خالد خليفة: نحتاج إلى مئة سنة ومئة روائي لكتابة قصص الشجاعة التي ينسجها شباب سورية اليوم / راشد عيسى

تحظى رواية الروائي السوري خالد خليفة «مديح الكراهية»، يوماً إثر يوم باهتمام لافت، فبعد وصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة «البوكر» العربية، راحت الرواية تأخذ طريقها إلى لغات العالم، الفرنسية والإيطالية والنرويجية وسواها. لكن هل «البوكر» هي ما فعلت ذلك، أم أن الحدث السوري جعل الرواية تحت الضوء، رغبة في فهم الواقع السوري المستجد، خصوصاً أن الرواية تتحدث عن أحداث ثمانينيات القرن الفائت في سوريا، والعنف الذي استبد بالبلاد حينذاك.

إنها مناسبة على أي حال لاستكشاف موقف الروائي السوري إزاء ما يجري في بلده، أين يقف، وأين تقف الرواية، والروائيون.

 

÷ مع بداية الانتفاضة السورية صدرت ترجمات عديدة لروايتك «مديح الكراهية»، فرنسية وإيطالية وهولندية ونرويجية، بانتظار صدورها بالترجمة الإنكليزية والإسبانية خلال الأشهر القليلة المقبلة، وهي التي تتناول فترة الثمانينيات العصيبة في سوريا. هل جاءت الترجمة استجابة لحاجة غربية لفهم الواقع السوري، أم ماذا؟

الترجمة إلى ست لغات حتى الآن جاءت تنفيذاً لعقود وقعت منذ أكثر من ثلاث سنوات وصادف صدورها في بداية الانتفاضة، وأعتقد بأن عوامل عدة لا أستطيع تحديدها أو اختصارها تؤدي بذهاب أي كتاب إلى لغات أخرى، من الممكن أن تكون حاجة فهم مجتمع أو ثقافة من ضمنها، لكنها بشكل مؤكد ليست العامل الحاسم، هناك الكثير من الكتب التي تؤدي إلى فهم أفضل لأي مجتمع.

÷ ما أبرز ردود الفعل الأجنبية على روايتك؟ كيف اختلف التلقي بين اللغة العربية والثقافات الأخرى؟

يجب الانتظار وقتاً أطول لرصد ردود الفعل الحقيقية للرواية في اللغات الأجنبية، الاستقبال الإعلامي كان مقبولاً، سمعت كلاماً مشجعاً قاله بعض الأصدقاء لا أعتبره معيار قياس، والاختلاف في التلقي بين ثقافتين هو الفرق بين ثقافة تحتفي بالكتاب وبين ثقافة تودي الصدف فيها إلى وصول كتب إلى قراء، أحاول أحياناً تفهم آليات التلقي ولكنني أكتشف، وقد أكون مخطئاً، بأن القراء في العالم يحتاجون إلى كتاب جيد يحرض عندهم الحلم والخيال والتفكير ويستفز ذكاءهم ويمتعهم.

÷ قلت حينذاك، وكنا ما زلنا في بداية الانتفاضة، إن السلطة تكرر عنف الثمانينيات، ما عساك تقول اليوم؟

أضيف وأقول بأن السلطة تماهت مع الثمانينيات بأسوأ صورها، أوغلت في الذهاب إلى الماضي الدموي إلى درجة أنني حين أراقب ما يحدث أشعر بأن السلطة مازالت تعيش في عصر الكهوف المظلمة، مع علمي بأنها ترتكز إلى مبدأ أساسي تظن أنه سيحميها ويعرفه أغلب السوريين، ألا وهو أنها نظام الضرورة في هذه المنطقة من العالم لكنها تتناسى بأنه لا توجد ضرورة تستطيع حماية نفسها من أي شعب أوغلت في دمه إلى هذه الدرجة.

÷ ما العلاقة بين الزمنين؟ الثمانينيات واليوم؟ هل تشعر أن الراهن السوري ولد من رحم ذلك الزمن؟

شيء مختلف تماماً، في الثمانينيات كان الصراع بين حزب وسلطة، بينما اليوم الصراع بين شعب وسلطة، ولا أخفيك سراً حين أقول بأن السوريين ندموا أشد الندم لأنهم تركوا حماه وحيدة في الثمانينيات، خاصة أن مكافأة وقوف السوريين ضد المشروع الطائفي وقتها كان ذهاب خيرة شباب سورية إلى المعتقلات سنوات طويلة.

÷ اليوم في سورية ثورة شعبية عظيمة بكل مقاييس الشجاعة ضد نظام لا يعرف شعبه، ولا يريد أن يعرفه.

هو صراع بين المستقبل الذي يريد أن يذهب إليه السوريون مستعدين بكل نبل وكبرياء لدفع أثمان الذهاب إليه، وبين السلطة التي تريد للزمن أن يتوقف، وتعتقد بأنها قادرة أن تخلط الأزمنة كما لديها وهم خلط الأوراق مستخدمة أدوات قديمة إلى درجة تبعث على الدهشة.

÷ هل أوحت لك الأحداث الراهنة بكتابة ما؟ كيف تكتب عموماً هذا المستجد السوري؟

المستجد السوري كما تسميه كتابته تحتاج إلى وقت، صدقني بأننا نحتاج إلى مئة سنة ومئة روائي لكتابة قصص الشجاعة التي ينسجها شباب سورية اليوم، وهذا مزاج شخصي فأنا شخص بطيء في الكتابة، خاصة في الرواية، لكنني لن أكون بمنجى من فتنة الكتابة عن هذه الثورة التي أصبحت أسطورة تلهم العالم.

÷ كيف تفسر، وأنت ابن مدينة حلب، هذا الصمت الحلبي خلال هذه الثورة؟

لا تفسير لديّ سوى أن حلب مدينة لديها مرجعيات استطاع النظام رشوتها، كما رشا مرجعيات دمشق المدينة، كرجال الدين والتجار والصناعيين. واستطاع عبر سنوات من العمل الدؤوب على تفتيت أي تجمع، لكن ريفها يتحرك، وبعض أحيائها أيضاً، لكن صمتها لن يطول.

العيش في المستقبل

÷ هل حاولت الذهاب إلى مكان الأحداث، المظاهرات، الجنازات؟ ماذا وجدت؟ وهل من خريطة ترسمها اليوم لنوعية المحتجين؟ كيف تفسر وقوف الواقفين مع النظام، واعتراض المعترضين؟

نعم ذهبت وشاركت ورأيت وسمعت، ومازلت مهتماً بكل هذه الحواس. الاكتشاف الكبير بالنسبة لي هو اكتشاف المعنى الحقيقي لكلمة شعب، واكتشاف المكان، وفخري بأنني أنتمي إلى هذا الشعب وهذا المكان. اكتشاف معنى كلمة بسالة وشجاعة وتكافل اجتماعي ووعي مدني، هذه صورة سورية الحقيقية التي لم يعرفها جيلنا.

أما نوعية المحتجين فكما قلت لك هو شعب بكل ألوانه يريد أن يعيش في المستقبل، تراكمت أحزانه وآلامه وظن النظام بأن صمته رضى، لم يكن يعرف النظام معنى الصمت السوري بأنه نوع من المقاومة التي وجدت أخيراً طريقة للتعبير عنها بعد ثورتي تونس ومصر، وفي جانب لا يمكن نكرانه هذه ثورة طبقية بكل ما تعنيه الكلمة، الثورة السورية هي روح سورية تكثفت وأنتجت كل هذه الألوان والموسيقى، ودفع الشهداء أثماناً، وما زالوا يدفعون بكل رحابة صدر ثمن احتجاجهم ضد كل العالم، نعم إنها ثورة قلب العالم على ظلم النظام والعالم بأقسى تجلياته.

المثقفون

÷ كيف تجد المثقفين في تعاطيهم مع الأزمة؟ إلام تحيل مواقفهم؟

في الشهر الأول للثورة كان الموقف صادماً بالنسبة لي شخصياً، مجموعة من أصدقائي الكتاب والصحافيين نتناقش طوال سنوات حول أفكار ما بعد الحداثة والرواية الحديثة بأعقد تجلياتها ارتضوا أن يروجوا لمجموعة أفكار ساذجة ضد مستقبل شعبهم، تماماً كمجموعة تناقش سنوات طويلة وليام فولكنر والرسم التكعيبي وفجأة تكتشف بأن المنفلوطي هو إمامها، ببساطة مجموعة من هؤلاء وقفوا ضد الثورة ليحافظوا على مصالحهم وكان هذا بالنسبة لي قمة الألم. لكنه في النهاية كان يجب مراجعة الصور القديمة كي نكتشف الحقيقة.

قبل الخامس عشر من آذار وصل المجتمع السوري إلى العطالة الكاملة، مرحلة ضياع الطعوم والألوان. الثقافة السورية وصلت إلى مرحلة تذكرني بموت رجل تافه، الجميع يقولون إنه جليل لكن لا أحد يخبرنا لماذا هذا التافه جليل.

وصل الجميع إلى مرحلة الموت، بما فيها أجهزة الدولة والنظام. وأحب أن أخبرك أن سكون السوريين منذ خمسين عاماً هو موضوع روايتي المقبلة التي ستحمل عنوان «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة». ولكن بعد الخامس عشر من آذار بدأت الجثة تتنفس وانتعشت، أعتقد بأننا سنبقى مدينين للشهداء رغم آلامنا، نحن الذين ما زلنا أحياء حتى الآن، الذين نعتبر أنفسنا أهل الضحايا، إلى مئات السنين لأنهم باختصار هم من نفخ الحياة في هذه الجثة التي كانت تدعى سوريا.

المثقفون الذين وقفوا مع الثورة ليسوا قلائل، وأعتقد بأنهم أهم مواهب سوريا، منهم من دفع أثماناً مضاعفة لأنهم عبروا عن عبقرية وألم سوريا التي من الممكن أن تكون أي شيء إلا مكاناً لإنتاج الطائفية والعنف.

مشاهد وصور

÷ هل عانيت من أي تضييق بسبب موقفك الداعم للثورة؟ عموماً كيف تفسر هذا الاهتمام الخاص بـ «تأديب المثقف»؟

لا أستطيع التحدث عن مضايقات لأنه لا شيء يقارن بما حدث مع الناشطين من تعسف. ما زلت أعتقد بأنه لا يجوز خطف الثورة من أجل نجومية شخصية، فوقوف أي مثقف مع أحلام شعبه وثورته شيء طبيعي لا يستدعي الانفعال وتصدير بطولات فارغة، خاصة أن الأبطال الحقيقيين متواجدون في الشارع يحملون روحهم على كفهم ويموتون بصمت.

وبالفعل من الواضح أن هناك اهتماما بتأديب المثقف، فقد كان المثقف على الدوام شخصاً وحيداً، ومن السهل التطاول عليه وتأديبه. لكن فعلاً هناك مجموعة مثقفين يستفزونني أحياناً حين يهاجمون الثورات العربية ويحلمون بثورات يقودها ميشال فوكو، رغم أنهم تخلوا عن مجتمعاتهم منذ عقود أيضاً.

أنا لا أستطيع العيش في اللغة كما أسمع من الكثيرين، ولا أبحث عن التسميات والتصنيفات. في النهاية، في كل الأزمنة كان هناك نخب خائنة وواهمة، لكن هذه المرة تجب الإشارة إليها بشكل واضح، العرب ولأول مرة لديهم فرصة لبناء دول حديثة.

÷ قل لي إذاً أي مشاهد أو صور كانت الأكثر تأثيراً بالنسبة لك؟

الصور الأكثر تأثيراً هي الجنازات واقتحام مجالس العزاء من قبل رجال النظام، إذ لا يعقل أن تصل الأمور إلى درجة أنه لا يحق لك دفن موتاك ووداع أحبتك، كما لا يحق لك الأخذ بالعزاء. أفكر بأولئك الشهداء الذين دفنوا تحت حراسة الجنود فجراً، وبالمفقودين الذين لا يعرف أحد مصيرهم،. فكرة المقابر الجماعية ترعبني. صور كثيرة لا يمكن أن تنتخب منها صورة كي تقول هذه الأكثر تأثيراً، وما زالت قصص الثورة السورية لم يجر ترتيبها في ألبوم، ولكن حين يحصل هذا سيفاجأ العالم بأن ما حدث هو تراجيديا إنسانية لا تقل عظمة وألماً عمّا حصل لمدن وثورات دخلت الوجدان البشري إلى الأبد. قصص الشجاعة والصدور العارية التي تسخر من الدبابات بالإضافة إلى قصص المعتقلين التي تروى هي بامتياز ملاحم إنسانية.

÷ على المستوى الشخصي كيف غيرت فيك هذه الثورة؟ كيف اقتحمت يومياتك؟

الثورة غيرت كل يومياتي، كما غيرت كل قناعاتي عن الكثير من الأشياء، أسئلة الانتماء، أعادت سؤال الهوية إلى الواجهة وامتحنته، أعادت أسئلة الماضي والمستقبل ومنحتني طاقة كبيرة للتفكير مع شعبي، بعيداً عن الأطروحات الساذجة التي تشبه مواضيع الأولاد المدللين الذين تحفل بهم الضفة الأخرى من أنصار النظام، كما كشفت عن الوجه الذي لا أعرفه، أو لم أكن أريد رؤيته والاعتراف بوجوده، خاصة وأن الجلاد هو أيضاً من أبناء شعبي، كثيراً ما أتساءل من أين أتى كل هذا العنف؟ نعم، الثورة بقدر ما منحتني كل الأمل في مستقبل مختلف وحرّ، أعادت طرح مجموعة كبيرة من الأسئلة أهمها أسئلة الهوية والانتماء.

مفهوم جديد للمثقف

÷ هل تعتقد أن روايتك، والرواية السورية عموماً يمكنها أن تعكس فهماً أفضل للواقع السوري الراهن؟ نسمع كلاماً كثيراً عن عجز المثقف عن استشراف ما يجري اليوم من ذي قبل.. ماذا تقول؟

نحن نعيش زمناً تاريخياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأنا صممت أن أبقى هنا وأعيش مع شعبي كي أكون جزءاً من هذا الزمن، أراقب حولي، وأتحدث إلى عدد كبير من البشر من الأطياف كافة، وأختبر فعلاً لأول مرة في حياتي مفاهيم وأفكاراً ومشاعر إنسانية عن الخوف والرعب، والشجاعة والموت والحياة تحت الأنقاض، ومفهوم شعب يصنع مستقبلاً، وأعتقد بأنها مواضيع وحكايات لن تستطيع الرواية السورية تجاهلها، لكنني أعرف أيضاً بأن كمية كبيرة من الأدب الرديء ستطفو على السطح وستكون مسلحة بهتافات أنصار يريدون لها أن تعيش، لكن هذا الأدب لن يعيش، ولا أعرف إلى متى سننتــظر كي نقــرأ روايات عظيمة عن ثورة شعب عظيـــم وتــاريخ مثـــقل بكل هذا الألم.

الحديث عن عجز المثقف هو استمرار لتقليد عربي قديم في جلد الذات، والذين يفصلون بين مجموعة رائعة من النخب الميدانية وبين الثقافة هم عميان ولا يرون. هذه الثورة أعادت إنتاج نخبها من دون أن تتباكى، ولم أسمع من هذه النخب ما يهين المثقف، أو الثقافة لذلك يصح القول هناك مفهوم جديد للمثقف ينمو تحت رماد الثورة بعيداً عن التصنيفات التقليدية. وبعيداً عن النخب التي تؤازر ثورة إيران والبحرين وتهين الثورة السورية والمصرية والليبية واليمنية والتونسية، أو تلك النخب التي تؤازر ثورة سورية وتهين ثورة البحرين، هذه نخب ستخرجها هذه الثورات من الحياة الثقافية ولا أستغرب إن وجدتهم بعد فترة قد تحوّلوا إلى مجموعات أئمة ودعاة.

÷ ماذا عن روايتك الجديدة «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»؟

روايتي الجديـــدة أصبحت مسودتها جاهزة، وأعمل على نسخـــتها النهائية، كتبتها عبر خمس سنوات وفي أمكــــنة مختلفة من العالم، وفي النهاية استطعت الوصول إلى نسختها شبه النهائية، وأعتقد أنها ستكون في الأسواق خلال الأشهر الســـتة المقبلة، وهي تفترق بشكل كامل عن «مديح الكــراهية» و«دفاتر القرباط» و«حارس الخديعة» رواياتي السابقة.

إنها رواية عن الأسى الذي ساد الحياة السورية عبر خمسين عاماً من حكم البعث، رواية عن أسرة حاولت بشتى الوسائل التخلص من هيمنة مفردات ونمط الحياة البعثية التي فرضت عليها بالقوة، لكنها وقعت ضحية لمجموعة أفكار أخرى.

هي عن الخوف السوري الذي قامت الثورة بكسره، عن الحياة السورية بتفاصيلها الصغيرة، كيف عشنا كل هذا السنوات من دون أن نلتقي مع من عاش قربنا خمسين عاماً، وأجزم بأن سبعين في المئة من السوريين لم يلتقوا مع حزب البعث وعاشوا معه حياة موازية، وماذا تغير فينا وفي بلادنـــا. فوجئت بأنها رواية حزينة كنت مصـــدوماً من كمية الصور الفظيعة التي أخزنها في ذاكــرتي عن هذه العقود الخمسة.

عن ملحق السفير الثقافي – جريدة السفير البيروتية 28/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق