية مختلفة، حيث نرى الضعف، الذاكرة المليئة بصور الاضطهاد والقمع والتهميش، ونرى الوجه الآخر لأحداث العنف، إذ نقف على آليات القمع والتهميش الاجتماعي وما تفرزه من أشخاص مشوهين. لتغدو خادمتا "جنيه" التصوّر الأكثر دقة وواقعيّة عن أي خادمتين، وعن شريحة المُضطهدين التي تمثلانها، في علاقتهما مع بعضهما كما في علاقتهما مع السيدة، التي تشكل بدورها النموذج الفعلي لما يمكن لسلطة المُضَطَهِد أن تكون عليه. إنهما كائنتان إنسانيتان بكل ما في الكلمة من معنى، تحبان بعضهما حتى يلتبس الأمر في النص مع خروجه عن سياق العلاقة التقليدية بين أختين، إلى علاقة ربما سحاقية، ليس لرغبة جنسية بحتة، بقدر ما هي شكل فج ومباشر من أشكال التعبير عن الحب، والحاجة الشديدة إليه. أختان تشعران بالحزن، بالخوف، بالفرح، وبثقل تاريخ طويل من الاضطهاد، ليبقى أمامهما السؤال عن مدى إمكانية إحداث تغيير أو مجرّد فرق بسيط، خلخلة في توازنات القوى الاجتماعية السائدة.

   أمّا السيدة التي يُلغي "الأسدي" حضورها من على الخشبة، مُكتفياً بإسقاطٍ بصري لمجموعة صور تمثّل سيدة صلعاء قاسية، متباهية، مليئة بالزينة. فإنها على العكس تماماً من صورتها التي يقدمها نص "جنيه" على أنها سيدة رقيقة، مليئة بالأنوثة، بالجمال، والعطف على هاتين الخادمتين، حتى أنّ ابتسامتها التي تشبه ابتسامة الملائكة منعت "صولانج" عن إتمام مخطط قتلها وهي نائمة.

   أزمة العرض الأولى التي أنتجتها القراءة السريعة، أو القراءة القصديّة من قبل "الأسدي" أنها تنفي عن علاقة السيد/ العبد جدليتها لتأخذنا في البعد العدائي المباشر، في حين أنّ العلاقة التي يقدمها "جنيه" أقرب ما تكون إلى حالة "التماهي مع المتسلّط"، وهي التوصيف الأكثر صدقاً لنموذج العلاقات السلطوية هذا.

   إذ ليس بالضرورة أن تستحق السيدة الكره، وخادمتا "جنيه" لا تكرهانها في واقع الأمر، على العكس من خادمتا "الأسدي"، بل إنهما شديدتا التعلّق بها، حتى أنّ "كلير" تُفضّل لعب دور السيدة في زمن اللعب المُتخيّل لما تجده فيه من إشباع لنقصها، فتوحدها مع السيدة عبر اللعب يُشبع فيها الإحساس بالرقي والكبرياء، ويُهئ لها أنها جميلة ورقيقة مثل سيدتها. (2) وإنما هما تكرهان، وببساطة سلطة السيدة، تكرهان التقسيم الطبقي الذي جعل السيدة سيدة وجعلهما خادمتين. حيث تشكّل وعيهما بذاتهما والعالم وفق هذا التقسيم، لتكبر معهما مشاعر الحقد والغضب، وتعشش الإهانة في داخلهما. لكن هذا لا يُلغي إنسانيتهما المجروحة حتى التشوّه من الداخل، ومن جهتها لا تنجح هذه الإنسانية في نقض حكم التقسيم الاجتماعي القبْليْ. ففي تلاوين اللغة نتلمس ازدواجية شخصية الخادمتان، بين وعيهما بالقالب الاجتماعي كخادمتين، وبين وعيهما بذاتهما الإنسانية، التي عملت قسوة المجتمع على تجريدهما منها، حتى غدوتا مُجرّدتان من أي صفات إنسانية خاصة.

   يمكننا سحب نموذج خادمتا "جنيه" إلى شعوب بأكملها، تتماهى مع سلطاتها القمعية، وتعكس غضبها على ما يُمارس بحقها من اضطهاد تجاه ذاتها، لتغدو مليئة بالكراهية والحقد على ذاتها، تطلب مزيداً من العذاب القمعي، الذي يغدو في ارتداده هذا وكأنه تطهّري بالنسبة لهذه الشعوب. وأكثر، نجد تراتبية دقيقة في تسلسل العنف والاضطهاد، وما أكثر ما نسمع عبارة "ناس ما بتجي إلاّ بالصرماية" من سائق سيارة أو موظف أو حتى أستاذ.

   أزمة العرض الثانية ظهرت عبر اللغة العربية الفصحى التي استخدمها "الأسدي" مع بعض العبارات التي أتت في العامية اللبنانية، دون أن ننجح في الوقوف على سبب دخول العامية أو خروجها من سياق خط العرض الدرامي. إذ أنّ اللغة التي استمرت منذ لحظة البدء حتى لحظة الختام في استخدام ذات المفردات التي تعكس الألم والغضب والكره، كشفت سريعاً زمن اللعب الذي يفترض اختلاف لغة السيدة عن لغة خادمتها. علماً أنّ السؤال الذي يطرح نفسه ومنذ البداية لماذا الفصحى لخادمتين، لنص "كرنفالي" بالدرجة الأولى والأخيرة؟

   الأهم كان محاولة "الأسدي" اللعب على ظلال اللغة وكأنه ينحو على خطى "جنيه" نفسه. إذ كانت لازمة العرض اللغوية هي "الذروة" (كان سياقها الدرامي في أغلب الأحيان ذروة التصعيد الدرامي، لكن الأداء الذي رافقها مال بها إلى سياقات الذروة الجنسية) وليس "أكرهك" وهي واحدة من أكثر الكلمات تكراراً في النص.

   اللغة لدى "جنيه" جزء من أجزاء عالمه المسرحي الكرنفالي. لغة قاسية، عنيفة، مبتذلة وسوقية. تبني ذاتها في مواجهة الخطاب اللغوي الرسمي، وتهدف من حيث موضوعاتها إلى السخرية منه وهدم بثُنيته المركزية، تحتفي بالدوني، تؤكد على انعدام التواصل بين الشخصيات، وإن ظهر فيها تكّلف- واستخدام اللغة الفصحى يعكس بالضرورة شكلاً من أشكال التكلّف- فهو لإعلان المفارقة عبر التقابل الضدّي بين اللغتين الرسمية المهذبة، والشعبية السوقية، وهو ما لم نلمسه في قراءة "الأسدي" وعرضه.

   "الأسدي" القادم بتجربة طويلة مع نظام الحكم السابق في العراق، ومن ثم رؤية بلاده بين سندان الجيش الأميركي ومطرقة الحرب الطائفية، حيث تختلط في بلدٍ بأكمله مفاهيم الاضطهاد، ويغدو العنف سلسلة متبادلة بلا نهاية، تختلط بالتالي اللغة ومستوياتها، فمن صاحب السلطة، ومن المُضطَهِِد ومن المُضطهَد؟!! من يُصدّر العنف ومن يتلقاه؟ حين تغدو البلاد مجموعة مرايا تعكس كل منها صور العنف وبأكثر أشكاله دموية. نكتشف في التعميم السياسي أنه من السهل والمريح دوماً أن نقول أنّ السيدة سيئة، ويجب علينا التخلّص منها، كما في قراءة "الأسدي". عوضاً عن أن نقول أنّ هذا النظام سيء وعلينا العمل على تغييره، ففي مستوى الرمز، نتساءل بعد سقوط تمثال "صدام حسين" عن مدى نجاحنا في إحداث ولو مُجرّد تغيير، فرق بسيط في بُنية النظام الاجتماعي التي أنتجها هذا الرمز عبر سلطته التي دامت عقوداً؟!! حيث زال الرمز الذي صدّر طويلاً عنفاً متوالياً ورعباً وتقسيمات اجتماعية قاسية، ومع زوال هذه السلطة القمعية المباشرة وجدّ كل واحد في نفسه مقداراً هائلاً من العنف والقسوة يصدرّها للآخرين المُعنفين مثله، وهو تأكيد على عنف النظام السابق وربما فعاليّة في مجرى تغييره.

   انزياح بسيط في رؤية "الأسدي" منح العرض شحنة أيديولوجية، لكنه ضيّع علينا  فرصة الغوص في أعماق نصوص "جينه" الأكثر إشكالية في علاقتها مع أي سلطة أو نظام، إذ ليس الرمز سيئاً- بحسب "جنيه"- وإنمّا النظام الذي أنتج هذا الرمز، الذي يمارس سلطته في تأكيد مستمر وإعادة إنتاج لمفاهيم النظام نفسه. وعليه يمكننا القول أنّ قراءة "الأسدي" لنص "الخادمتان" لم تنجح في الخروج عن السياق التفريغي الذي تقدّم به غالبيّة العروض السورية بشكل خاص، وربما العربية بشكل عام، مع بعض الاستثناءات. 
 
 الهوامش:
1- جان، جنبه: الخادمات، حنان قصّاب حسن، ص 203, سلسلة "عالم المعرفة", الكويت, 1997.
2- راجع الخادمات، ص 1622 .
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق